هذه مفقسة مهاجرين

21 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 09:18 (توقيت القدس)
(عبود سلمان)
+ الخط -
اظهر الملخص
- منذ منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت بلادنا منصة هجرة، حيث أظهرت دراسة أن عدد الأشخاص من أصول سورية في العالم بلغ 75 مليوناً، مع تواجد كبير في البرازيل والأرجنتين وفنزويلا.
- الدراسة هدفت لفهم الروابط العائلية وتوزع الجاليات لتحديد سياسات التسعير وتوزيع المكاتب، وكشفت أن الهجرات السورية كانت لأسباب مثل التجنيد الإلزامي والجفاف والبحث عن فرص اقتصادية.
- الموجة الجديدة من الهجرة منذ 2011 تركز على الشباب المتعلمين الباحثين عن فرص دراسية ومهنية، مع عدم رغبتهم في العودة للوطن.

على الأقل، منذ منتصف القرن التاسع عشر، تحوّلت بلادنا من وطن إلى منصّة هجرة، تنجب أولاداً فتعطيهم للريح، لتحملهم حيث شاءت. 
قبل حوالي 20 عاماً، أجرت شركة تحويلات مالية عالمية دراسة للروابط العائلية عبر العالم، وتوزّع الجاليات وعلاقتها بأوطانها الأصلية، وبأقاربها هناك. والمآلات النهائية لموجات الهجرة التي لا تتوقف. 
هدف الدراسة كان رسم خطة عمل للشركة، وتحديد سياسات التسعير وتوزع المكاتب، لذلك هي جديرة بالاهتمام، وتملك مصداقية أكثر قليلاً من الدراسات التي تعدّ لأسباب معرفية أو أكاديمية. فخلفها مصلحة تجارية، والمال لا يحتمل التخمين والخطأ، ودقتّها تعني ربحاً لأحد ما. 
الجزء الذي يخصّنا من تلك الدراسة وقتها قدّم رقمياً ما كنا نعرفه نظرياً، نعرفه من حكايا الأجداد، ومن الزجل وشعر الحنين، ومن الكتب القليلة عن الرحلة السورية في العالم. 
يوم أعدّت الدراسة (بين عامي 2004 و2005) كان عدد سكان سورية أكثر قليلاً من 18 مليون نسمة، وصدمتنا الدراسة يومها بأن عدد الذين ينحدرون من أصول سورية في العالم 75 مليون. طبعاً للتخفيف من هول الرقم، تبين أن اللبنانيين الذي هاجروا قبل عام 1936 يحسبون من ضمنه. 
في البرازيل وحدها، هناك ستة ملايين سوري، وفي الأرجنتين خمسة، وفي فنزويلا مليونان، وهذا يشمل الجيل الرابع، الذي لا يعرف عن سورية شيئاً، وربما لا يعرف عن هذا الأصل البعيد، سوى أن الجد البعيد جاء من مكان بعيد. 
الشركة المذكورة لن تحتاج أن تجري دراسة أخرى عن الموضوع، ولا أعرف إن كانت شركة أخرى أو جهة أكاديمية ستهتم بفعل ذلك. لكني أعرف أن هجرتين كبيرتين جديدتين يجدر لحظهما في دراساتٍ كهذه. واحدة بدأت في عام 2011 والعالم كله يعرفها ويتحدث عنها، وواحدة تحدث الآن، وهي مختلفة تماماً عن أي موجة هجرة سابقة جرت من هذه البلاد. 
تنوعت أسباب الهجرات ووجهاتها، وأخذ بعضها شكل موجات كبيرة مثل هجرة "الأخد عسكر" التي بدأت على نطاق واسع بعد إقرار التجنيد الإلزامي في الدولة العثمانية، وبدء تطبيقه في ولايتي سورية والعراق 1848، وهذه كانت وجهتها الأساسية أميركا الجنوبية. و"هجرة المخابرات" التي بدأت على نطاق واسع بعد انفلات آخر ذرّة عقل في المنظومة الأمنية لنظام الأسد 2011، وهذه الهجرة لم يكن لها وجهة محدّدة، بل كانت أشبه بشعب يهيم على وجهه إلى حيث أي أرض تقبله. مروراً بـ "هجرة الجفاف والجوع" قبيل الحرب العالمية الأولى وفي أثنائها، وكانت منقسمة إلى الأميركيتين الشمالية والجنوبية، وهجرة "طلب الرزق"، والتي لم تكن موجة كثيفة كالأخريات، بل موجة طويلة ومستمرّة، تتصاعد وتيرتها وتتباطأ بحسب الأوضاع الاقتصادية والمناخية، وأوسعها كانت الهجرة إلى الخليج العربي منذ سبعينيات القرن العشرين. 
تختلف موجة الهجرة الجديدة عن كل ما سبقها، تركّز على الشريحة الأولى من جيل الشباب، أطباء وصيادلة، طلاب حصلوا على الشهادة الجامعية أو الثانوية للتو يبحثون عن أي مكانٍ يعطيهم قبولاً دراسياً، يزيد فرص الحصول على فيزا. مدرسة مهنية في ألمانيا تمنح قبولاً. وخصوصية هذه الموجة، أن كل مهاجريها لا يريدون الالتفات إلى الوراء، ولا يشعرون أنهم يغادرون بلادهم. لن تبكي أمهاتهم عند الوداع، ولن يرسلوا إلينا المكاتيب، وحتى إنهم لن يتابعوا أخبارنا.