"مملكة الذهب الأبيض"... قطن الجزيرة يحتضر

01 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 02 سبتمبر 2026 - 14:03 (توقيت القدس)
سوري يحصد القطن في تل أبيض شمال الرقة (9/10/2022 الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تاريخ زراعة القطن في الحسكة: كانت الحسكة تُعرف بـ"مملكة الذهب الأبيض" في سوريا، حيث ساهمت بشكل كبير في الاقتصاد الوطني بإنتاج 40% من القطن قبل 2011. تراجعت الزراعة منذ 2008 بسبب رفع الدعم عن المحروقات والجفاف والسياسات الحكومية.

- التحديات الحالية: الحرب وتدهور البنية التحتية أثرت على إنتاج القطن، حيث انخفضت المساحات المزروعة والإنتاجية بشكل حاد. يواجه المزارعون تحديات مثل ارتفاع أسعار المحروقات، مما أدى إلى تقليص المساحات المزروعة.

- آفاق المستقبل: رغم التحديات، هناك بوادر تعافٍ في زراعة القطن مع استقرار المساحات المزروعة. يأمل المزارعون في استعادة مجد الزراعة بدعم حكومي وتوفير مستلزمات الإنتاج واعتماد تقنيات الري الحديثة.

تراجعت زراعة القطن إلى أدنى مستوياتها في محافظة الحسكة، "مملكة الذهب الأبيض" في سورية، وانحسرت المساحات من عشرات الآلاف إلى بضعة آلاف من الهكتارات، لجملة من الأسباب التي رصدناها في هذا التقرير بالأرقام وشهادات المزارعين الميدانية، بحثاً عن فرص إحياء عرشه المفقود.

تعدّ محافظة الحسكة (مملكة الذهب الأبيض)، القلب النابض لإنتاج القطن في سورية، كما تعتبر سلتها الغذائية التي حملت على عاتقها دعم الاقتصاد الوطني لعقود طويلة، إذ كانت قبل عام 2011، من أكثر المحافظات السورية إنتاجاً للقطن إلى جانب القمح والشعير.
وتتركز زراعة القطن في سورية بشكل رئيسي في محافظة الحسكة، وحوض نهر الفرات، حيث تعتمد هذه الزراعة الصيفية على توفر مياه الري والمناخ الملائم، وتتوزع الحقول الزراعية للقطن في محافظات الرقة، دير الزور، حلب، حماة، إدلب، حمص، وريف العاصمة السورية دمشق. غير أن هذا المحصول الاستراتيجي بات يصارع سكرات الموت، إذ تقهقرت مساحاته المزروعة بنكسات متتالية، وكانت الحسكة تفخر يوماً بتأمين نحو 40% من إجمالي الإنتاج الوطني، إذ فاضت خيراتها في موسم 2005 بنحو 378,330 طناً، وفي 2010 زرعت أراضيها نحو 45,843 هكتاراً، بإنتاج قارب ربع مليون طن.
تبوأ القطن السوري عرش العالمية، إذ احتلت سورية قبل عام 2011 المرتبة الثانية عالمياً في إنتاجية الهكتار، بإنتاج سنوي تراوح بين 700 و750 ألف طن، وتربعت البلاد في عام 2010 على المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج القطن العضوي بـ 20 ألف طن.
وتعود جذور هذا التراجع إلى 2008، عندما بدأ القطاع الزراعي انكماشه الأول إثر رفع الدعم الجزئي عن المحروقات والأسمدة، ما تسبب في قفزة باهظة لتكاليف الري، كما حمل مناخ عام 2006 معه موجة جفاف ضربت البلاد، واستنزفت المخزون المائي وحظرت حفر الآبار الارتوازية، لينحسر الإنتاج الوطني في ذلك العام إلى 686 ألف طن، بعد أن ناهز المليون طن في 2005. وعقب انتفاضة القامشلي في 12 مارس/ آذار 2004، وضمن سياسة التضييق والانتقام الجماعي ضد الكرد السوريين، أصدر النظام البائد سلسلة من المراسيم الاستثنائية، كان أبرزها القانون 41 لعام 2004 تلاه المرسوم التشريعي 49) لعام 2008، وتحول هذان المرسومان التشريعيان إلى أداة تضييق اقتصادي ممنهجة خنقت الاستثمار الزراعي وشلت شريان الحياة في المنطقة. واشترطت هذه المراسيم الحصول على "موافقة أمنية مسبقة" لوضع إشارة الرهن العقاري لصالح المصرف الزراعي التعاوني، وكان أغلب المزارعين الكرد السوريين، يواجهون رفضاً أمنياً تلقائياً، فقد حرموا كلياً من القروض التشغيلية اللازمة لشراء البذور والأسمدة والمحروقات والمعدات. كما حظر المرسوم إبرام عقود المشاركة والإيجار الزراعي أو تجديدها لأكثر من ثلاث سنوات دون ترخيص أمني، ما أدى إلى شلل في حركة العقود وتوقف الاستثمارات طويلة الأجل لاستصلاح الأراضي، وربط المرسوم ترخيص الآبار الارتوازية وتشييد شبكات الري الحديث بالشرط العقاري والأمني ذاته، مما جمد التحول نحو الزراعة المروية وترك مئات آلاف الدونمات تحت رحمة الجفاف والزراعة البعلية.
أمام هذا العجز القسري عن استثمار الأراضي أو التصرف بها أو نقل ملكيتها قانونياً، أجبرت آلاف العائلات الزراعية على هجر أراضيها والهجرة نحو المدن الكبرى بحثاً عن أدنى مقومات العيش، ما تسبب في إهمال مساحات شاسعة من الأخصب في البلاد وتحولها إلى أراض بور، ليشكل ذلك الضربة القاضية للواقع الزراعي في المنطقة.

وتراجعت المساحات المزروعة بالقطن في عموم البلاد من 270 ألف هكتار إلى نحو 175 - 200 ألف هكتار عشية عام 2011، ومع اشتعال نيران الحرب في البلاد وتداعي البنية التحتية، تعرضت المحالج ومعامل الغزل والنسيج للتدمير والسرقة والتوقف بفعل أزمات المحروقات والكهرباء، ما خنق شريان القطن الخام في مهده. 

في ريف مدينة عامودا شمال الحسكة، يخلو الأفق من بياض القطن، وفي ريف مدينة القامشلي تتناثر بقع خضراء خجولة، وعلى امتداد الطريق الدولي بين الحسكة والقامشلي لا تكاد تجد سوى مساحتين أو ثلاث مساحات تقاوم سكرات الموت. وتاريخياً كانت الحسكة تجود وحدها بما بين 200 و250 ألف طن من أصل الإنتاج الوطني الإجمالي الذي كان يتجاوز 700 ألف طن في سنوات الوفرة، إذ ألقى الجفاف وانقطاع إمدادات نهر الفرات وجفاف نهر الخابور التي كانت يوماً تروي آلاف الهكتارات بظلاله الثقيلة على هذا المحصول، لتكتمل الأزمة مع سنوات الحرب والجفاف وغياب الدعم وارتفاع الأسعار الخيالي.
توالت الانتكاسات، فتراجعت المساحة الزراعية عام 2014 لتلامس 20% فقط من معدلاتها المعتادة، وفي عام 2018 انحسرت المساحات في المحافظة إلى 16,660 هكتاراً، وبعد أن كان الإنتاج الوطني يتصدر المشهد بـ 750 ألف طن في 2011 وتغزل خيوطه لأكثر من 30 دولة، انحدر إلى القاع في سنوات القحط إلى 14 ألف طن فقط.

تراجع الإنتاج بنسبة تجاوزت 90%، لتنكسر سلسلة الاكتفاء الذاتي وتحتكم سورية لاستيراد الأقمشة والغزل بعدما كانت قلعة تصديرية لها

بعد انخفاض حاد، حصل تعاف خجول في المواسم المروية، إذ استقرت المساحات عند عتبة 7،800 هكتار تقريباً خلال عامي 2025 و 2026، بعد أن كانت قد تراجعت إلى 6135 هكتاراً في 2024، و5910 هكتارات في 2022. هذا الفارق الشاسع بين أرقام الماضي والواقع الحالي، يعكس حجم النكسات المتتالية التي دفعت بالبلاد، فبين التسعيرة والتكاليف الباهظة للمازوت والبذور والأسمدة، نفض المزارعون أيديهم من القطن وهجروا المحصول.
بين لظى أسعار المحروقات وارتفاع مستلزمات الإنتاج المسعرة بالدولار، يقف المزارع محمد عيسى (60 عاماً)، أحد الصامدين في ريف القامشلي، شاهد عيان على هذا التحول التراجيدي، يقلب عيسى كفيه بأسى قائلاً: "لقد زرعت هذا العام 50 دونماً فقط، بعدما كنت أفلح 200 دونم في أعوام العز".
ويمر محصول القطن حالياً في محافظة الحسكة بمرحلة التفتيح، حيث يتحول النبات من الورد إلى الجوز مفتشاً عن ولادة بياضه الناصع، وتنتظر الأيدي جني المحصول في أواخر أيلول إذا ما جادت الشمس بالدفء. يرى عيسى أن القطن طفل مدلل عكس بقية المحاصيل، ويحتاج إلى 14 رية سقي.
وفي ظل غياب أي دعم للمحصول، وقفز سعر برميل المازوت إلى 160 دولاراً، استعان عيسى بمنظومة ألواح الطاقة الشمسية، للتخلص من الأعباء الزائدة المترتبة على الزراعة، موضحاً: "لولا الطاقة الشمسية لما تمكنت من زراعة القطن هذا العام، فالمزارع لا يستطيع الاعتماد على المحروقات لارتفاع أسعارها لأنها ستكبده خسائر فادحة عند بيع المحصول، حتى لو باع الطن بألف دولار".
ويشكو المزارع الستيني المأزق المالي القاسي عند شراء مستلزمات الإنتاج بالدولار، مؤكداً أن السعر العادل الذي يجب أن يحدد هذا الموسم ينبغي ألا يقل عن 800 - 850 دولاراً للطن ليغطي التكاليف الأساسية.
وترك المزارع خالد محمد (55 عاماً) من ريف القامشلي زراعة القطن هذا العام، بعد أن كان يزرعه على امتداد 75 دونماً، مشيراً أن السبب الرئيسي في عزوفه التام عن زراعة القطن هذا العام، يعود إلى القفزات الخيالية في أسعار المستلزمات من بذور وأسمدة ومحروقات وارتفاع تكاليف اليد العاملة.
كما وثق المزارع سليمان عزيز من ريف مدينة القامشلي (64 عاماً) بالشهادة والأرقام الميدانية، ما آل إليه واقع القطن في المحافظة، إذ قال: "زرعت 50 دونماً هذا العام، أمضيت عقوداً في الزراعة، وشهدت الأيام التي كان فيها هذا المحصول رزقاً يفيض على سورية بأكملها، أما اليوم فبات الذهب الأبيض حملاً ثقيلاً يكسر كاهل المزارع ويجره إلى إفلاس محقق". وأوضح أن سعر المازوت قفز إلى 160 دولاراً للبرميل، وأن المضخة تستهلك كل 8 ساعات برميل مازوت كاملا (أي 4 براميل يومياً)، والقطن يحتاج بين 13 إلى 15 سقية.
وأضاف: "اشترينا طن البذار بـ 1000 إلى 1500 دولار، وطناً من سماد اليوريا بما لا يقل عن 900 دولار، يضاف إليها أجور العمالة التي بلغت أكثر من 2000 دولار دون احتساب تكاليف القطاف، والطامة الكبرى تتجلى لحظة تسليم المحصول، إذ نفاجأ بتسعيرة مجحفة لا تغطي التكاليف فتتراكم الديون، وهذا هو السبب الحقيقي لعزوف المزارعين".
وكان مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة السورية محمد معري قد قال في تصريح لـ "سانا" إن التقديرات الأولية تشير إلى إنتاج نحو 79,467 طناً من محصول القطن خلال الموسم الحالي، مبيناً أن المساحات المزروعة بلغت نحو 26,593 هكتاراً. 

قضية القطن مرهونة بمدى تقديم الدعم المباشر لهذا المحصول الإستراتيجي، ولإعادة بث الروح فيه من جديد واستعادة مكانته

وبذلك تراجع الإنتاج بنسبة تجاوزت 90%، لتنكسر سلسلة الاكتفاء الذاتي وتحتكم سورية لاستيراد الأقمشة والغزل بعدما كانت قلعة تصديرية لها. ففي العصر الذهبي لمحصول القطن، تجاوز الإنتاج الوطني حاجز 750 ألف طن سنوياً، وبالرغم من التعافي البسيط خلال عامي 2025/ 2026 إلا أن إجمالي الإنتاج الوطني العام لا يزال يقبع تحت وطأة الانخفاض الحاد.
ورغم قسوة المشهد، يبسط الأمل أجنحته؛ ففي ريف القامشلي يقف المزارع بنكين رمضان (47 عاماً) على أعتاب 30 دونماً من القطن زرعها هذا الموسم، ليؤكد أن جذور الشغف بالقطن لم تمت بعد. يتأمل الأربعيني امتداد الأراضي، متسائلاً بنبرة رجاء: "هذه الأراضي القاحلة كانت يوماً تنبض بالخير الوفير. متى ما وجد التسعير العادل الذي يجبر خاطر المزارع، ومثلت حلول لغلاء المازوت والأسمدة والبذور، سيعود للزراعة رونقها العتيق ويتجلى بياض أرضنا من جديد".
وتبقى قضية القطن مرهونة بمدى تقديم الدعم المباشر لهذا المحصول الإستراتيجي، ولإعادة بث الروح فيه من جديد واستعادة مكانته المرموقة، فهو الذهب الأبيض الذي طالما أقيمت له المهرجانات، وتغنى به الفنانون، كما في روائع التراث الفراتي لتوثيق أجواء جني القطن ومواسمها في مدن الفرات والجزيرة السورية وأريافهما، حيث كانت تجمع العائلات والمزارعين في احتفاليات ومواسم فرح وحصاد شعبية.
لم تلبِّ الأرقام هذا العام الطموح مقارنة بأمجاد العصر الذهبي للمحصول، إلا أن أهميتها تكمن في أنها نواة صلبة يمكن البناء عليها، في حال توجيه الدعم المستدام نحو تقنيات الري الحديث، وتأمين البذور والأسمدة بأسعار تشجيعية للمزارع، سيمهد الطريق حتماً لاستعادة المساحات المفقودة، وإعادة بريق هذا المحصول السيادي ليصعد مجدّداً إلى عرشه.