متلازمان لا متنافران... العدالة ليست عبئاً على الاستقرار

24 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 09:18 (توقيت القدس)
سوريون يتظاهرون في ساحة الساعة في حمص مطالبين بالعدالة (7/12/2025 Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه الدول الخارجة من النزاعات تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، حيث لا يمكن معالجة الفجوات المتعمقة بمجرد إعلان المساواة القانونية، إذ يظل التفاوت في الفرص والموارد قائماً.

- العدالة تتجاوز توزيع الموارد لتشمل الكرامة والاحترام المتساوي من مؤسسات الدولة، مع ضرورة وضوح الإجراءات وشفافية التعيينات لضمان بيئة تنافسية صحية.

- الاستقرار لا يمكن تحقيقه بتأجيل العدالة الاجتماعية، حيث أن الفجوات الكبيرة في الفرص والدخل تهدد الاستقرار الحقيقي، مما يجعل العدالة الاجتماعية خياراً عملياً لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.

أخطر ما يواجه دولة خرجت بعد عقود من حكمٍ قائم على الإقصاء والتمييز، وأعقبتها سنوات نزاع وانهيار اقتصادي، ليس غياب القوانين بل الاكتفاء بها. فالنصوص قد تكون واضحة، وقد تعود المؤسسات إلى العمل، ومع ذلك تبقى الفجوات الاجتماعية على حالها. ومن هنا، يصبح الحديث عن العدالة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان المساواة.
يُقال إن المشكلة كانت في غياب المساواة، وإن الحل يكمن في ترسيخها بلا استثناء. لكن هذا التشخيص يختزل القضية. المساواة أمام القانون ضرورية، لكنها لا تعالج وحدها آثار عقود طويلة من التمييز غير المعلن، ثم سنوات من الحرب التي عمّقت الفوارق بين الناس.
ليست المشكلة الحقيقية في غياب قاعدة قانونية عامة، بل في التفاوت الكبير بين المواطنين عند نقطة البداية. هناك من خرج من السنوات الماضية محتفظاً بتعليمه، وعلاقاته، وأملاكه. وهناك من فقد منزله، أو انقطع عن الدراسة، أو استنزف كل ما يملك. إخضاع الطرفين للقاعدة نفسها لا يجعل فرصهما متساوية تلقائياً. الفارق في القدرة على الاستفادة من القانون هو جوهر الإشكال.

تسود فكرة أن العدالة تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، دون تمييز. هذه فكرة تبدو منطقية، لكنها قد تخفي مشكلة أعمق

خلال عقود، تشكلت فجواتٌ واضحة بين مناطق وأخرى، وبين فئاتٍ اجتماعيةٍ وأخرى. بعض المناطق حظيت بخدمات أفضل وفرص عمل أوسع، فيما عانت مناطق أخرى من ضعف الاستثمار وفرص محدودة. ثم جاءت الحرب فوسّعت هذه الفجوات. مدارس أُغلقت، بنى تحتية تضرّرت، وأسر فقدت مصادر دخلها بالكامل. وتوضح تجارب دول أخرى أن إعلان المساواة لا يكفي، وأن معالجة التفاوت تحتاج رؤية عملية لا تكتفي بالشعارات.
تسود فكرة أن العدالة تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، دون تمييز. هذه فكرة تبدو منطقية، لكنها قد تخفي مشكلة أعمق. إذا كان بعض الناس قد حُرموا لسنوات من التعليم الجيد أو من فرص العمل، فإن معاملتهم اليوم بالطريقة نفسها التي يُعامل بها من لم يُحرموا، لا تعيد التوازن.
العدالة هنا لا تعني منح امتيازات دائمة، بل اتخاذ إجراءات مؤقتة تعيد فتح الأبواب التي أُغلقت. الفارق كبير بين تمييز دائم يرسّخ الانقسام، وبين سياسة محدّدة الهدف تسعى إلى تقليص فجوة واضحة. تجاهل هذا الفارق يجعل النقاش يدور حول الشكل، لا حول الأثر.

العدالة تبدأ من الكرامة

قبل الحديث عن توزيع الموارد أو إعادة الإعمار، تبرز مسألة أساسية تتعلق بعلاقة المواطن بمؤسسات الدولة. فالشعور بالعدالة لا يتشكل فقط عبر مستوى الدخل أو حجم الدعم، بل يبدأ من إحساس الفرد بأنه يُعامل باحترام متساوٍ، وأن حقوقه تُصان عبر إجراءات واضحة ومفهومة.
وعندما تصبح الإجراءات غامضة، أو يتحول الوصول إلى الحقّ إلى مسألة تتطلب وساطة أو نفوذاً، فإن الخلل لا يكون اقتصادياً فحسب، بل مؤسسياً. عندها تتأثر الثقة، ويتحول التعامل مع الدولة من علاقة قانونية إلى علاقة مشروطة بالقدرة على التأثير. وهنا تتضح الفكرة: العدالة الاجتماعية لا تكتمل من دون عدالة إدارية تضمن الكرامة قبل الموارد.
الدول التي خرجت من أنظمة مغلقة ركزت أولاً على إصلاح الإدارة العامة. وضوح الإجراءات، شفافية التعيينات، ومساءلة الموظفين، لم تكن تفاصيل ثانوية، بل أساساً لاستعادة الثقة. العدالة الاجتماعية من دون عدالة إدارية تبقى ناقصة.
ولا يمكن لأي مجتمع أن يلغي كل الفوارق بين أفراده. هناك اختلاف في المهارات والجهد والقدرة على الابتكار. المشكلة لا تكمن في وجود تفاوت، بل في نوعه. إذا كان النجاح مرتبطاً بالعمل والإنتاج في بيئة تنافسية واضحة، فهو تفاوت مفهوم. أما إذا كان مرتبطاً بالاحتكار أو بالعلاقات الخاصة أو بالقدرة على الوصول الحصري إلى الموارد العامة، فإنه يتحول إلى خلل في قواعد اللعبة.
العدالة الاجتماعية لا تعني تسوية الجميع عند مستوى واحد، بل ضمان أن الطريق إلى التقدم مفتوح أمام من يملك الكفاءة، لا أمام من يملك النفوذ فقط.

ليست العدالة الاجتماعية في سورية مسألة نظرية، بل هي خيار عملي يتعلق بكيفية إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد يمنح الاكتفاء بالمساواة الشكلية شعوراً بالإنجاز، لكنه لا يجيب عن السؤال الأعمق

خطاب "الاستقرار أولاً" 

يتردد أحياناً أن الأولوية يجب أن تكون للاستقرار، وأن النقاش حول العدالة الاجتماعية يمكن تأجيله. هذا الطرح يفترض أن العدالة عبء على الاستقرار. لكن التجربة تشير إلى أن الفجوات الكبيرة في الفرص والدخل تخلق توتراً صامتاً. قد لا يظهر فوراً، لكنه يتراكم.
لا يقوم الاستقرار الحقيقي فقط على غياب الصراع، بل على شعور عام بأن النظام عادل إلى حد معقول. تجاهل الفوارق بحجة الحفاظ على الهدوء قد يحقق هدوءًا مؤقتاً، لكنه لا يزيل أسباب القلق. ... ومن المهم أيضاً عدم الخلط بين العدالة الاجتماعية ومسار المساءلة عن الانتهاكات. تتعلق الأولى بتنظيم الفرص وتوزيع الموارد، والثانية تتعلق بالاعتراف والمحاسبة. لا يمكن لإحداهما أن تحل محل الأخرى. بناء مستقبل متوازن يتطلب معالجة آثار الماضي من جهة، ووضع قواعد اقتصادية واجتماعية عادلة من جهة أخرى.
يؤدّي الخلط بين المسارين إلى نتائج مشوشة: تحميل السياسات الاجتماعية ما لا تحتمل أو اختزال العدالة في بعدها الاقتصادي فقط.

سؤال يتجاوز الطمأنينة

ليست العدالة الاجتماعية في سورية مسألة نظرية، بل هي خيار عملي يتعلق بكيفية إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد يمنح الاكتفاء بالمساواة الشكلية شعوراً بالإنجاز، لكنه لا يجيب عن السؤال الأعمق: هل تقلّصت الفجوات فعلاً، أم أنها أعيدت صياغتها بشكل جديد؟ وإذا اعتاد المجتمع مع الوقت على تفاوت كبير في الفرص، واعتبره أمراً طبيعياً لا يمكن تغييره، فهل يبقى الحديث عن العدالة ذا معنى؟ عند تلك اللحظة، لا تكون المشكلة في نقص القوانين أو البرامج، بل في حدود ما نقبل به بوصفه واقعاً. والسؤال هنا: هل يمكن لدولة أن تبني مستقبلاً مستقراً إذا كان جزء من مجتمعها يشعر بأن نقطة البداية لم تكن، ولن تكون، متساوية؟