قطاع غزة بين أساطيل الحرية والقرصنة الإسرائيلية

25 مايو 2026   |  آخر تحديث: 07:51 (توقيت القدس)
سفينة حنظلة لكسر حصار قطاع غزة غير القانوني، إيطاليا 2025/7/20 (فاليريا فيرارو/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تتواصل الجهود العالمية لدعم القضية الفلسطينية رغم القرصنة الإسرائيلية، مع استمرار أساطيل الحرية ومسيرات التضامن، مما يثير تساؤلات حول تأثير هذا التضامن في مواجهة القيود المفروضة على غزة وفلسطين.

- تتأثر القضية الفلسطينية بتغيرات النظام الدولي، مثل تراجع الهيمنة الأمريكية، وتحسن موقف الصين، وانتقادات الأمم المتحدة لإسرائيل، بالإضافة إلى التوترات الإقليمية بين القوى الداعمة للتهدئة والتحالف الأمريكي الإسرائيلي الإماراتي.

- يتطلب إنهاء حصار غزة دعمًا عربيًا وإقليميًا، حيث يمكن لمصر والسعودية لعب دور محوري، لكن الانقسام الفلسطيني يظل عائقًا أمام تحقيق نتائج ملموسة.

على الرغم من استمرار استراتيجية القرصنة الإسرائيلية ضدّ سفن التضامن العالمي مع قطاع غزّة، فقد استمرّت تفاعلات "عولمة" قضية فلسطين، كما يكشفه تواصل تسيير أساطيل الحرية لتقديم المساعدات إلى قطاع غزّة، وكذلك استمرار مسيرات التضامن مع قضية فلسطين في ذكرى النكبة الثامنة والسبعين، في عواصم عالمية عدّة، وتزايد مؤشرات وأفعال التضامن لدى قطاعات الرياضيين والفنانين والكتّاب والصحافيين والناشطين المدنيين... إلخ، خصوصاً في أرجاء القارة الأوروبية، ما يطرح تساؤلاً مهمّاً عن "حدود تأثير هذا البعد التضامني الشعبي/المدني العالمي، في التغلّب على (أو تخفيف وطأة) القيود الإسرائيلية والعربية والدولية، في قضيتي قطاع غزّة وفلسطين".

وفي إطار تقييم أثر التضامن العالمي مع قضية فلسطين، يمكن التوقّف عند أربع ملاحظات؛ تتعلّق الأولى بالأبعاد الدولية المؤثّرة في قضية فلسطين، لا سيّما في هذه المرحلة الانتقالية من تطور النظام الدولي، الذي يمكن تقسيم تفاعلاته إلى خمسة مستويات؛ أولها بروز إرهاصات تآكل "السطوة الأميركية" على الشؤون الدولية، بسبب الأخطاء الكبرى لإدارة دونالد ترامب، خصوصاً بعد شنّ الحرب على إيران (منذ 28 فبراير/شباط الماضي)، وتداعياتها الاستراتيجية المستمرة، لا سيّما ما يتعلّق بأزمة إغلاق مضيق هرمز، بوصفها "أزمة دولية" تعيد ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط برمته. وثانيها، تصاعد الخلافات الأوروبية الأميركية، واختلاف الخطاب والاستراتيجيات تجاه قضايا عدّة (مثل العلاقة مع روسيا والصين، وسبل تسوية حرب أوكرانيا، ومستقبل الناتو، وأمن مضيق هرمز)، على نحو ينعكس حُكماً على إضعاف المكانة الأميركية "شبه المهيمنة" على القضايا الدولية، لا سيّما قضية فلسطين. وثالثها، تحسّن المركز التفاوضي الصيني في مواجهة واشنطن، على الرغم من استمرار إحجام بكين عن مواجهة السياسات الأميركية، إلّا فيما يتعلق بقضية تايوان، بالتوازي مع "إهمال" صيني لقضية فلسطين، وبالذات تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة. ورابعها، تصاعد الانتقادات الأممية ومؤسسات الأمم المتّحدة، ودعمها "الرمزي" الاعترافات بالدولة الفلسطينية، بالتوازي مع تصاعد الحملات الأميركية/الإسرائيلية ضدّ المسؤولين الحقوقيين الدوليين المتعاطفين مع قضية فلسطين، (فرانشيسكا ألبانيزي وكريم خان مثلاً). وخامسها، تصاعد التضامن الشعبي/ المدني العالمي مع قضية فلسطين، الذي يمكن أن يضغط على صنّاع القرار الأوروبي خصوصاً، كي يُغيروا مقارباتهم المنقسمة والمترددة تجاه قضية فلسطين، وكذا تجاه مسألة فرض عقوبات أوروبية جماعية على إسرائيل.

إن تكثيف استخدام إسرائيل التجويع سلاحًا سياسيا ضدّ الغزيين سيؤدّي إلى حضور أكبر لملف قطاع غزّة الإنساني والإغاثي في الضغط لتحريك التضامن العالمي وتنشيطه،

واستطرادًا في التحليل، يتوقف استمرار التضامن العالمي مع فلسطين وتصاعد تأثيره، على محصلة تفاعلات عوامل عدّة؛ منها تصاعد إرهاصات فشل سياسة القوّة الإسرائيلية/الأميركية في تحقيق "النصر الحاسم/ المطلق"، علماً بأن حكومة بنيامين نتنياهو وأحزاب اليمين المتطرف، تنتهج سياسة "التصعيد بلا رجعة"، سواء في قانون إعدام الأسرى، أو في تكثيف سياسة الاغتيالات في قطاع غزّة ولبنان، أو في سعي الكنيست إلى إقرار مشروع قانون يسعى إلى إلغاء اتّفاقيات أوسلو واتّفاقية الخليل، في ظلّ هيمنة "حسابات استراتيجية" أساسًا، بالتوازي مع "مزايدات انتخابية/ دعائية"، وبروز الأبعاد الغيبية/ الأيديولوجية/ المسيانية في الخطاب الإسرائيلي، مع تصاعد احتمال العودة الإسرائيلية إلى تصعيد حرب الإبادة على قطاع غزّة، وتوسيعها نحو الضفّة الغربية، بالإضافة إلى  إبادة أو تهجير قرى جنوب لبنان؛ إذ تبدو الموافقة الأميركية الصريحة على تكثيف الإبادة كأنّها "تعويض" أميركي لنتنياهو عن "الهزيمة الإسرائيلية المتوقّعة في حرب إيران"، والتي قد تقضي على فرص نتنياهو السياسية، على الرغم من تمسك الرئيس ترامب به، و تكراره مطالبة الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، بإصدار العفو عن نتنياهو؛ فالأرجح أن فاتورة الخسارة الأميركية في حرب إيران، ستُدفع من حساب مكانة إسرائيل الدولية والإقليمية، خصوصاً إذا فشل ترامب في إبرام اتّفاق سلام لبناني إسرائيلي.

بالإضافة إلى ما سبق فإن تكثيف استخدام إسرائيل التجويع سلاحًا سياسيا ضدّ الغزيين سيؤدّي إلى حضور أكبر لملف قطاع غزّة الإنساني والإغاثي في الضغط لتحريك التضامن العالمي وتنشيطه، خصوصًا بعد قرار منظمة "المطبخ المركزي العالمي" تقليص عملياتها الغذائية في قطاع غزّة، ما يفاقم معاناة آلاف العائلات التي تعتمد على الوجبات الساخنة مصدراً للطعام، جراء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، والاستهداف الإسرائيلي الممنهج لدور وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، ناهيك عن استهداف أيّة قوّة شرطية أو مدنية، تعمل على ضبط أوضاع قطاع غزّة، ومنع انزلاقها إلى "الفوضى الشاملة"، وهو السيناريو المرغوب إسرائيليّاً.

ثمّ هناك بروز دور الفاتيكان، وخلاف ترامب المتصاعد مع "المرجعية الرمزية/ الأخلاقية" لبابا الفاتيكان، إضافةً إلى تصاعد خطابات "القوى المتوسّطة" في النظام الدولي، خصوصًا إسبانيا وتركيا، في التأكيد على ضرورة احترام قواعد الشرعية الدولية، على نحو يُعزز تيار المفاوضات والحلول الدبلوماسية و"عقلنة" العلاقات الدولية، بدلًا من تيار "التصعيد والعسكرة"، الذي تقوده الإدارات الأميركية وحليفها الإسرائيلي؛ إذ أسهمت إسرائيل في تراجع المكانة الأميركية دوليًاً وإقليميّاً؛ وكان تزايد النزعة العسكرية في سياسات واشنطن مدفوعاً في الغالب بدوافع إسرائيلية، أكثر منها أميركية، كما يكشفه تكرار التدخلات العسكرية، في العراق وسورية واليمن وليبيا ولبنان والصومال، ونشر القواعد الأميركية حول إيران، الّتي تخدم في جوهرها إسرائيل. وبدلاً من بناء الإمبراطورية الأميركية على أساس التوسع في التجارة والأسواق الدولية، تزاوج بناء الإمبراطورية مع المؤسسات العسكرية وشركات إنتاج السلاح، وهي قوى لها صلة وثيقة بالدوائر والاحتياجات الإسرائيلية.

وتتعلّق الملاحظة الثانية بالأبعاد الإقليمية لقضية فلسطين، خصوصًا تصاعد الصراع بين القوى الإقليمية الداعمة لتهدئة الصراع الأميركي الإيراني وتسويته، عبر جهود التفاوض والحوار والدبلوماسية، في مقابل سياسات التحالف الأميركي الإسرائيلي الإماراتي، الذي يميل إلى تصعيد الصراع وتكثيف استخدام أدوات الإكراه، خصوصاً القوّة العسكرية، وتشديد الحصار البحري على إيران، والاستهداف الممنهج لقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية. 

أما الملاحظة الثالثة فتتعلّق بأثر الأبعاد العربية في دعم التضامن العالمي مع قضية فلسطين، وصولًا إلى إنهاء حصار قطاع غزّة؛ ما يستدعي التأكيد على ثلاثة أمور؛ أوّلها؛ أن كسر الحصار بريًّا، عبر قوافل الصمود، أسهل من كسره بحريّاً، بيد أن ذلك، مرهون بتغير المواقف المصرية من الحصار على الأقل، ومن اتّفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية عموماً، والتحرر من سياسات التحالف مع الولايات المتّحدة.

وعلى الرغم من أهمّية توفّر دعم عربي وإقليمي وعالمي لفرض كسر حصار قطاع غزّة، فإن مصر والسعودية وحدهما، تستطيعان المبادرة إلى تنفيذ قرارات قمة الرياض العربية والإسلامية (2023/11/11)، أو تكثيف ضغوطهما على واشنطن لإنهاء هذا الحصار، ومنع الانفجار الفلسطيني الشامل. وثانيهما؛ تشابك قضية فلسطين مع مسارات التغيير في العالم العربي، ما يعني أن كل تحسّن ديمقراطي في العالم العربي يصب لمصلحة فلسطين، والعكس صحيح؛ إذ إن غياب الموقف الرسمي العربي يُعرقل نجاح جهود التضامن العالمي مع فلسطين. وثالثها؛ ضرورة مراجعة مسارات التطبيع والتجارة العربية مع إسرائيل، وكذا مراجعة الرهان العبثي على الدور الأميركي في الضغط على حليفها الإسرائيلي؛ إذ يجب أن تُعاقِب الدولُ العربيةُ الفاعلةُ إسرائيلَ وتَعزِلها إقليميًّا ودوليًّا، لإجبارها على وقف انتهاكها الحقوق الفلسطينية والعربية.

يتوقف استمرار التضامن العالمي مع فلسطين وتصاعد تأثيره، على محصلة تفاعلات عوامل عدّة؛ منها تصاعد إرهاصات فشل سياسة القوّة الإسرائيلية/الأميركية في تحقيق "النصر الحاسم/ المطلق"

تتعلّق الملاحظة الرابعة بأثر الأبعاد الفلسطينية في تسريع قطف ثمار التضامن العالمي مع قضية فلسطين أو عرقلته؛ فالمؤكّد أن تأخر الاستجابة الفلسطينية للتحديات المتصاعدة، واستمرار الانقسام الفلسطيني، ومناورات التغيير الشكلي (عبر انعقاد المؤتمرات الفصائلية، أو الانتخابات الشكلية لإعادة تدوير النخب القديمة نفسها، وغياب استراتيجية نضالية فلسطينية شاملة توظّف المتغيرات الإقليمية والدولية المستجدة)، هي عوامل تُنذر بتهميش أكبر لقضية فلسطين، في المدى المنظور.

يبقى القول إن تحليل اتجاهات تطور السياسات الدولية والعالمية والإقليمية والعربية بشأن القضية الفلسطينية يكشف عموماً عن تصاعد تأثير البعد التضامني الشعبي العالمي، وإمكانية تخفيفه القيود الإسرائيلية والعربية والدولية في قضيتي قطاع غزّة وفلسطين، على الرغم من استمرار استراتيجية القرصنة الإسرائيلية ضدّ سفن التضامن العالمي مع القطاع، بالتوازي مع استمرار الغطاء الأميركي اليوناني الألماني، لهذا السلوك الإسرائيلي، الذي لا يمكن وقفه من دون تحول حقيقي في السياسات العربية والإقليمية نحو الضغط على إسرائيل وعزلها ومعاقبتها، وليس تشجيعها بالتطبيع والتحالف معها، علمًا بأن السياستين الإسرائيلية والأميركية لا يمكنهما، مهما فعلتا، وقف عملية "عولمة قضية فلسطين"، الّتي تحقق إنجازات "تراكمية"، لمصلحة قضية فلسطين وسرديتها التحريرية، وضدّ السردية الكولونيالية الإسرائيلية، المدعومة أميركياً، بلا حدود تقريباً.