- المظاهرات والرسائل الموجهة: المظاهرات الأخيرة في سوريا أظهرت دعماً قوياً للفلسطينيين، حيث رفعت شعارات وأعلام تعبر عن رفض مسار التسوية مع إسرائيل، وتطالب بتوجيه ضربات لها.
- ردود الفعل الإسرائيلية والتداعيات المستقبلية: أثارت المظاهرات قلقاً في الأوساط الإسرائيلية، مما دفع الجيش الإسرائيلي لتعزيز وجوده العسكري في الجنوب السوري، وقد تشكل هذه المظاهرات دعماً للسلطة السورية في مواجهة إسرائيل.
ليست مظاهرات احتجاجية عادية من حيث المكان، وليست كذلك من حيث شعاراتها، ولا هي كذلك أيضاً مجرّد رد فعل على حدث معين (إقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً يجيز تنفيذ عقوبة الإعدام في الأسرى الفلسطينيين)، رغم أن هذا القرار هو الذي حرك الشارع السوري.
للقضية الفلسطينية خصوصية في سورية ربما تختلف عن بلدان عربية كثيرة، ففلسطين جزء من سورية الكبرى، وما يزال حدث النكبة عام 1948 وما تلاه حياً في الذاكرة والوجدان السوريين.
غابت القضية الفلسطينية عن هموم السوريين منذ عام 2011 قولاً وعملاً، بعدما أثقلت كاهلهم عمليات القتل والاعتقال والتشريد التي ارتكبها نظام الأسد، فقد كان الحمل ثقيلاً إلى درجة لم يعد في مقدورهم وعي ما يحدث حولهم.
على مدار العام ونصف العام المنصرمين، لم تشهد سورية مظاهرات (إلا قليلاً) ضد الإجرام الإسرائيلي في غزّة، ما دفع بعضهم، نتيجة وعي زائف، إلى الاعتقاد أن القضية الفلسطينية لم تعد من اهتمام الشعب السوري، ليس بسبب واقعهم الصعب ومحاولاتهم تلمس طريق النجاة، بل أيضا رد فعل على بعض القوى الفلسطينية التي وقفت مع نظام الأسد. وتزايدت القناعة بهذا الموقف، بقبول الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد أشهر من تسلمه الحكم، بفتح باب المفاوضات مع إسرائيل. ولكن المظاهرات التي شهدتها سورية منذ نهاية مارس الماضي تروي قصة أخرى: خرج مئات آلاف في عديد المحافظات بتظاهرات احتجاجية ليس ضد قرار إسرائيل إعدام الأسرى الفلسطينيين نصرة للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي فحسب، وإنما دعماً للفلسطينيين والقضية الفلسطينية التي هي قضية السوريين.
لم تكن الشعارات عفوية، بقدر ما جاءت تعبيراً عن غضب سوري مدفون منذ السنوات الأولى للثورة السورية، وقد ظهر هذا الغضب من خلال الأغاني تحمل رسائل داعمة للقضية الفلسطينية والأسرى، ومن خلال الشعارات المرفوعة، بل ذهبت بعض الشعارات إلى مطالبة الشرع بقصف تل أبيب وحيفا، في وقتٍ رفعت فيه أعلام سورية والأعلام الفلسطينية وأعلام المقاومة الفلسطينية.
جاءت هذه المظاهرات لتكشف عن حقيقتين: الأولى، حرية التظاهر التي كانت عقوداً طويلة تتطلب موافقات أمنية، حتى وإن تعلقت بفلسطين، والثانية، أن المتظاهرين، من خلال طبيعة الشعارات المرفوعة، غير راضين عن مسار التسوية الذي ينتهجه الشرع مع إسرائيل، وربما رافضين فصل المسار السوري عن المسار الفلسطيني في أي سلام مستقبلي.
لا يمكن المرور على هذا الحراك الشعبي سريعاً، ولعل الإسرائيليين، المسكونين بالخوف من العرب مهما بلغ ضعفهم، والذين يمتلكون قدرة عالية على تحسّس المخاطر، عبروا عن مشاهدتهم المظاهرات السورية بكثير من الخوف.
لا يتعلق الأمر بتغريدات عديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل شملت وسائل إعلام وإعلاميين وناشطين، ممن قالوا إن المظاهرات والتهديدات وحرق الأعلام الإسرائيلية أمر غير مسبوق ومخيف، في وقتٍ طالب آخرون الحكومة الإسرائيلية بالالتفاف إلى الخطر الحقيقي القادم من سورية، والعمل على الحيلولة دون عودة نشوء مقاومة في الجنوب السوري، بل إن بعضهم طالب باحتلال درعا والجنوب السوري، بوصفه خطوة احترازية، كون ما يجري يسلط الضوء على حقيقة موقف السلطة السورية من القضية الفلسطينية.
على المستوى السياسي الرسمي الإسرائيلي، لم يصدر أي موقف، وعلى مستوى الجيش، كان ردّ الفعل واضحاً، فمنذ الخميس الماضي، شهدت مناطق الجنوب السوري تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً شمل دوريات جوالة، مع تحليق مكثف للطيران الحربي في أجواء محافظتي درعا والقنيطرة، وإطلاق قنابل مضيئة في ريف القنيطرة قرب الحدود، مع توجّه محتجين نحو مناطق قريبة من خطوط التماسّ، وسط أنباء عن دعوات إلى التصعيد من بعض العشائر، فضلاً عن قصف بعض المناطق.
وإذا كان مشهد المظاهرات الشعبي في سورية يعكس إدراكاً عميقاً بأن القضية الفلسطينية ما تزال القضية المركزية، فإن له أيضاً أبعاداً وطنية وبراغماتية إن صحت العبارة، فهذه المظاهرات، في حجمها وعناوينها، ستكون عاملاً مهمّاً في المستقبل، ليس لكبح السلطة أمام أي تحرك سوري نحو إسرائيل، وإنما، وهذا هو الجديد والأهم، أن الشعب السوري في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، سيكون عوْناً للسلطة في مواجهة إسرائيل، وهذا ما يجب أن تدركه دمشق جيداً، فبدون حاضنة شعبية قوية، لا يمكن أن تنهض سورية أمام إسرائيل.