- سقوط نظام بشار الأسد لم ينهِ الانقسام، بل زادت الشروخ بسبب أحداث العنف والتوترات، مما دفع السوريين للانكفاء نحو هوياتهم الفرعية.
- لتحقيق الاستقرار، يجب تحسين الظروف المعيشية والمصالحة الوطنية، وتقع المسؤولية على الدولة الجديدة بقيادة أحمد الشرع لإعادة بناء الثقة وضمان المساواة.
ربما لم تعرف سورية في تاريخها الحديث زمناً كانت فيه المسافات بين أبنائها واسعة كما هي اليوم. فبعد 14 عاماً من الحرب، لم تقتصر الخسائر على المدن المدمّرة والاقتصاد المنهار وملايين المهجّرين، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي نفسه، حتى بدا أحياناً وكأن السوريين لم يعودوا شعباً واحداً بقدر ما أصبحوا "شعوباً سورية" متعدّدة، تعيش داخل الجغرافية ذاتها لكنها تحمل روايات مختلفة، ومخاوف متباينة، وصوراً متناقضة عن الماضي والحاضر والمستقبل.
ولا يقتصر هذا التباعد على الاختلافات السياسية أو الطائفية، بل يظهر أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية وفي طريقة فهم الأحداث وتفسيرها. فالسوري الذي عاش سنوات الحرب في الداخل لا يحمل بالضرورة الرؤية نفسها التي يحملها السوري الذي أمضى تلك السنوات في اللجوء أو الاغتراب. كما أن الأجيال الشابة التي نشأت خلال سنوات الصراع اكتسبت تجارب مختلفة تماماً عن تجارب الأجيال السابقة، ما أوجد فجوات إضافية في الوعي والتوقعات والأولويات.
صحيح أن سقوط نظام بشار الأسد أغلق صفحة طويلة من القمع والعنف والدمار، وأن ملايين السوريين استقبلوا هذا الحدث بوصفه لحظة تاريخية طال انتظارها، إلا أن سقوط النظام لم يكن نهاية الانقسام السوري كما تصور بعضهم، بل إن التطورات اللاحقة كشفت أن إزالة رأس النظام لا تعني بالضرورة إزالة الشروخ العميقة التي تراكمت خلال سنوات الحرب.
لقد ساهمت أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري، وكذلك التوترات الدامية التي عرفتها محافظة السويداء، إضافة إلى الحالة الكردية رغم اتفاق الاندماج، في تعميق حالة القلق وانعدام الثقة بين المكونات السورية المختلفة. فكل معركة وحادثة عنف أعادت إلى الواجهة المخاوف الطائفية والهواجس الوجودية التي راكمتها سنوات الصراع، ودفعت شرائح واسعة إلى الانكفاء نحو هوياتها الفرعية بحثاً عن الأمان.
يبدو الانقسام اليوم واضحاً على مستويات متعددة. هناك انقسام طائفي ومناطقي لا يمكن إنكاره، وانقسام سياسي حول شكل الدولة الجديدة وطبيعة السلطة الحاكمة. وحتى داخل المعسكر الذي عارض نظام الأسد عقوداً، لا يوجد موقف موحد تجاه الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع.
تزيد التحدّيات الاقتصادية المتراكمة من صعوبة المشهد. فالفقر والبطالة وتراجع الخدمات الأساسية تشكل عوامل ضغط إضافية على السلطة ذاتها والمجتمع في آن واحد، وقد تؤدي إلى تغذية التوترات القائمة إذا لم تُعالَج ضمن رؤية وطنية شاملة. لذلك لا يرتبط تحقيق الاستقرار فقط بالحلول السياسية، بل يحتاج أيضاً إلى تحسين الظروف المعيشية وإعادة الأمل إلى المواطنين.
تفيد التجارب الدولية بأن تجاوز الانقسامات العميقة لا يتحقق بالقوة ولا بالشعارات، فقد احتاجت دول مثل جنوب أفريقيا والبوسنة وغيرها سنوات طويلة من المصالحات الوطنية والعدالة الانتقالية والحوار المجتمعي لإعادة بناء الثقة بين مواطنيها. ولم يكن النجاح نتيجة انتصار طرف على آخر، بل نتيجة الاعتراف المتبادل بالآلام والمخاوف والحقوق.
أما في سورية، فإن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق الدولة الجديدة ورئيسها أحمد الشرع. فالمطلوب ليس إعادة إعمار الحجر وحسب، بل إعادة إعمار الثقة بين السوريين أنفسهم. ويتطلب هذا توسيع المشاركة السياسية، وإشراك مختلف الكفاءات الوطنية في إدارة الدولة، وضمان المساواة أمام القانون، وطمأنة جميع المكونات بأن مستقبل البلاد يتسع للجميع.
قد يكون أخطر ما يواجه سورية اليوم استمرار النظر إلى المجتمع بوصفه معسكرات متقابلة. أما التحدّي الحقيقي فهو الانتقال من مرحلة الطوائف والمناطق والجماعات إلى مرحلة المواطنة. عندها فقط يمكن أن تتحوّل "الشعوب السورية" مجدداً إلى شعب سوري واحد، قادر على طي صفحة الحرب والانطلاق نحو المستقبل.