سوريّو أوروبا: نحبّ البلاد التي لم نعد نعرفها وربما لم تعد تعرفنا

03 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 08:09 (توقيت القدس)
رضوان ونفيسة زوجان سوريان ينتظران لم شمل عائلتهما في هولندا (6/3/2025 الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد سقوط نظام الأسد، انتقل الصراع السوري إلى مجتمعات الشتات، مما أدى إلى تحديات جديدة مثل التطرف والانغلاق الفكري والانقسامات بين السوريين والمجتمعات المضيفة.
- في مجتمعات الشتات، واجه السوريون تحديات التكيف مع الحياة الجديدة، حيث نجح البعض في الاندماج وتحقيق إنجازات، بينما عانى آخرون من صعوبة التكيف، مما أثر على هويتهم.
- رغم مرور سنوات على الثورة، لا يزال حلم العودة يراود السوريين، لكن الواقع الجديد جعلهم يعيدون تعريف مفهوم الوطن والانتماء.

سقط نظام الأسد؛ اللحظة التي وُثِّقت أعظم حدث في حياة السوريين، بل وفي سياسات معظم الدول التي بات السوريون يشكلون جزءاً هاماً من مكوناتها. بعد سنوات من "الاختبارات الباردة" مع المجتمع الدولي والتعايش المجبر مع الديكتاتورية، عاد "الحلم" للسوريين بالاقتراب من أرضٍ حُرموا منها عقوداً. لكن معاناةً من نوع آخر داخل مجتمعات الشتات تتكشف خلف هذا النصر.

بدأت فكرة هذا الاستطلاع من أن طلاب دراسات عليا قدموا حديثاً إلى فرنسا، وأظهروا نمطاً من "التطرف والانغلاق"، باستثناء حالات نادرة آثرت الانسحاب.
تحتدم النقاشات وتصل إلى مرحلة الإقصاء عند انتقاد الوضع الكارثي التي يعيشه السوريون اليوم، ليصلوا إلى اللحظة التي قرر أحدهم فيها "منع الحديث في السياسة". وصل الصدام الفكري لذروته عند الحديث عن "التراث والآثار". سادت نظرة متطرفة تعتبر الآثار "أصناماً" وزيارتها محرّمة، ووصل الأمر ببعضهم إلى رواية قصص عن تحطيم دمى الأطفال خشية "أن تدبّ فيها الروح". وحوّل هذا الانفصال عن القيمتين الجمالية والتاريخية أبناء البلد الواحد إلى غرباء، يعيشون في قلب أوروبا بعقول مسيجة بالتحريم. ولم يقتصر الأمر على السوريين؛ فقد برز صوت "إسلامي متشدد" لطالب لبناني مقيم في  المدينة نفسها، يدرس الرياضيات، مُبشراً بـ"شام إسلامية" ترفض العلمانية.
بين نجاحات فردية مبهرة لسوريين اندمجوا وحققوا مشاريعهم ومن تقوقعوا على لغتهم وجلدتهم، وبين جيل جديد يحمل إرث المنع والمصادرة، يبدو أن سقوط "بيت الأسد" لم ينهِ الصراع، بل نقل المعركة إلى داخل "البيت السوري" في الشتات. وكما يقول "العم عباس"، وهو صاحب مطعم لبناني في فرنسا منذ 30 عاماً: "ممنوع الحديث بالسياسة هنا أيضاً؛ فالسوريون كسروا المحل لأن أحدهم انتقد الرئيس الجديد".
بينما تخبرني الخالة أم ميار، وبحرقة كبيرة، بأن الفرز طاول السوريين في دول اللجوء. حالة شديدة من الانقسام يعيشها السوريون بعد مجزرة السويداء. "لقد قاطع الدروز متجر أحدهم بعدما رفض في البداية بيعهم بشكل غير مباشر، ليجد نفسه  الخاسر الأكبر. حاول ترميم هذا الخطأ، لكنه لم ينجح! يتعامل السوريون الدروز اليوم مع تاجر يأتي لهم بالبضائع من ألمانيا". تضحك وتخبرني: "ويا للمفارقة، هذا التاجر سني أيضاً ولكنه لم يتدخل في الصراع الحاصل".
يستطلع التحقيق أحوال سوريين، من أجيال مختلفة، ومن بلدان مختلفة، ومن خلفيات مهنية وجغرافية مختلفة. فالتقينا رزان عيسى فنانة (تعمل مُدّرسة رسم)، واوركيد ونيلوڤر اسماعيل طالبتان في المانيا، الأولى سنة أولى هندسة أجهزة طبية والثانية بكالوريا. ومحمد ديبو كاتب وشاعر يقيم في برلين. وحسام القلقيلي مدير برنامج الحرية وإحياء الذكرى في مقاطعة خيلدرلاند الهولندية. وعبدالله الحميدي صاحب ورشة كهرباء في دورتموند، في ألمانيا.

حاولنا كثيراً استحضار ذاك الشعور الذي بات معششاً في مكان بعيد عنا، فبنيناً جسراً يفضي بنا إليه بالرغم من يقين دفين بأن ذاك المكان بات ماضياً لا يمكن استعادته

بيت على جغرافيتين

كيف تعامل السوريون مع المسكن الجديد؟ وهل استطاعوا أن يجدوا فيه مستقراً؟ تجيب رزان: "في الأيام الأولى لوصولي إلى ألمانيا عام 2017، وتحديداً في نهاية شهر آذار (مارس)، كان الطقس جميلاً جداً. كانت رحلتي إلى ألمانيا شاقة، لكنني سأقفز بذاكرتي إلى لحظة وصولي المطار ولقاء (أنس)؛ كان لقاءً حميمياً مفعماً بالفرح والدفء، ممزوجاً بالاستغراب والحنين. صُدمت حين رأيته؛ شعرتُ بأنه بات أكبر وأضخم، ملامحه وثيابه بدت مختلفة، وكأنه قادم من عالم آخر، وأنا كذلك. أدركتُ منذ الوهلة الأولى، من طريقة كلامه ومشيته وتصرفاته، أن شيئاً ما فيه قد تغيّر. لطالما افتقدنا في زحام الإسمنت تلك الشرفة التي تطل على أشجار قديمة وسماء واسعة. أنا من الذين لم يعتادوا التنقل؛ ولدتُ ونشأتُ وكبرتُ في البيت نفسه بدمشق. كان بيتنا في الشام حميمياً جداً، بناه والدي بأبهة في ذلك الوقت؛ شرفات تزنر البيت من كل الجهات، طابقان. كانت الشرفة في ذلك البيت هي المكان الأقرب لقلبي، تطل على روح المكان. وجدنا منزلاً في مدينة مانهايم بناءً على نصيحة أخي، الذي كان يرى فيها شبهاً كبيراً بالشام بتعدّدها الثقافي وحميميتها. حينما دخلناه، أدركتُ أنها المرّة الأولى التي سأخوض فيها تجربة تأثيث منزل بالكامل واختيار تفاصيله ولوحاته بنفسي، وهو ما حُرمت منه في منزلي الأول بسورية. في البداية، استبد بي شعور بأن كل ما نفعله (مؤقت). ربما لأننا نشأنا على فكرة أن الأمان مرتبط بـ(الملكية) لا الإيجار، أو ربما بسبب غصّة الحرب في سورية. ما ساعدني على تجاوز هذا الشعور جيراننا الألمان الذين تحولوا إلى أهل وإخوة. كان منزلنا في مانهايم ملاذاً آمناً؛ فيه كبر غيث وكان يذهب لمدرسته مشياً، تماماً كما كنا نفعل في طفولتنا، ما منحنا شعوراً بالأمان والاستقرار. ومع الوقت، بدأتُ أرى الشام في شوارع مانهايم، في دكاكين السوريين، وفي رائحة المنتجات التي عرفناها صغاراً. وحين أثثتُ منزلي، حاولتُ استحضار روح دمشق في كل زاوية؛ السجاد، إبريق الشاي، ركوة القهوة، وحتى النباتات المنزلية التي كان يضعها أهلنا في صالوناتهم".
أوركيد ونيلوفر أختان، طالبتان جامعيتان تقيمان في ألمانيا التي استقبلتهما طفلتين. تقاطعت كلتاهما مع رزان عندما قدّمت اعتذاري لهما إذا ما أثارت الأسئلة مشاعر مؤلمة، إلا أنهما أجابتاني: هناك حاجة ماسّة للعودة بالذاكرة للملمة ذاك القدوم وما تبعه من تفاصيل وأحداث قاسية ومقارنتها باليوم الحالي.

"في بداية قدومنا إلى ألمانيا لم نكن نشعر بأي انتماء للمكان وللمنزل ولكل شي هنا، لم نستطع تحمّل فكرة فراق بيت جديّ، النواة الأولى الحاضنة لجل ذكرياتنا الدافئة والتي كانت وقوداً يمنحنا طاقة تحمّل برودة تلك الأيام القاسية. كنا مغيبين كلياً عن هذا المكان الموحش. حاولنا كثيراً استحضار ذاك الشعور الذي بات معششاً في مكان بعيد عنا، فبنيناً جسراً يفضي بنا إليه بالرغم من يقين دفين بأن ذاك المكان بات ماضياً لا يمكن استعادته. وفي سبيل أحياء بعض من لحظاته، أدمنّا قناة سبيستون، حتى عندما جرى بنا العمر سريعاً وكبرنا ترانا نعود إليها بين الفينة والأخرى. نعود إليها ونستذكر ترتيب وسائدنا بعد عراك شرس، ونتحضر لمتابعة برنامجنا المفضل. في سنوات طفولتنا كانوا يخبروننا بأن رسوماتنا رائعة، وأننا يجب أن نصبح رسامتين، نرسم لاستحضار تلك الكلمات التي قبعت هي الأخرى هناك في مكان قصيّ جداً عن حياتنا اليوم". هكذا قالتا في دردشة مشتركة معهما.
في حين يختزل حسام (ماجستير آثار ويعمل في مجال الحروب وإحياء ذكراها) الإجابة عن هذا السؤال بجملة قصيرة وقاسية جدا: "بالنسبة لي، كانت مجزرة الكيماوي في الغوطتين الحد الفاصل بين أمل متوهج مكلل بعودة قريبة ويأس طاغٍ قلب حياتي وغير قراراتي. لقد كانت ردّة فعل العالم على تلك المجزرة رسالة إلى السوريين أن الأسد باق. لذا اتخذتُ قراري بالخروج من مصر، والشروع في بناء وطن آمن لأسرتي الجديدة. وضعت نصب عيني ثلاثة أمور: اللغة، العمل، الجنسية".
مضيفاً: "في تلك السنوات كنت منشغلاً ببناء ذاتي، إلا أنني لم أكن منعزلاً عن الشأن السوري، كنت متابعاً كل مجرياته، ولكنني كنت واقعياً جداً. دأبتُ على بناء مستقرٍ ينوب عن الوطن الغائب. رافقت هذا التأسيس رغبة عارمة في استحضار ما أمكننا من موجوداتٍ يمكن لها أن تعيد ترتيب ما تركناه هناك، حاولنا وزوجتي زراعة ياسمينة في منزلنا إلا أننا فلشنا، ولكننا لم نيأس. وأعدتُ ترتيب ذاكرة الصور بما يطابق وجودها في جدار منزلنا القديم. احتفينا بالطبخ السوري، وحضرنا القنوات والمسلسلات السورية.. وغيرها. ركّزنا بشدة على استحضار المناخ السوري، حتى أن الأطفال نشأوا في ظل هذه الأجواء الحقيقية والتي لم نكن نتصنّعها، بل كانت حقيقية وتسودها العفوية المطلقة". 
ويشير محمد ديبو، وهو روائي وشاعر يعيش في برلين، إلى تعدّد النذور والقرابين التي وعد بها لحظة سقوط النظام، وقال: "بعد حين ومع ابتعادي بأمتار عن المركز بدأ يغوص عميقاً في تحولاته التي كان يراقبها والتي بدأت تنحت بداخله ذاتاً أكثر اتساعاً على العالم. إلا أن لحظة الرحيل نحو برلين كانت اللحظة الفاصلة بكل ما رافقها من توسيع مداركه لأمور وقضايا لم تكن موجودة". يتحدث ديبو عن أن تلك اللحظة جعلته يصل إلى حقيقة أن العالم بات باختلاف إحداثياته وطناً. "قبل الثورة كان الحلم يتمحور حول العيش في دمشق، المستقر، فمنها أطوف البلاد وإليها أعود. سورية اليوم تعني لي فقط مكان الولادة، لم تعد الوطن الذي كنا ننظر إليه برومانسية ثائر حالم. أسستُ وزوجتي منزلنا الدافئ، سوّرناه بكل مفردات الحياة والبدايات الجميلة. ... الحنين الأكبر لكتبي التي تركتها في دمشق، العنصر الذي أعدت من خلاله تعريف المكان الوطن. الكتب الورقية مساحتي الآمنة في ظل كل هذا التسارع والضجيج المحيط بساعات هذه البلاد المضغوطة الزمن".
وفي السؤال نفسه، يقدم عبد الله، وهو كهربائي يقيم في دورتموند في المانيا، جواباً مختصراً وقاسياً بشأن البيت والوطن ومدلولاته. لم تكن سورية بالنسبة إليه الوطن الدافئ الحنون. يدلل على هذا التفصيل من خلال عرضه لتفاصيل حياته في منزل يضم عدة عائلات في منطقة سبينة، التي كانت تجمعاً غالبيته من أبناء الجولان المحتل. "لم تكن هذه التجمعات بالمناطق الصالحة للعيش، لقد تُركنا لمصيرنا وكبرنا دون أن يلحظنا أحد، وكأننا عبء على البشرية. لم أشعر بأني حي أرزق إلا عندما بدأت الثورة، خرجنا جميعنا لنطالب بأبسط مقومات الحياة التي حرمنا منها نظام الأسد الأب والابن، إلا أننا أقصينا عن المشهد ولم ينظر إلينا إلا كأبناء فئات مهمشة، والتي ما زالت تعيش التهميش نفسه. خسرت عديدين من أقربائي وأصدقائي في المعتقلات، فركبت البحر إلى أن وصلت إلى ألمانيا التي أعطتني منزلا لم أكن أحلم به، وها هم أطفالي يدرسون كما يدرس الألمان، وراتبي الشهري يعادل ضعفي راتب الطبيب أو المهندس. لقد طوّرت نفسي وأنا اليوم أستلم ورشات كهرباء ضخمة في بلدان أوروبية عديدة".

"تمحور حافزي في البداية حول إثبات وجودي وتأسيس مستقبل يليق بعائلتي، في حين كان الجانب الأهم هو التعبير عن وضعي لماذا أنا هنا؟

لسان جديد وغريب

يتعلق السؤال الثاني باللغة والتحديات التي واجهت السوريين في تعلم لغة جديدة من البدايات؟ الحافز والأدوات التي ساعدت في رحلتهم هذه؟... ستكون اللغة بالنسبة لديبو التحدّي الأكبر في عالم لا يتقن حرفته اللغوية. في عالم تغوص فيه اللغة عميقا متغلغلة في مسامات حياته التي أحاطها بجلها حول ملكة اللغة. بصفته شاعراً وكاتباً يمكن لممارساته اليومية أن تتحول إلى عقدة وجودية فيما لم تلق بتراكيبه المطواعة التي تتواتر بانسيابية من دون الاكتفاء ببساطة المفردة وتحقيقها شرط التواصل.
"أنا واحد من السوريين الذين غادروا مكانهم، أتيت إلى ألمانيا يرافقني عملي ومشروعي الثقافي، لم أبدأ من الصفر في مكاني الجديد، وهو الأمر الذي جعلني إلى حد ما غير متعجل على تعلم اللغة. يومياتي غارقة بالكتابة والقراءة بلغتي. مسألة الكتابة تحتاج إلى تفرّغ تام لإتمام مشروعي الذي أسعى إليه في مجال الرواية، وما يتبعه من مشاريع العمل والبقاء حيا في حناياها. إلا أنني أدرك جيداً أن عملية فهم المجتمع الذي أعيش فيه تتطلب فهماً عميقاً للغته. ومن أجل هذا الأمر سعيت جاهداً إلى إتمام دراستي اللغة، واجتزت مراحلها الصعبة، وحرصت على إنشاء علاقات مع الجيران وبعض الأصدقاء الألمان". 
بينما ساعد حسام امتلاكه أساسيات الألمانية، إلى جانب الإنكليزية التي يتحدثها الهولنديون بكثرة، في كسر حاجز اللغة، كما أن شهادة الماجستير ساعدته في أن يبدأ حياته مترجماً. أما الأدوات الني عجّلت إتقانه لها فبالدرجة الأولى هي الثقة والتعامل مع الآخر. باعتبار أن اللغة شي محسوس ومعاش وتجريبي ركّز على التلفزيون والراديو.
"تمحور حافزي في البداية حول إثبات وجودي وتأسيس مستقبل يليق بعائلتي، في حين كان الجانب الأهم هو التعبير عن وضعي لماذا أنا هنا؟. وماذا فعل نظام الأسد بسورية، وتمزيق تلك الصورة التي كانت تكرّس إلصاق تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالثورة والسوريين. رغبت أن أكون وسيلة لأوصل صورة أكبر عن الجالية السورية. حتى أنني حاولت أن أكون فاعلا في تجميع السوريين معاً، وحاولت إنشاء جمعية (ياسمين برومن). الهدف من الجمعية هو جمع شمل السوريين من جهة، ومن جهة أخرى ممارسة نشاطاتهم مع الهولنديين". 
تتشابه تجربة رزان مع تجربة حسام في موضوع اللغة. إلا أن حافزها في التعلم قوامه مشاعر الغضب: الحاجة للدفاع عن نفسي ضد أي ظلم قد يقع عليّ – وخاصة في روضة ابني – كانت تستفز رغبتي في التعبير. في تلك اللحظات، كان عجزي عن التعبير ينفجر بكاءً، لأن مشاعر الحزن أو الفرح يمكن إيصالها للآخرين بأي طريقة، أما الدفاع عن الحق فيتطلب الكلمة. 
كنتُ في البداية، حين أخوض حواراً بسيطاً وأشعر بفقر مفرداتي الألمانية، أقول في نفسي بحسرة: ليت هذا الشخص يفهم العربية. ليعلم كم أنا مهتمة، وكم أن شخصيتي في لغتي الأم مختلفة ومرحة، وأن الجلوس معي ممتع ولطيف. 
يروي عبد الله عن مخاوفه الكبيرة عندما وصل إلى ألمانيا: "لم أتقن اللغات طوال سنوات الدراسة، بل لم أحاول، وخصوصاً أني لم أكمل دراستي التي خرجت منها للعمل في الكهرباء. عقّد هذا الاغتراب مواجهتي حاجز اللغة، إلا أنني قررت البدء بتعلمها والإصرار على إتقانها، فهي معبري الوحيد للوصول إلى الحياة التي أريد أن أعوض بها عائلتي التي تركتها في سورية، وأن أختصر مدة لم شمل زوجتي وأطفالي. لم أدّخر جهدا في تعلمها، حتى أنني كنت أحاول إيجاد عمل يسمح لي باكتساب النقود والاحتكاك بالعالم هنا. بعد فترة من تعلمها بدأت أكتسب ثقة لطالما كانت غائبة عني، لم أعرف نفسي حينها".
في حين تختلف تجربة أوركيد ونيلوفر بالمطلق عن التجارب السابقة، فتخبراننا: "في بداية مجيئنا، وهي الفترة الأصعب علينا، لم نكن نعي ماهية ما يروى أمامنا، كل شيء حولنا غير مفهوم وغامض، إلى جانب أننا في قرارة نفسينا كنا نتوقع أن بقاءنا لن يطول في هذا المكان الذي أدركنا لاحقا أنه بات مستقرّنا. كان إصرارنا على تعلم اللغة لسببين: أولهما، فقداننا شعوراً لازمنا طوال طفولتنا وهو التفوق، والذي زادته تعقيداً. في هذه اللحظة شعرنا بالفشل لأول مرة في الحياة. فبدأنا ندرس ساعات طويلة من دون نوم، وعندما نتعب كنّا نتذكر طفولتنا وطقوس التكريم والاحتفاء بنا. كُرِمنا في السنة الثانية من قدومنا إلى ألمانيا. الثاني: التنمر، بسبب فقداني اللغة، لم تكن لدي أدوات للدفاع. في السنة الأولى، تعرّضت زميلتي للتنمر ولم يدافع عنها أحد. كنت أذهب وأدافع عنها رغم فقداني اللغة، لأتعرض بدوري للتنمر بسبب لغتي الضعيفة. جهدت لدراسة اللغة، ورأيت تغيرا في شخصيتي في أثناء تعلمي لها، كانت أشبه بحرب بالنسبة لي ويجب الفوز بها. أتقنت اللغة واستطعت الوقوف ضد المتنمرين وقد أصبحت تلك الفتاة صديقتي".

ما زال الخوف ملازماً لي، ولكنه يختلف بتعريفاته عن المفاهيم المعتادة. اليوم وبعد ثماني سنوات أستطيع القول إنني تحرّرت من زمامه، ولكن أيضاً ليس بالشكل الكامل

الخوف

يتعلق السؤال الثالث بمشاعر الخوف والرعب التي لازمت السوريين طوال فترات وجودهم في سورية. هل استطاع الدماغ السوري أن يقصي كل تلك المشاعر في المستقر الجديد؟. ... يجيب حسام: "حضرت في عملي أخيراً محاضرة عن التروما، وإصرارها على الانتقال من جيل إلى جيل بالوراثة. الجيل الأول، المجسّد بالمهاجرين الأوائل بغالبيتهم، ينكر الكارثة ولا يتحدّث عن ماضيه، إنما يتابع حياته متناسياً ما مر به من نكبات. تتخفى التروما عن الأنظار، إلا أنها لم تغادر يوماً، عدم الاعتراف بها والتعامل معها بشكل سليم سوف يفتح الأبواب لها لتظهر في الجيلين الثاني أو الثالث"، في حين يذكر عبد الله: "لم يكن من السهل عليّ التعايش مع كل ما مضى، إلا أنني لم أسمح لكل تلك الذكريات القاسية بأن تؤخّر لم شمل عائلتي ولو ساعة واحدة. تعلمت وبدأت تأسيس ورشة كهربائية، وكانت البدايات ناجحة وكفيلة بتخليصي من ذنوب الماضي. استطاع الدعم المادي لعائلتي أن يبعدني عن طريق الآلام الذي قطعت سبل الوصول إليه".
تتقاطع رزان مع حسام، فتروي: "بمجرد وصولي، أصبت بجلطة رئوية وخثرة في قدمي. أتذكّر كلمات الطبيبة التي أسعفتني وهي تضع لي أجهزة الأوكسجين ومميعات الدم: "أنتِ محظوظة... كنتِ قريبة جداً من الموت. خلال رحلة التعافي، سكنني خوف مستمر من المرض مجدّداً. لم يطل الأمر حتى بدأت تهاجمني نوبات هلع شديدة. ثم بدأت مرحلة (المقارنات)؛ صرتُ أقارن كل ما أراه هنا بما عشته في سورية: الطفولة، المراهقة، الشوارع، البيوت، وحتى النظام التعليمي. كانت مراجعة تفصيلية للذات. رافقتني في هذه المرحلة كوابيس بشعة.
بسبب انشغالي بهواجسي، شعرتُ بالتقصير تجاه ابني، الذي انتُزع هو الآخر من بيئة ليوضع في أخرى. كنت أتمنى لو كنتُ (حاضرة) أكثر في طفولته، وخصوصاً أنه لم يكن يعرف أحداً غيري، حتى والده كان بالنسبة له شخصاً غريباً يحاول التعرف إليه. لكنني كنت محظوظة بوجود زوجي الداعم ومساندة الأصدقاء.
بعد نوبات الهلع، انزلقتُ نحو الاكتئاب، لكن العودة إلى هواياتي كانت طوق النجاة. الرسم، القراءة، والمشي في الطبيعة". 
أما بالنسبة لأوركيد ونيلوفر فالأمر كان مختلفاً، فبالرغم من تعرضهما للحصار ووجودهما في منطقة تعرضت لمجزرة بشعة، إلا أنهما حينما تتحدثان عن سورية يملأهما شعور دفين بالطمأنينة والحياة.
بينما يذكر ديبو علاقته الوطيدة مع الخوف: "ما زال الخوف ملازماً لي، ولكنه يختلف بتعريفاته عن المفاهيم المعتادة. اليوم وبعد ثماني سنوات أستطيع القول إنني تحرّرت من زمامه، ولكن أيضاً ليس بالشكل الكامل".

 هل ما زال حلم العودة يقظاً؟

يتقاطع جميع المشاركين في هذا الاستطلاع عن سوريي أوروبا بتحولات لمفهوم الوطن ومكان الولادة، حيث يركز الجميع على أن الوطن هو المكان الذي يوفر لمواطنيه عامل الأمان والمساواة والحرية.
خرجت كل من أوركيد ونيلوفر بعمر التاسعة، وهذا ما يجعلهما تنظران إليه من زاوية أخرى. حيث تذكران: "لحظة إدراكنا الأمور، أيقنّا أن الوطن هو ذلك المكان الذي يُبنى على مبدأ التعليم وتقدير الأشخاص. أنا لا أعتبر سورية موطناً بشكل كامل، لقد كان الموطن "بيت جدي" فقط، عائلتي التي كانت تحتضنني هناك، أصبح لدي موطن آخر أشعر فيه بأني ذات قيمة، وقبل كل ذلك أشعر فيه بالأمان وهو المكان الذي استطعت أن أثبت نفسي فيه". في حين تروي رزان: "مع انحراف الثورة عن مسارها الأول، بدأ يتسلل إليّ شعورٌ بالانفصال؛ تقلصت آمالي لتنحصر في دائرة من أحب. كان يكفيني فقط أنهم نجوا من التفجيرات، وأنهم لا يزالون على قيد الحياة. أما الشعارات الكبرى عن العدالة والديمقراطية، فقد أحسستُ أنني بتُّ بعيدةً عنها بأميال. غمرني فرحٌ عارم برحيل الطاغية، لكنه كان فرحاً مشوباً بترقبٍ حذر. كنتُ أوقن أن ثمة ما سيحدث، فالقلوبُ كانت مشحونةً وممتلئة. وكما يقول أمين معلوف في كتاب "الهويات القاتلة"، إننا نمتلك هوياتٍ نرتدُّ إليها لا إرادياً عند الشعور بالخطر؛ فكانت تلك المرّة الأولى التي أتحسس فيها الظلم الطائفي، وأشعر بانتمائي لهذه الطائفة. لم أفقد الأمل بعد كل ما حدث، لكنني أدرك يقيناً أن الأمور لن تتحسن بالقدر الذي يولد لديّ توقاً للرجوع.. أنا لن أعود".
قال محمد ديبو: "لحظة سقوط النظام كانت لحظة فرح عارمة، حتى إن وداد كانت تفكر بالانتقال والعيش داخل سورية. بالرغم من كل مقومات الحياة هنا، إلا أن هناك ضغطاً كبيراً علينا. أما عن نفسي، فلم تكن لدي الرغبة نفسها، فأنا لا أثق بهذه السلطة. بعد المجازر البشعة في الساحل والسويداء، توّلدت صدمة كبيرة، لم أُفاجأ، لأني عندما عملت على روايتي "خيانات لم يرتكبها أحد"، يبدو أنه كان لدي تنبأ بالذي سيحصل. فاجعتي الكبيرة كانت بمواقف المثقفين وبعض الأصدقاء الذين تشاركنا الثورة نفسها، وهو الأمر الذي يمنعني اليوم من التصالح مع فكرة سورية. هناك مكان في اللاوعي، نتمنى أن يتحقق ذلك الحلم. سورية لكل أهلها بكل ما فيهم من اختلاف. لكن هذا الحلم يبدو أنه بعيد".

عرضتُ صوراً لجماليات المواقع السورية وتاريخها. كانت الصدمة في سؤال "السوريين" الحاضرين: هل هذه حقاً سورية؟ وهل هي بهذا الجمال؟

سؤال الزمن

السؤال الأخير يتعلق بعامل الزمن والعودة منه إلى 2011، هل كنتم ستختارون فيما لو لم تقم الثورة وتعيشون كل هذا الفقد؟
يشترك معظم المشاركين في القول بحتمية 2011، إلا أنهم كانوا سيتردّدون في المشاركة فيما لو عرفوا أن كل هذه الدماء ستسفك. بينما تمنت كلٌّ من أوركيد ونيلوفر لو لم يحدث ذلك كله، ولو أنه كان لدينا رئيس وطني يحب بلده. 
"اليوم تغير الوضع ولم نعد نستطع العودة إلى سورية إلا زواراً. لا يمكننا استيعاب كل هذه الكراهيات التي ظهرت بين السوريين وخرجت فجأة"
تختتم رزان السؤال بأن "الخسائر فادحة، لكنه الثمن المرير لرحيل الطاغية. نحن "محظوظون" في هذه الحياة العشوائية وغير العادلة؛ وأمام كل تلك الدماء والعذابات، لا يملك الإنسان إلا الصمت. لقد سبقنا الفلسطينيون والأرمن واليهود في التعرض للمجازر، وكأن التاريخ يعيد نفسه. في ظل كل هذا، أعتبر نفسي محظوظة".
يخلص هذا الاستطلاع إلى رسم صورة لشرخٍ عميق يزداد اتساعاً في المنفى السوري؛ شرخٌ يفصل بين شريحتين: الأولى، جيلٌ عاش الثورة والحرب بكل أثمانها، وقدم في شهاداته قراءة منصفة وموضوعية لتجربته، محاولاً صياغة وجوده الجديد في المنفى بعيداً عن الكراهية أو الإقصاء، معتبراً الذاكرة السورية إرثاً إنسانياً يستحق الصون. وفي المقابل، نرتطم بكارثة جيلٍ جديد نشأ أو تفتح وعيه خارج البلاد، لا يحمل من "سورية" إلا صوراً مشوهة وأفكاراً إقصائية ورثها عن سنوات الرصاص والدم. هذا الجيل الذي لم يسكن الأرض، سكنته الأحقاد العارمة، وبات يرى في الوطن مجرد ساحة للصراعات الأيديولوجية والتحريمات، ما يثير القلق من "هوية" مشوهة تخيف المحيطين بها وتستعدي كل ما هو مختلف.
لعلّ في مشهدٍ واحد ما يختصر مرارة هذا الانقسام؛ ففي إحدى محاضرات اللغة الفرنسية، حين طُلب منا عرض أماكن نحبها من بلادنا، عرضتُ صوراً لجماليات المواقع السورية وتاريخها. كانت الصدمة في سؤال "السوريين" الحاضرين: "هل هذه حقاً سورية؟ وهل هي بهذا الجمال؟".

المساهمون