سورية الجديدة في عيون مواطنيها... أملٌ يتجدّد وتحدّيات تنتظر
استمع إلى الملخص
- الاقتصاد يمثل التحدي الأكبر، حيث أفاد 42% بأن دخلهم لا يكفي للاحتياجات الأساسية، ويعتمد 36% على تحويلات خارجية. هذه الأرقام تضع أمام صناع القرار أولوية تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الأمن الغذائي.
- 61% يؤيدون النظام الديمقراطي، و53% مستعدون لقبول نتائج الانتخابات حتى لو جاءت بخصومهم. كما طالب 65% بمحاسبة المتورطين في جرائم ضد الإنسانية، مما يعكس رغبة في العدالة الانتقالية وبناء نظام تعددي.
بعد سنوات من الألم، يطلّ الأمل من جديد في وجوه السوريين. أكثر من نصف المستجيبين يؤكّدون أن سورية تسير في الاتجاه الصحيح، وأن صفحة الماضي المظلم بدأت تُطوى، وهذه ليست مجرّد نسبة مئوية، إنها ملايين القلوب التي تؤمن بأن الغد أفضل. هذا ما أوضحته نتائج استطلاع الرأي الذي انجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، كجزء من استطلاعات المؤشّر العربي لعام 2025.
أعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 31 أغسطس/ آب 2025، في دمشق، النتائج الرئيسة والأولية لاستطلاع الرأي الذي نُفّذ في سورية بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، وهو جزء من استطلاعات المؤشّر العربي لعام 2025. نُفِّذ على عيّنة حجمها 3690 من المستجيبين والمستجيبات. ونُفِّذ على عيّنة طبقية عنقودية متعدّدة المراحل، وممثلة للمجتمع السوري بمحافظاته وتكويناته الاجتماعية والاقتصادية كافة. وبلغ مستوى الثقة بالعينة 98%، بهامش خطأ يراوح بين ± 2 و3%. ونُفّذ العمل الميداني خلال 25 يوماً (25 يوليو/ تموز – 17 أغسطس/ آب 2025). وعمل على تنفيذه أكثر من مائة من المشاركين والمشاركات. ويعدّ هذا الاستطلاع الأول من نوعه في تاريخ سورية من ناحية حجم العيّنة وتغطية جميع المحافظات، فهو أول استطلاع بهذا الحجم والشمولية: 3690 مستجيباً، يغطي المحافظات الـ 14 و65 منطقة إدارية و281 ناحية، ويستمع إلى أصوات آلاف السوريين من مختلف الفئات والخلفيات، ويتضمّن أكثر من 420 سؤالاً، تناولت موضوعاتٍ مهمّة وذات راهنية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وموضوعات الاندماج الاجتماعي والوطني. وسيكون مصدراً مهمّاً لصنّاع السياسات في سورية والمجتمع الأكاديمي السوري، إضافة إلى أهميته ليكون مصدر معلومات للمؤسّسات البحثية العربية والدولية.
حين يعود صوت الناس ليصنع المستقبل
أعواماً طويلة، كان صوت السوريين غائباً. لم يكن الغياب اختياراً، بل كان صمتاً مفروضاً، ومصادرة للمعرفة، وإقصاءً للرأي العام عن دائرة الفعل. لم يكن استطلاع المؤشّر العربي عن سورية لعام 2025 مجرّد استبيان؛ كان عودة الحياة إلى المجال العام. نفّذه المركز العربي، ليعيد الاعتبار لحقّ الناس في التعبير عن آرائهم بعد أن حُرموه عقوداً. لا تكمن أهمية استطلاع "المؤشر العربي" في أنه الأكبر من نوعه في سورية فحسب، بل في أنه أداة يمكن أن تستخدمها الحكومة لصياغة السياسات العامة ورسم ملامح المستقبل، فهو يزوّد صناع القرار ببيانات دقيقة عن أولويات المواطنين، ويمنح الباحثين والمجتمع الأكاديمي قاعدة معرفية لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية. كذلك يتيح للمجتمع المدني والمنظّمات الدولية تصميم برامج أكثر استجابة لاحتياجات الناس. إنه ليس مجرّد تقرير يُقرأ ثم يُركن على الرفّ، بل خريطة طريق يمكن أن توجه الجهود نحو بناء دولة حديثة، قائمة على المشاركة والمساءلة، تستجيب لتطلّعات السوريين في العدالة والحرية والكرامة.
المبادئ المنهجية والمعايير
3690 مواطناً ومواطنة من كل المحافظات، أكثر من 78 ألف ساعة عمل، و420 سؤالاً غاصت في تفاصيل السياسة والاقتصاد والمجتمع والهوية. تم بالاستناد إلى التقسيم الجغرافي والإداري السائد في سورية، حيث جرى التعامل مع سورية باعتبارها مجتمعاً اصلياً يمثل السوريين كافة، ومن ثم الاستناد إلى التقديرات عن حجم السكان في سورية، سواء من خلال منظّمات الامم المتحدة أو من طريق منشورات المكتب المركزي للإحصاء وغيرها من المؤسّسات البحثية وتحديد حجم العينة وفق منهجية توازن بين المتطلبات الإحصائية (الدقة والثقة) القيود الميدانية (الوقت، الموارد). التغطية الجغرافية الشاملة وحساب حجم العينة النظري لتحقيق دقة عالية باستخدام المعادلة: معادلة حساب حجم العينة (Sample Size Formula) في الإحصاء. وهي جزء من منهجية تصميم العيّنات العشوائية، وتُستخدم لتحديد حجم العيّنة المطلوب لتحقيق مستوى ثقة معين (عادة 98%) مع هامش خطأ محدّد. هذه المعادلة هي المعيار الذهبي في تصميم العينات الإحصائية، وتُظهر أن الاستطلاع اعتمد على منهجية علمية دقيقة لضمان: تمثيل حقيقي للمجتمع السوري. هامش خطأ منخفض (عادة ±2% إلى ±3%). وقد خضع الاستبيان للمبادئ المنهجية باستخدام العينة العنقودية طبقية متعددة المراحل عبر مجموعة من الإجراءات تمثلت بالآتي: 1. التمثيل الإحصائي • التمثيل النسبي: توزيع العينة بما يتناسب مع الكثافة السكانية لكل محافظة. • التغطية الجغرافية: شمول جميع المحافظات والمناطق الإدارية. • التوازن الحضري/ الريفي: مراعاة التوزيع الديمغرافي الطبيعي. 2. الجودة المنهجية • العشوائية: اختيار عشوائي في جميع مراحل العينة. • القابلية للتنفيذ: مراعاة الظروف الميدانية والعملية. • الكفاءة الإحصائية: تحقيق أقصى دقّة بأقل تكلفة. 3. التقسيم الطبقي للعينة (Stratification): • الطبقة الأولى: المحافظات الكبرى (دمشق ريف دمشق، حلب، حمص، حماة، الحسكة). • الثانية: المحافظات المتوسّطة (اللاذقية، إدلب، درعا، الرقة، دير الزور). • الثالثة: المحافظات الصغرى (السويداء، القنيطرة، طرطوس). • يضمن هذا التقسيم أن المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية لا تطغى على المحافظات الصغيرة، ما يحقق عدالة التمثيل. 4. التدرج الهرمي في التصميم: • المستوى الأول: المحافظات (14 محافظة). • الثاني: المناطق الإدارية (65 منطقة). • الثالث: النواحي (281 ناحية). يعكس هذا النهج تصميماً عنقودياً متعدّد المراحل، وهو معيار عالمي في الدراسات الميدانية واسعة النطاق. 5. الأثر على جودة النتائج: • يضمن التنوع الجغرافي والاجتماعي في العينة. • يقلل من التحيز الإحصائي، ويزيد من موثوقية التعميم على المجتمع السوري ككل.
الأمل يعود إلى المشهد السوري
بعد سنواتٍ من الصمت والرماد، ينهض الأمل من بين الركام. يؤكّد 56% من السوريين أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وكأن نصف سكان البلاد وأكثر يرفعون لافتة واحدة: "الغد لنا". ليست هذه النسبة مجرّد رقم في تقرير رسمي، إنها نبض حيّ، ورسالة تحدٍّ تقول: "لن نعود إلى الوراء". إنها لحظة فارقة، تشير بلغة الأرقام إلى تحوّل المزاج العام نحو التفاؤل، وتؤكّد أن غالبية السوريين ترى في المرحلة الراهنة فرصة لإعادة البناء والاستقرار. وبين السطور، يكتُب الناس قصة جديدة: قصة شعبٍ قرّر أن يطوي صفحة الماضي، وأن يفتح كتاب المستقبل بإرادةٍ لا تلين.
في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية والسياسية، تظهر التحويلات المالية من الخارج أحد أعمدة الصمود المجتمعي
الأمل في الصدارة
عبّرت النسبة الأكبر من السوريين عن شعور دائم أو متكرّر بالأمل، 27% دائماً، 29% غالباً، ما يعني أن المزاج العام يميل نحو التفاؤل بعد التغيير، رغم التحدّيات الاقتصادية والأمنية. الأمان يتقدّم على الخوف. شعور الأمان جاء في المرتبة الثانية، 26% دائماً، 35% غالباً، وهو مؤشّر إلى تحسّن الإحساس بالاستقرار، حتى وإن لم يكتمل بعد. تتفوّق المشاعر الإيجابية على السلبية: مشاعر الأمل، الأمان، الفرح، والارتياح تتصدر المشهد، بينما مشاعر مثل اليأس والحزن والغضب تتركّز في فئات "أحياناً" و"قليلاً"، ما يعكس أن هذه المشاعر لم تعد طاغية كما في السابق. التوتّر والقلق لم يختفيا رغم التحسّن، ما زال 35% يشعرون بالتوتّر والقلق "أحياناً"، و27% "قليلاً"، ما يشير إلى أن الاستقرار النفسي يحتاج سياسات اقتصادية واجتماعية داعمة. تقول هذه الأرقام بوضوح: يريد المجتمع السوري أن يعيش الأمل واقعاً. تعزيز الأمان، تحسين المعيشة، وتوسيع المشاركة السياسية هي مفاتيح لتحويل هذا الأمل إلى استقرار دائم. لا يطلب المجتمع السوري المستحيل، بل يطالب بالحق في الأمل. في ظل التحدّيات، تتجلّى إرادة الناس في السعي نحو حياة آمنة وكريمة، وفي المطالبة بأن يكون لهم دور في رسم مستقبلهم. تعزيز الأمان حجر الأساس، وتحسين المعيشة مطلب يومي، وتوسيع المشاركة السياسية هو الطريق نحو العدالة والاستقرار. هذه ليست شعارات، بل معادلة واضحة: حين يشعر الناس بالأمان، ويعيشون بكرامة، ويشاركون في القرار، يتحوّل الأمل إلى واقع، ويتحول الواقع إلى استقرار دائم.
التحدّيات الاقتصادية وأولويات المعيشة
تكشف نتائج الاستطلاع أن الاقتصاد التحدي الأكبر أمام السوريين في مرحلة ما بعد التغيير، فقد أفاد 42% من المستجيبين بأن دخل أسرهم لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، فيما يعيش 43% في كفاف، ولا يتجاوز من يتمتّعون بوفرة مالية 11% فقط. ولا تعكس هذه الأرقام مجرّد ضيق اقتصادي، بل ترسم صورة مجتمع يواجه ضغوطاً معيشية قاسية، ومع ذلك يتمسّك بخيار البقاء والمشاركة في إعادة البناء.
الأكثر دلالة أن 61% من الأسر نادراً ما تتناول اللحوم، ما يشير إلى تراجع القدرة الشرائية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، في حين يعتمد 36% على تحويلات مالية من الخارج، وهو ما يكشف هشاشة البنية الاقتصادية وارتباطها بمصادر دخل خارجية. وخلف هذه الأرقام الصعبة، يبرز معنىً أعمق: الإصرار على الحياة. فبرغم العوز، لم تتحوّل الغالبية إلى الهجرة خياراً أول، بل اختارت الصمود، وكأن السوريين يرسلون رسالة واضحة: "نحن هنا، وسنصنع مستقبلنا مهما كانت التحدّيات. تضع هذه المؤشّرات أمام صناع القرار أولوية لا تحتمل التأجيل: تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الأمن الغذائي، ليس فقط كسياسة اقتصادية، بل كشرط أساسي لترسيخ الاستقرار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
التحويلات المالية: شريان حياة غير مرئي
في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية والسياسية، تظهر التحويلات المالية من الخارج أحد أعمدة الصمود المجتمعي. تفيد البيانات بأن 36% من السوريين يتلقون تحويلات مالية شهرية من الخارج، وهي نسبة كبيرة تعكس حجم الاعتماد على شبكات الدعم العائلية والاغترابية، في ظل تراجع الدخل المحلي وغياب الحماية الاجتماعية. في المقابل، لا يتلقّى 59% أي تحويلات، ما يعني أن أكثر من نصف السكان يعتمدون على مصادر دخل داخلية، غالباً ما تكون غير مستقرّة أو غير كافية، وهو ما يسلّط الضوء على الفجوة الاقتصادية المتزايدة داخل المجتمع. ولا تتحدّث هذه الأرقام فقط عن المال، بل عن الروابط الإنسانية العابرة للحدود، وعن دور الشتات السوري في دعم الداخل، ليس فقط مادّياً، بل نفسياً واجتماعياً. إنها تذكير بأن الاقتصاد ليس مجرّد أرقام، بل شبكة من العلاقات والثقة والتضامن، وأن التحويلات المالية تعبير عن استمرار الانتماء، رغم المسافات والانقسامات.
الغذاء مرآةً للواقع الاجتماعي
في المجتمعات التي تواجه تحدّيات اقتصادية ومعيشية، يصبح الغذاء أكثر من مجرّد حاجة بيولوجية؛ إنه مؤشّر إلى العدالة، والكرامة، والاستقرار. تفيد البيانات بأن الدجاج هو الأكثر حضوراً على مائدة السوريين، ولكن ليس بشكل يومي: 38% يتناولونه أقل من مرّة في الأسبوع، و29% مرّة واحدة أسبوعياً، بينما يتناوله 13% فقط أكثر من مرّة، و3% فقط يومياً. أما اللحوم الحمراء، فهي أقل حضوراً: 27% يتناولونها أقل من مرّة أسبوعياً، و29% مرّة واحدة، لكن اللافت أن 32% يتناولونها أكثر من مرّة أسبوعياً، ما قد يعكس تفاوتاً اقتصادياً بين الأسر. وتكشف هذه الأرقام عن تحوّل في العادات الغذائية، ربما بسبب توفر الأسماك بأسعار أقلّ نسبياً، أو بسبب تغيّرات في الثقافة الغذائية، أو حتى بسبب الضرورات الصحّية والاقتصادية. الرسالة الأعمق: هنا ليس مجرّد وجبة، بل شاهد على التفاوت، وعلى قدرة الأسر على التكيّف، وعلى ما تبقّى من مظاهر الحياة الطبيعية وسط الأزمات.
أولويات الألم والأمل
في لحظة مفصلية من تاريخ سورية، تتحدّث الأرقام بلغة الألم والقلق، لكنها أيضاً تهمس بالأمل. حين سُئل السوريون عن أهم مشكلة تواجه بلادهم اليوم، لم تكن الإجابة سطحية أو عابرة، بل جاءت مرتّبة كأنها خريطة وجدانية ترسم ملامح الواقع وتكشف عن عمق التحدّيات. في القمة، يقف خطر تقسيم سورية كأكبر هاجس، بنسبة 10 من 10. ليس مجرّد قلق جغرافي، بل خوف من فقدان الهوية، من أن يتحوّل الوطن إلى فسيفساء متنازعة بدلاً من بيت واحد يتسع للجميع. ثم تأتي الطائفية، بنسبة 9، كجرح مفتوح في جسد المجتمع، تهدّد نسيجه وتغذّي الانقسام. يليها الفقر وتدنّي مستوى المعيشة، الذي لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بوجوه الأطفال، وبطوابير الخبز، وبالقلق اليومي من الغد. في المرتبة 8، يظهر سوء الوضع الاقتصادي ومنصّات المعلومات، في إشارة إلى أن السوريين لا يروْن فقط في السياسات الاقتصادية مشكلة، بل في طريقة تشكيل الوعي العام أيضاً. ثم يأتي غياب الأمن والأمان (7) ظلاً دائماً يلاحق الحياة اليومية، ويمنع الناس من الشعور بالطمأنينة استمرار النزاع (6) والتدخلات الخارجية (6) يعكسان إدراكاً بأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن سورية لا تزال ساحة لصراعات الآخرين. في المرتبة 5، تظهر المخاطر الداخلية، مثل الإرهاب أو النفوذ الإقليمي، كتهديدات مستمرّة، لكنها أقل حضوراً في الوعي الشعبي مقارنة بالمخاوف الكبرى. أما في المرتبة 4 وما دون، فتتوزّع القضايا بين البطالة، تدمير البنية التحتية، العقوبات، ضعف التعليم والصحة، الانغلاق المجتمعي، الهجرة، وحملات الخروج الجديدة. ورغم أهميتها، يراها السوريون نتائج للمشكلات الكبرى، لا جذوراً لها.
يؤيّد الرأي العام السوري تأسيس أحزاب سياسية في سورية. حيث أيّدت الكتلة الأكبر من المستجيبين وجود تيارات قومية عربية وتيارات ليبرالية مدنية
الثقة والعدالة: بين الاهتمام الشعبي والسياسات العامة
ترسم الأرقام لوحة معقدة، لكنها تحمل إشارات قوية عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في سورية. 80% من السوريين يهتمون بالشؤون السياسية بدرجات متفاوتة، وهذا رقمٌ لافتٌ في ظل الأزمات التي عاشتها البلاد. إنه يعني أن السياسة لم تعد شأناً للنخب فقط، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ربما بدافع القلق على المستقبل أو الأمل في التغيير. في المقابل، 18% غير مهتمين إطلاقاً، وهي نسبة تعكس إرهاقاً من الصراع أو فقداناً للثقة في جدوى المشاركة. وعندما ننتقل إلى الثقة بالمؤسّسات، نجد أن أغلبية تراوح بين 54% و57% تثق بالحكومة والأمن والدفاع والمحافظين. ليست هذه النسبة مطلقة، لكنها مهمّة في سياق بلدٍ مرّ بزلزال سياسي وأمني. إنها تقول إن هناك قاعدة ثقة يمكن البناء عليها، لكنها تحتاج تعزيزاً عبر الشفافية والعدالة. أما العدالة، فهي بيت القصيد: يرى 47% أن الحكومة تطبق القانون بالتساوي، بينما يعتقد 30% أنها تحابي بعض الفئات، ويراها 12% لا تطبّق القانون بالتساوي إطلاقاً. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة إدراكية خطيرة: نصف المجتمع يرى عدالة، والنصف الآخر يرى تمييزاً. هذه الفجوة هي التحدّي الأكبر أمام أي مشروع لإعادة بناء الثقة. الرسالة العميقة أن السوريين ليسوا لامبالين؛ إنهم مهتمّون، يراقبون، ويقيّمون. الثقة موجودة لكنها هشّة، والعدالة هي مفتاح ترسيخها. إذا أرادت الدولة أن تعيد بناء العقد الاجتماعي، عليها أن تبدأ من هنا: تطبيق القانون بلا استثناء، وتحويل الاهتمام الشعبي بالسياسة إلى مشاركةٍ حقيقية، لا مجرد متابعةٍ من بعيد.
الفساد الإداري والمالي
عند خانة "الفساد منتشر جدّاً" بنسبة 15%، لتقول إن التجربة لم تعد خبراً عابراً، بل ملامسة يومية للوقت المهدور والمسارات الملتوية. وإلى جوارها تأتي فئة "منتشر إلى حدٍّ ما" بنسبة 42%، ما يرفع سقف الإدراك الإجمالي إلى مستوى عالٍ حين نجمع الفئتين معاً 57%، ويعني أن الأغلبية ترى الفساد حالة بنيوية أكثر منه حوادث متفرّقة. في المقابل، لا تتجاوز فئة "محدود/ غير منتشر" (7%)، وهي إشارة إلى جيوبٍ من التحسّن أو تجارب فردية أكثر. وحين نقارن الصورة بما قبل الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، يتبدّى منحنى الشعور العام أوضح: نسبة من يقولون إن الفساد "أكثر من قبل تبلغ 11%، ما يعكس أثر الندرة وتضخّم كلفة الوقت في تضخيم "السوق الرمادية" المحيطة بالخدمة. وعلى الضفة الأخرى، يرى 28% أن الواقع "كما كان"؛ ليس لأن الرضا عمّ، بل لأن الإصلاح لم ينعكس بعد في تجربة المواطن على شبّاك الخدمة. أما من يلمّحون إلى أنه "أقل من قبل" بنسبة 56%، فيلتقطون تحسّناتٍ صغيرةً لكنها محسوسة: خطوة أُلغيت من معاملة، بوابة دفع رقمية اختصرت طريقاً، أو تتبّع واضح للطلب جعل الإجراءات أسهل.
المساواة والعدالة في تطبيق القانون
تفيد نتائج الاستطلاع بأن 47% من السوريين يعتقدون أن الحكومة تطبق القانون بالتساوي بين المواطنين. وتكشف هذه النسبة عن كتلة من الأمل، لكنها ليست أغلبية مريحة؛ إنها تقول إن نصف المجتمع تقريباً يرى في القانون مظلّة عادلة، بينما يعيش النصف الآخر في مساحة رمادية من الشك. في المقابل، يرى 30% أن القانون يُطبَّق لكن مع محاباة بعض الفئات. وتفضح هذه النسبة شعوراً عميقاً بوجود امتيازات غير معلنة، وأن العدالة ليست عمياء كما ينبغي. أما 12% فيعتقدون أن القانون لا يُطبَّق بالتساوي، وهذه الفئة، وإن كانت أقلية، تمثل مؤشّراً خطيراً؛ لأنها تعبّر عن فقدان شبه كامل للثقة في المنظومة القانونية. ولا تقف هذه الأرقام عند حدود الإحصاء؛ إنها تحكي قصة مجتمع يتأرجح بين الرغبة في العدالة والخوف من التمييز. فحين يرى المواطن أن القانون قد يُثنى لصالح الأقوى، تتآكل فكرة المساواة، ويتحوّل الامتثال من التزام طوعي إلى شعور بالإكراه. لكن وجود نسبة معتبرة تؤمن بعدالة التطبيق يفتح نافذة أمل: الثقة ليست مفقودة بالكامل، لكنها تحتاج ترميماً عبر الشفافية، والمساءلة، وإجراءات ملموسة تجعل العدالة خبرة يوميّة لا شعاراً.
أداء الحكومة في قضايا الحريات والعدالة
تراوح نسب المستجيبين الذين قيّموا أداء الحكومة بأنه "جيد" في مجالات تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن بين 45.0% و55.2%، لا تعكس فقط أرقاماً، بل تحكي قصة ثقة تتشكّل، وتطلعات تنتظر أن تتحقّق. في أدنى نقطة، عند ضمان حرية النظام والاعتقاد الديني (45.0%)، يبدو أن هناك فجوة في شعور المواطنين بأن هذا الحقّ مصان بشكل كافٍ. ومع ذلك، يشير الارتفاع التدريجي في التقييمات إلى تحسّن نسبي في مجالات أخرى، مثل حرّية التعبير والمشاركة في السياسات العامة، ما يدل على بداية انفتاح في الفضاء العام. يظهر التحوّل الأبرز عند احترام حقوق الإنسان (51.9%)، حيث تتجاوز النسبة حاجز الـ50%، وكأنها لحظة مفصلية في إدراك الناس تحسّناً ملموساً في هذا المجال. ثم تتصاعد الثقة أكثر عند تطبيق مبدأ المحاسبة وإنهاء التمييز، لتبلغ ذروتها عند ضمان التعدّدية السياسية (55.2%)، وهو ما يعكس تطلّعاً نحو نظام أكثر شمولاً وتمثيلاً. ولا يعني هذا المنحنى الصاعد أن الطريق قد اكتمل، بل إنه يبعث رسالة أمل: أن الثقة تُبنى، وأن الأداء الحكومي حين يلامس أولويات الناس وحقوقهم الأساسية يُقابل بتقدير ملموس. إنها دعوة إلى الاستمرار في هذا المسار، وتعزيز ما تحقّق، وسد الفجوات التي ما زالت قائمة.
تتّفق أكثرية الرأي العام السوري على الانحياز إلى النظام الديمقراطي، حيث رفضت أكثرية المستجيبين مجموعة من المقولات السلبية التي يثيرها عادة خصوم النظام الديمقراطي
تحليل نقدي لأداء الخدمات العامة
تعكس نتائج تقييم المستجيبين لأداء الخدمات العامة خلال الفترة الحالية صورةً مركّبةً تجمع بين جوانب التحسّن والتحدّيات المستمرّة، فقد أظهرت البيانات أن هناك رضىً نسبياً عن توفر المواد الغذائية الأساسية (54%)، والوقود (47.6%)، والنقل والمواصلات (45.7%)، وهي مؤشّرات إيجابية تدلّ على قدرة الجهات المعنية على الحفاظ على استقرار نسبي في الخدمات الحيوية رغم الظروف الاقتصادية واللوجستية المعقدة. في المقابل، جاءت تقييمات توفر الكهرباء (25.6%)، والمياه (30.9%)، والإنترنت (31.5%)، منخفضة، ما يعكس وجود فجواتٍ واضحةٍ في البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تؤثر مباشرة على جودة الحياة اليومية للمواطنين. ويسلّط هذا التباين في التقييمات الضوء على ضرورة إعادة توجيه السياسات العامة نحو تحسين الخدمات ذات الأولوية المجتمعية، مع الاستفادة من النجاحات الجزئية في بعض القطاعات لتوسيع نطاق التحسين. كما تمثل مشاركة المواطنين في هذا التقييم فرصة لتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوجيه الموارد بشكل أكثر فاعلية نحو الاحتياجات الفعلية. بصورة عامة، يمكن اعتبار هذه النتائج مؤشّراً إيجابياً مشروطا؛ فهي تعكس استعداد المجتمع للتفاعل والمساءلة، وتمنح صنّاع القرار خريطة واضحة للتدخّلات المطلوبة، بشرط أن تُترجم هذه المؤشّرات إلى سياسات عملية تستجيب لتطلعات المواطنين.
حرص على العدالة... والديمقراطية خيار وطني لا رجعة فيه
تتّفق أكثرية الرأي العام السوري على الانحياز إلى النظام الديمقراطي، حيث رفضت أكثرية المستجيبين مجموعة من المقولات السلبية التي يثيرها عادة خصوم النظام الديمقراطي، فالأغلبية ترى "النظام الديمقراطي لا يتعارض مع الإسلام".
وحين سُئل السوريون عن النظام الأمثل لحكم بلادهم، جاءت الإجابة واضحة: الديمقراطية هي الطريق. 61% من السوريين أكّدوا أن النظام الديمقراطي، رغم ما قد يعتريه من مشكلات، يظلّ أفضل من أي بديل آخر، وعبّر 53% عن استعدادهم لقبول نتائج الانتخابات حتى لو جاءت بخصومهم السياسيين، وهو مؤشّر نادر في بيئات ما بعد النزاعات، ويعكس نضجاً سياسياً ورغبة حقيقية في بناء عقد اجتماعي جديد، وترفض الأغلبية مقولة إن الأداء الاقتصادي يسير بشكل سيئ في النظام الديمقراطي، وترفض أيضاً مقولة "الأنظمة الديمقراطية غير جيدة في الحفاظ على النظام العام". في المقابل، توافَق 60% من السوريين على أنّ النظام الديمقراطي، وإنْ كانت له مشكلاته، أفضل من غيره من الأنظمة، مقابل 20% عارضوا ذلك. وعلى نحوٍ متسق، أكّد ما نسبته 61% أن النظام الأفضل للحكم في سورية اليوم هو الديمقراطي. في حين بلغت نسبة تأييد أنظمة الحكم الأخرى أقل من 10% لكل منها. أفاد 53% من المستجيبين بأنهم يقبلون استلام السلطة من حزب سياسي لا يتّفقون معه إذا حصل على عدد أصوات يؤهّله لذلك ضمن انتخابات حرّة ونزيهة.
تشكيل الأحزاب السياسية
يؤيد الرأي العام السوري تأسيس أحزاب سياسية في سورية. أيّدت الكتلة الأكبر من المستجيبين وجود تيارات قومية عربية وتيارات ليبرالية مدنية. ما يميز الحالة السورية أن هذا التوجّه نحو الديمقراطية لا يأتي من رفاهية سياسية، بل من تجربة مريرة مع الاستبداد والصراع مارسه النظام البائد، ومن رغبة صادقة في بناء نظام يضمن التعددية، والمساءلة، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة.
أي الأنظمة السياسية الأفضل
في سياق ما بعد النزاع، حيث يسود الانقسام السياسي والتوجّس من الآخر، أن يُعبّر أكثر من نصف السوريين (53%) عن استعدادهم لقبول نتائج الانتخابات، حتى لو جاءت بخصومهم السياسيين، مؤشّر بالغ الأهمية. إنه يعكس تحوّلاً في الوعي السياسي، من منطق الولاء والانتماء الضيق، إلى منطق احترام الإرادة الشعبية، والقبول بالتعددية جزءاً من العقد الاجتماعي الجديد. لا يعني هذا القبول فقط التسليم بنتائج الانتخابات، بل يعني أيضاً الاعتراف بشرعية الخصم السياسي، والقبول بالتداول السلمي للسلطة، وهو ما يُعدّ من أرقى مظاهر النضج الديمقراطي. في المقابل، تُظهر نسبة المعارضة (31%)، رغم أنها ليست قليلة، أن هناك حاجة لمزيد من الحوار الوطني، وبناء الثقة، وتعزيز ثقافة المشاركة السياسية. تقول هذه الأرقام إن الديمقراطية ليست مجرّد آلية انتخابية، بل ثقافة قبول الآخر، واحترام نتائج الصندوق، وبناء دولةٍ لا تُقصي أحداً. إنها دعوة لإعادة بناء الحياة السياسية في سورية على أسس المشاركة، لا الهيمنة، وعلى التعدّدية، لا الإقصاء.
لا مصالحة بلا محاسبة
في قلب التحولات الكبرى، يبرز مطلب العدالة الانتقالية ركيزة لا غنى عنها للمستقبل. 65% يطالبون بمحاسبة كل من تورط في جرائم ضد الإنسانية أياً كان انتماؤه؛ فسلامٌ يقوم على الحقيقة والإنصاف أمتن من تسويات هشّة لا تُداوي الجراح. إنها رسالة تقول: لا مكان للإفلات من العقاب، وبناء الوطن يبدأ من استعادة الثقة بين الناس والدولة، وبين مكوّنات المجتمع بعضها مع بعض.
يبرز مطلب العدالة الانتقالية ركيزة لا غنى عنها للمستقبل. 65% يطالبون بمحاسبة كل من تورط في جرائم ضد الإنسانية أياً كان انتماؤه
الاندماج المجتمعي والهوية الوطنية
رغم سنوات الانقسام والصراع، لا يزال السوريون يؤمنون بإمكانية الانصهار في بوتقة وطنية جامعة؛ إذ يرى 64% من المستجيبين أن الشعب السوري نجح بدرجات متفاوتة في تحقيق هذا الانصهار، مقابل 12% فقط قالوا إنه لم يحصل على الإطلاق. وتعكس النسبتان نضجاً اجتماعياً ورغبة في تجاوز الانقسامات، وتؤكّدان أن السوريين، رغم كل شيء، يريدون وطناً لا يُقصي أحداً، ويقوم على الاحترام والتنوع.
الموقف من الهجرة
في قلب سورية، حيث تتقاطع الأحلام مع الواقع، يكشف استطلاع للرأي عن حكاية مجتمعٍ يقف عند مفترق طرق. 67% من السوريين يقولون "لا" للهجرة، وكأنهم يعلنون تمسّكهم بجذورهم، بإيمان أن التغيير يبدأ من الداخل، مهما كانت العواصف. هؤلاء هم حرّاس الأمل، الذين يروْن في كل حجر فرصة لبناء مستقبل جديد. لكن هناك 27% يهمسون بـ"نعم"، يحملون في قلوبهم شوقاً لأفق أوسع، لأمان مفقود، أو فرصة لم تتحقّق. ليسوا خونة للأرض، بل عشّاق للحياة، يبحثون عن مكانٍ يزهر فيه حلمهم. أما 6%، فهم في مساحة رمادية، بين الخوف والرجاء، بين الصمت والقرار. ليست هذه الأرقام مجرّد نسب، إنها مرآة لروح وطن يتأرجح بين البقاء والرحيل، بين التحدّي والاستسلام. والسؤال الذي يطلّ من بين السطور: هل نستطيع أن نحوّل رغبة الهجرة إلى رغبة في الإعمار؟
الهوية الوطنية: جسرٌ يعبر فوق الانقسامات
يقف كل عمود في الشكل المتعلق بالهوية شاهداً على بُعد من أبعاد الهوية الوطنية السورية، ويعكس ترتيب الأعمدة ونسبها توازناً دقيقاً بين الرمزي والمادي، بين التاريخي والمعيشي، وبين المشترك والمتنوّع. الثقافة السورية المشتركة (19%) تتصدر هذا الترتيب، ما يعكس إدراكاً جمعياً بأن الهوية لا تُبنى فقط على الانتماء الجغرافي أو السياسي، بل أيضاً على نسيج ثقافي تراكمي، يتجلى في اللغة، الفنون، العادات، والرموز اليومية. يمثّل هذا العامل ما يمكن تسميتها "الهوية الثقافية الجمعية"، التي تتجاوز الانقسامات وتؤسّس لوحدة شعورية. تأتي اللغة العربية (17%) في المرتبة الثانية، مؤكّدة أن اللغة ليست فقط أداة تواصل، بل حامل للهوية، ووسيط للمعنى، ومرآة للذات الوطنية. في السياق السوري، تلعب اللغة دوراً محورياً في توحيد الخطاب العام، وفي ترسيخ الانتماء من خلال التعليم والإعلام والدين. العيش على الأرض السورية (10%) هذا العامل يُبرز البُعد المكاني للهوية، حيث تتحوّل الأرض إلى فضاء للانتماء والذاكرة. ليست الأرض هنا مجرّد جغرافيا، بل حاضنة للروابط الاجتماعية والتاريخية، ومصدر للشرعية الوطنية. يشير التنوّع المجتمعي (9%) إلى وعي متزايد بأهمية التعدّدية في تشكيل هوية وطنية جامعة. يعكس هذا تحوّلاً في الخطاب من السعي إلى التجانس، إلى الاعتراف بالتنوع قيمة مضافة، وهو ما يتماشى مع الأدبيات الحديثة حول الهوية التعددية، الانتماء الرمزي والتاريخي. (8% - 6%) تشمل الانتماء إلى الوطن، الرموز الوطنية، والانتماء القومي، وهي عناصر تُستخدم في بناء الهوية الرمزية، التي تُفعّل في المناسبات الوطنية، والخطاب السياسي، والمناهج التعليمية. إننا أمام خريطة معرفية للهوية السورية كما يراها أبناؤها. هوية تتشكل من تفاعل مستمر بين الثقافة واللغة، بين الأرض والتاريخ، وبين التنوّع والوحدة. لا تُختزل في عامل واحد، بل تتجلى في التقاء هذه العوامل ضمن مشروع وطني جامع.
وتكشف نتائج المؤشّر العربي حول الاهتمام بالشأن السياسي في سورية عن لوحة معقدة من المواقف والاتجاهات. تفيد البيانات بأن 18% من المستجيبين لا يهتمون إطلاقاً بالسياسة، فيما يرى 36% أنها مهمّة بدرجة قليلة، بينما يعتبرها 31% مهمّة، و13% فقط يصفونها بأنها مهمة جداً، مع بقاء 2% في خانة الامتناع عن الإجابة. هذه النسب لا تعكس مجرد تباين في المواقف، بل تكشف عن ديناميات اجتماعية وسياسية أعمق. تمثّل النسبة الكبيرة التي ترى السياسة مهمة بدرجة قليلة حالة من الحذر أو التردّد، وهي غالباً انعكاس لتجارب سابقة من عدم الاستقرار أو ضعف الثقة بالمؤسّسات. في المقابل، الفئة التي تعتبر السياسة مهمة جداً، رغم محدوديتها، تشكّل نواة صلبة يمكن أن تكون محرّكاً لأي عملية إصلاح أو مشاركة سياسية مستقبلية. أما الفئة غير المهتمة إطلاقاً، فهي مؤشّر على وجود فجوة بين المواطن والشأن العام، قد تكون ناجمة عن الإحباط أو الانشغال بتحدّيات الحياة اليومية.
66 % (غالبية المشاركين) أعلنوا بوضوح أن الانتماء الطائفي أو الديني ليس معياراً للتعامل مع الآخر. يلمع هذا الرقم كإشارة إلى أن جذور التعايش لا تزال حيّة
التنوّع: أرقام تكشف قوة العيش المشترك
ليس التوتر الطائفي والإثني في سورية وليد سبب واحد، بل هو نتاج شبكة معقّدة من القوى التي تتنازع على العقول والقلوب. في القمة، يقف العامل الخارجي (24%) ظلاً ثقيلاً يخيّم على المشهد، يذكّرنا بأن حدودنا ليست خطوطاً على الخريطة فقط، بل ممرّات مفتوحة لتدخّلات القوى الإقليمية والدولية. لا تكتفي هذه القوى بالمراقبة، بل تغذّي الانقسامات وتستثمر فيها، لتبقى المنطقة في حالة سيولةٍ تخدم مصالحها. لكن المفاجأة أن الداخل رأى أن سلوك المجتمعات بعضها تجاه بعض (22% + 17%) يشكّل مع الإعلام أكثر من النصف. تضيف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي (18%) الزيت على النار، إذ تحوّلت من منصات للتقارب إلى مسارح للاستقطاب، حيث تنتشر الشائعات أسرع من الحقائق، وتُضخّم الأصوات المتطرفة على حساب العقلانية. أما الأنظمة السياسية ومرجعياتها الدينية (14%)، وفي الزاوية، يقف 5% من الصمت، كأنه يرمز إلى حيرة الناس أمام شبكة أسباب متداخلة، أو ربما إلى خوفهم من تسمية الأشياء بأسمائها. ما الذي تقولُه لنا هذه الأرقام؟ إن التوتر ليس مجرد مؤامرة خارجية، ولا مجرّد خلل داخلي؛ إنه تفاعل بين هشاشة الداخل وضغوط الخارج. الإعلام يضخّم، المجتمع يتأثر، والسياسة تترك فراغاً تملأه الانقسامات. الرسالة واضحة: إذا أردنا كسر الحلقة علينا أن نبدأ من إعادة بناء الثقة داخل المجتمع، وضبط خطاب الإعلام، وتحصين الداخل ضد الاستغلال الخارجي.
عندما نقرأ الأرقام، نكتشف أن القصة الحقيقية ليست عن الرفض، بل عن القبول. بين كل الأشكال البيانية، يعلو صوت الأغلبية التي تقول: "لا مانع لدي". تراوح النسب بين 66% و78%، ما يعني أن معظم السوريين لا يمانعون أن يكون جيرانهم من جنسيات أخرى، أو من مناطق مختلفة، أو حتى من أديان ومذاهب مغايرة. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها شهادة على أن جذور التعايش في المجتمع السوري ما زالت حيّة، رغم كل ما مرّ به من أزمات وانقسامات. صحيح أن هناك أقلية تتحفظ ـ 22% لا يرغبون بجيران من جنسيات أخرى، و15-17% يتحفظون على اختلاف الدين أو المذهب ـ لكن هذه النسب تبدو صغيرة أمام بحر القبول الذي يملأ المشهد. إنها تقول لنا إن السوريين، في عمقهم، يفضلون الجيرة الإنسانية على الجيرة الهوياتية، وأن الحياة اليومية أقوى من خطاب الانقسام. الأكثر إلهاماً أن الاختلاف في اللون أو اللغة أو الثقافة هو الأقل حساسية (13%)، وكأن المجتمع بدأ يتصالح مع التنوع الثقافي أكثر من أي وقت مضى. ترسم هذه الأرقام لوحة تقول: التنوّع ليس تهديداً، بل فرصة، إذا وُجدت سياسات ذكية ومساحات حوارية تحوّل هذا القبول النظري إلى ممارسة يومية.
ونرى انعكاساً صريحاً لخيارات الناس في التعامل مع الآخر. قال 66% عبارة "لا فرق لدي". تروي هذه النسبة الكبيرة قصة أمل: تعلن أغلبية المشاركين بوضوح أن الانتماء الطائفي أو الديني ليس معياراً للتعامل. في عالم يكثر فيه الحديث عن الانقسامات، يلمع هذا الرقم كإشارة إلى أن جذور التعايش لا تزال حيّة، وأن الفطرة الإنسانية تميل إلى قبول الآخر أكثر مما نتصور.
قال 25% "أفضّل التعامل مع أشخاص من مذهبي/ طائفتي/ ديانتي". ليس هذا الرقم صغيراً، بل هو ربع العينة تقريباً، وهو جرس إنذار بأن خطاب التعايش وحده لا يكفي، بل يحتاج سياسات وممارسات تعزّز الثقة وتكسر الصور النمطية.
القضية الفلسطينية ما زالت حيّة في الوجدان السوري، ليست مجرد ملف سياسي، بل جزء من الهوية الجماعية
تحليل مستويات الاهتمام بالشأن السياسي
تكشف نتائج المؤشر العربي حول الاهتمام بالشأن السياسي في سورية عن لوحة معقدة من المواقف والاتجاهات. تشير البيانات إلى أن 18% من المستجيبين لا يهتمون إطلاقاً بالسياسة، في حين يرى 36% أنها مهمة بدرجة قليلة، بينما يعتبرها 31% مهمة، و13% فقط يصفونها بأنها مهمة جداً، مع بقاء 2% في خانة الامتناع عن الإجابة. هذه النسب لا تعكس مجرد تباين في المواقف، بل تكشف عن ديناميات اجتماعية وسياسية أعمق. إن النسبة الكبيرة التي ترى السياسة مهمة بدرجة قليلة تمثل حالة من الحذر أو التردد، وهي غالبا انعكاس لتجارب سابقة من عدم الاستقرار أو ضعف الثقة بالمؤسسات. في المقابل، الفئة التي تعتبر السياسة مهمة جداً، رغم محدوديتها، تشكل نواة صلبة يمكن أن تكون محركاً لأي عملية إصلاح أو مشاركة سياسية مستقبلية. أما الفئة غير المهتمة إطلاقاً، فهي مؤشر على وجود فجوة بين المواطن والشأن العام، قد تكون ناجمة عن الإحباط أو الانشغال بتحديات الحياة اليومية. من منظور نظري، يمكن قراءة هذه النتائج في إطار مفاهيم الثقافة السياسية التي تميز بين المجتمعات ذات الثقافة المشاركة وتلك التي يغلب عليها الطابع اللامبالي. النمط السوري هنا يبدو أقرب إلى ثقافة مختلطة، حيث تتعايش الرغبة في المشاركة مع مستويات متفاوتة من اللامبالاة، ما يفرض تحديات أمام صناع السياسات الراغبين في تعزيز المشاركة السياسية. إن تحويل الاهتمام المحدود إلى اهتمام فعلي يتطلب استراتيجيات تستند إلى بناء الثقة، وتوسيع قنوات المشاركة، وربط السياسة باحتياجات الناس اليومية.
القضية الفلسطينية: بوصلة لا تنحرف
تظهر أرقام الاستطلاع أن القضية الفلسطينية ما زالت حيّة في الوجدان السوري، ليست مجرد ملف سياسي، بل جزء من الهوية الجماعية. 69% من السوريين يرون أن فلسطين قضية جميع العرب، لا قضية الفلسطينيين وحدهم. هذه النسبة تقول إن التضامن لم يمت، رغم كل الانقسامات التي عصفت بالمنطقة، وإن الشعور بالمصير المشترك لا يزال حاضراً بقوة. أما الموقف من إسرائيل، فهو أكثر وضوحا: 74% يرفضون الاعتراف بها، ليس بدافع العناد، بل انطلاقاً من سردية عميقة عن العدالة والحق. الأسباب التي ذكرها المستجيبون تكشف عن وعي تاريخي وسياسي: إسرائيل ليست مجرد دولة في نظرهم، بل مشروع استيطاني توسعي، يهدد الأرض والهوية، ويغذي النزاعات، ويحتل الجولان، ويشتت الفلسطينيين، ويحرمهم من حق تقرير المصير. هذه ليست شعارات، بل ذاكرة حيّة تشكل الموقف الشعبي. وعندما نسأل عن السلام، نجد أن 70% يرفضون أي اتفاق مع إسرائيل من دون عودة الجولان. هنا تتجلى الوطنية السورية في أوضح صورها: السلام ليس صفقة، بل عدالة. وفي العمق، هناك إدراك بأن إسرائيل ليست خصماً عابراً، بل فاعل يسعى لتفكيك المنطقة، بدليل أن 74% يعتقدون أنها تدعم النزعات الانفصالية في سورية، و88% يرون أنها تهدد الأمن والاستقرار السوري.
إسرائيل في الوعي السوري: تهديد للاستقرار يتجاوز السياسة
تحدث الأرقام بوضوح: 88% من السوريين يعتقدون أن إسرائيل تهدد الاستقرار في سورية. هذه النسبة الكاسحة ليست مجرد رقم، بل تعبير عن وعي جمعي يرى في إسرائيل أكثر من خصم سياسي؛ يراها مشروعاً دائماً لزعزعة الأمن وتفكيك النسيج الوطني. في المقابل، لا تتجاوز نسبة من يرون أنها لا تشكل تهديداً 4%، وكأنهم أصوات هامشية في بحر من القلق المشروع. أما 8% الذين اختاروا الصمت أو الحياد، فهم مساحة رمادية، ربما تعكس حذراً أو عدم يقين، لكنها لا تغيّر من حقيقة أن الإجماع الشعبي شبه مطلق. ما وراء الأرقام
هذه النتيجة تكشف عن ثلاث حقائق أساسية:
1. التهديد الإسرائيلي ليس فكرة نظرية في الوعي السوري، بل تجربة حيّة، ترتبط بالجولان المحتل، وبالذاكرة التاريخية للصراع، وبالواقع الإقليمي الذي يشهد تدخلات إسرائيلية مباشرة وغير مباشرة.
2. الإجماع الشعبي (88%) مؤشر على وحدة الموقف تجاه الخطر الخارجي، رغم الانقسامات الداخلية التي أفرزتها الحرب.
3. الاستقرار في المخيال السوري ليس مجرد أمن داخلي، بل سيادة كاملة، وأي قوة تمس هذه السيادة تُرى كتهديد وجودي.
المعرفة: حق إنساني وركيزة للتنمية
لأول مرة، نمتلك خريطة دقيقة لمزاج السوريين، تطلعاتهم، مخاوفهم، ورؤيتهم لمستقبل بلادهم. هذه الأرقام ليست جامدة، بل تنبض بالحياة؛ فهي تعكس نبض أمة تبحث عن الاستقرار والكرامة والعدالة. كل نسبة مئوية هنا تحمل وراءها قصة إنسان عاش الحرب، وفقد الأحبة، لكنه ما زال يؤمن بالغد. اليوم، لم يعد السوريون مجرد أرقام في جداول الإحصاء، بل أصوات حية تعبّر عن إرادة التغيير، وآراء تحمل في طياتها قصصا من الصمود والأمل. كل صوت في هذا الاستطلاع هو شهادة على أن السوريين، رغم الجراح، لم يفقدوا قدرتهم على الحلم، ولم يتخلوا عن حقهم في المشاركة في رسم ملامح الغد. لقد أصبح صوتهم مسموعاً، ليس فقط في أروقة البحث العلمي، بل في فضاء السياسات العامة، ليقول للعالم: نحن هنا، نطالب بأن يكون لنا مكان في مستقبل بلادنا، ونرفض أن نُختزل في خانة الأرقام أو ضجيج الأخبار
المعرفة لم تعد ترفاً، بل حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، وأحد أهم أهداف التنمية المستدامة وركائز التنمية البشرية. في عالم اليوم، لم تعد الحكومات قادرة على احتكار المعلومة أو منع تدفقها؛ فقد أصبح الفضاء الرقمي مفتوحاً، وأصبح بمقدور الناس امتلاك المعرفة وتوظيفها في حياتهم اليومية. من هنا اعتقد أن الحكومة في سورية سوف تنظر إلى نتائج هذا الاستطلاع لا بوصفها بيانات صماء، بل باعتبارها مدخلات استراتيجية لصياغة السياسات والبرامج. وأن تدرك أن السوريين عبّروا عن آرائهم بمسؤولية وأن احترام هذه الآراء وتقديرها هو حجر الأساس لبناء الثقة. هذا الاستطلاع ليس حدثاً عابراً، بل محطة تاريخية تأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث الأوضاع تموج وتتغير بسرعة. إن فهم سياق الأحداث من خلال آراء الناس، لا من خلال ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي فقط، هو ما يمكن أن يبنى عليه مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.