استمع إلى الملخص
- الشرع ألقى كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لأول مرة منذ 60 عامًا، مقدّمًا سوريا بحلة جديدة تركز على السلام والازدهار، مما يعكس تحولها من دولة مصدّرة للأزمات إلى دولة تسعى للسلام.
- يواجه الشرع تحديات داخلية كبيرة، حيث يتطلب تحقيق السلام الحقيقي مشاركة من مختلف مكونات الشعب السوري، لضمان استقرار سوريا وتحقيق السلام المستدام.
قد تجبُّ السياسة في لحظات تاريخية معينة ما كان، وتكتفي بالتعامل مع ما هو قائم الآن... ربما تكون هذه العبارة تمثيلا حقيقيا لتعامل المجتمع الدولي مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان حتى الأمس القريب أبا محمد الجولاني، وكان على رأس المطلوبين لديفيد بترايوس القائد الأسبق للقيادة المركزية بالجيش الأميركي ومدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
غير أن السياسة القائمة على البراغماتية والتعامل مع الوقائع القائمة هي التي جمعت الشرع وبترايوس في مشهد سوريالي في نيويورك، في وقت ما يزال بعض العرب والسوريين يمارسون ما يمكن تسميتها السلفية السياسية التي تظل أسيرة أفكار ماضوية ترفض رؤية ما هو قائم وقبوله.
كان حضور الشرع في الأمم المتحدة خطوة بالغة الأهمية لسورية في عالم السياسة، خطوة فتحت لها باباً واسعاً لاستعادة مكانتها الدولية، ليس كاعتراف رسمي بالقيادة الجديدة لسورية فحسب، بل أيضا بضرورة استعادة سورية مكانتها الإقليمية دولةً صانعةً للسلام.
تحول الشرع إلى نجم الأمم المتحدة، وكانت لقاءاته مع شخصيات عالمية. (الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووزير خارجيته مارك روبيو، والسيناتور الصهيوني المتشدد ليندسي غراهام، رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيس التشيك، رئيس وزراء النرويج، الرئيس الأوكراني، رئيس وزراء اليونان، الرئيس التركي، فضلاً عن لقاءاته مع ملوك وأمراء ومسؤولين عرب)، تتجاوز عالم السياسة إلى عالم علم النفس السياسي إن صحّت العبارة، فإذا كانت رغبة زعماء العالم من لقاء الشرع استكاشف السياسة الجديدة لسورية أو التفاهم على طبيعة العلاقات المستقبلية، إلا أن هذه اللقاءات لا تخفي رغبة المسؤولين الدوليين، أو بعضهم، في لقاء شخصية غامضة ومحيّرة وسابقة من نوعها في عالمنا المعاصر.
وعليه، إذا كانت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثاً سنوياً اعتيادياً، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لسورية التي ألقى رئيسها كلمة هي الأولى منذ نحو 60 عاماً. لا يتعلق الأمر بالفاصل الزمني البعيد بين الحضورين الدبلوماسيين (نور الدين الأتاسي عام 1967 وأحمد الشرع عام 2025)، بقدر ما يتعلق الأمر بحضور أحمد الشرع ذاته في كرنفال دولي سمح له بتقديم نفسه وتقديم سورية بحُلة جديدة مغايرة تماما للسابق. وبهذا المعنى، يمكن القول إن كواليس لقاءات الشرع مع الرؤساء والملوك على هامش اجتماعات الجمعية العامة، إلى جانب كلمته التي جاءت تحت عناوين السلام والازدهار والتنمية، حملت رسائل بدت مقنعةً وكافية للمجتمع الدولي على الأقل في المدى القريب، وهو ما بدا واضحاً في تصريحات المسؤولين الغربيين ووسائل الإعلام الغربية.
تحوّلت سورية من دولة مصدّرة للأزمات إلى دولة تمنح فرصة للسلام في المنطقة، ولغة الحوار والدبلوماسية هي اللغة المعتمدة في سورية الجديدة، سواء على مستوى التعاطي الإقليمي والدولي (خصوصاً مع إسرائيل) أو على المستوى المحلي الداخلي.
وتحت عنوان السلام هذا، ذكّر الشرع مستمعيه بالاعتداءات الإسرائيلية على سورية منذ "8 ديسمبر". وتحت عنوان السلام نفسه، دعا إلى وقف الحرب الإسرائيلية في غزّة، وتحت عنوان السلام أيضاً تحدّث الشرع عن ملء فراغ السلطة، والحوار الوطني الجامع، وتشكيل حكومة كفاءات، وتعزيز مبدأ التشارك، وتأسيس هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين إنصافاً وعدلاً لمن ظُلم.
لكن لغة السلام هذه تتطلب أكثر من النيات السلمية، إنها تتطلّب مهارة وإرادة وقوة، وهذه الأخيرة غير الموجودة في سورية قد تحوّل السلام إلى استسلام أو سلام هش مع إسرائيل التي لا تقيم أي وزن للسلام، كما أن لغة السلام حيال الداخل السوري تتطلب مشاركة حقيقية مع مختلف مكونات الشعب، لا عناوين تشاركية فضفاضة.
باختصار، نجح الشرع في الحصول على قبول واعتراف دوليين بقيادته وبسورية الجديدة، وما يُنتظر منه أن يحصل على القبول والاعتراف من أغلبية الشعب السوري، وهذه هي المهمّة الرئيسية له، فمن دون داخلٍ قويٍّ ومتماسكٍ لا معنى لنجاحات الخارج.