سهيل عرفة... ذاكرةُ اللحنِ السوري

09 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 13:48 (توقيت القدس)
سهيل عرفة (1935- 2017) (محسّنة بالذكاء الاصطناعي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- وُلد الملحن السوري في دمشق عام 1934، وبدأ مسيرته الفنية في الأربعينيات رغم معارضة والده، حيث عمل في تصليح أجهزة الراديو ودخل إذاعة دمشق كمطرب بعد مشاركته في برنامج المواهب "ألوان".
- تعلم النوتة الموسيقية وقدم أول ألحانه الوطنية عام 1958، وتعاون مع شعراء ومغنين لتقديم أغانٍ وطنية وأخرى للأطفال، كما عمل في إذاعة لبنان وقدم موسيقى تصويرية لأفلام، وابتكر أساليب لحنية جديدة.
- امتدت مسيرته الفنية 60 عاماً، وضع خلالها الموسيقى التصويرية لأكثر من 46 فيلماً و1500 لحن، وتعاون مع نجوم مثل صباح فخري. توفي في مايو 2017 واعتبرته الصحافة أحد أعمدة الفن العربي.

حين الوتر واللحن والموسيقى ثمّة هو، حين التاريخ والتراث والفلكلور أيضا هو، حين الطفولة والشباب والكبار كذلك هو. الطقطوقة والأصبوحة والصوفية والطرب والكلاسيكيات هو.

أذِن القدر بصرخة حياته الأولى في حي الشاغور الدمشقي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1934، لأب يعمل في التجارة، وأم ربّة منزل، وهو الأوسط بين إخوته؛ كان المذياع حينها في بداية انتشاره في سورية، وكان الطفل مولعاً بالاستماع إليه، والمتعة نفسها ترافقه وهو بصحبة والده إلى الموالد الدينية وإلى الجامع الأموي.
"كنت أرافق والدي إلى الجامع الأموي، خاصة صباح يوم الجمعة، ربما كانت هذه الزيارات أول ما شدني إلى عالم الموسيقى، كان أبي لا يسمح لنا بالاستماع إلا إلى نشرة الأخبار والقرآن الكريم والأناشيد الدينية، كنت أردد كل أغنية أسمعها من المذياع. وكل الابتهالات والأناشيد من الأموي". بهذه الكلمات استحضر ذكريات طفولته الأولى؛ كما ولم يكن الأمر متوقفاً على منع عرفة، الذي كان مغرماً بفريد الأطرش، من الاستماع إلى ما يرغب به من الأهل فحسب، بل يتجاوز ذلك "عندما بدأت الفن في الأربعينيات، كان العود يُكسر كلما رآه والدي، وكان إخوتي عندما ينزعجون مني يكسرون عودي أيضاً، ورغم أنّ الويل والثّبور وعظائم الأمور لمن يغادر دون إذن الوالد، إلّا أنّي كنت أعمل خارج الحارة، لأجمع ثمن العود من جديد". ليستقرّ في العمل لدى أحد معارف والده (أنور القوادري)، في محل لتصليح أجهزة الرّاديو، وليتسلم في بداية شبابه محلّ الراديوهات الذي كان قبالة مجلّة الدنيا، في حي السنجقدار لصاحبها عبد الغني العطري. جيرته من المجلّة، خوّلته التعرف إلى أهم الأدباء والفنانين آنذاك، وعلى رأسهم عبد العزيز الخياط "والد أمين الخياط"، ومن خلاله تعرف إلى موسيقيين ومطربين أمثال نجيب السّراج، ورفيق شكري، وعدنان قريش، ومحمد عبد الكريم، الذين أعجبوا بصوته ونصحوه بالتقدم إلى إذاعة دمشق، وكان ذلك عبر مشاركته في الخمسينيات ببرنامج المواهب "ألوان" لعبد الهادي البكار على إذاعة دمشق، وغنائه لفريد الأطرش "نورا يا نورا"، ليكون هذا بمثابة جواز سفر له، إذ اعتمد مباشرة مطرباً للإذاعة.
عرفة الذي بدأ العزف السماعي، أخذ بنصيحة أمير البزق عبد الكريم بضرورة تعلّم الموسيقى، لأنّ "موهبته في التلحين أقوى من موهبته في الغناء"، ليتعلّم فعلاً النوتة على يد سامر مرادلي.
قدم عام 1958 أول ألحانه للأغنية الوطنية "يا بطل الأحرار" لفهد بلّان، بمناسبة قيام الوحدة السورية المصرية، بقلم الشاعر عمر الحلبي، وفي العام نفسه تعرّف إلى نجاح سلام بواسطة الكاتب عدنان مراد، ليلحن لها (رمانا بحبه) ومن ثمّ (والله لنصب تلفون)؛ وخلال ذات الفترة لحن مجموعة كلمات غنائية لـ (الحلبي، وفوزي المغربي)، المغنّاة من قبل الأصوات السائدة في تلك الحقبة، أمثال (مصطفى فؤاد، وياسين محمود، وكروان، وسحر)، ومن ثم لحّن لسمير حلمي أغنية "يا وطني"، والتي كانت سبب شهرة الأخير؛ لتشهد الفترة التي أعقبتها تعاون عرفة مع الشاعر عيسى أيوب، في مهرجانات الأطفال، حتى غدت افتتاحيات مهرجانات الطفل السوري لأيوب وعرفة، إذ عرف الثنائي كيف يخاطبان الطفل عبر أغانيهم الخاصة، وليوقعا بعدها على عديد افتتاحيات المهرجانات.

الملحّن الذي صالت وجالت أنغامه أصقاع العالم العربي عبر أغانٍ خاصّة، وتلك التي ضمن الأفلام، عبْر نظمِ موسيقى 46 فيلماً

دمشق الخمسينيات "قبلة العرب الفنيّة"، و"إذاعة دمشق" حينها بوابة عبور لأيّ صوت عربي بمجرد غنائه/ها في استديوهاتها، لكنّ عرفة لم يتوقّف عند مجد "إذاعة دمشق"، فها هو رئيس دائرة الموسيقى في إذاعة لبنان حليم الرومي، يدعو عرفة إلى بيروت ليتم اعتماده "ملحِّناً من الدرجة الأولى في إذاعة لبنان"، ومن ثمّ طُلب منه في بيروت موسيقى تصويرية لبعض الأفلام السينمائية، لينظم موسيقى عدة أفلام داخل سورية وخارجها، منها "الفهد"، "المغامرة"، "المصيدة"؛ ليحلم بعدها، على حد قوله، بالبحث عن تحرير المستمع من الأجواء اللحنية المألوفة بكثرة، ويبدأ بتجسيد ذلك من خلال ألحان "من قاسيون أطلّ يا وطني" لدلال الشمالي، التي لحّنها بأسلوب مزجي مختلف عن كلّ ما قام بتلحينه قبلها، معتمداً الإيقاع الشعبي المساير لرغبات الذوق العام، ومن ثم عبر أغنية "قلعة التحدي والمعجزة" التي لحنها بأسلوب القصيدة، ضمن النمط الكلاسيكي التقليدي؛ ثم عاد ليلحن الكثير من أغاني الأفلام، غير أن أغنية "يا طيرة طيري يا حمامة" التي لحنها لشادية نالت من الشهرة الكثير؛ ليأتي بعدها بلون جديد عبر أغنية "عالبساطة" للشحرورة صباح، والتي اعتبرها نقاد كثر من أهم الأعمال التي لحنها عرفة، إذ سجلت تحولاً كبيراً في مسيرته الفنية، ولتكون من أكثر "فيز العبور" لكونه ملحّناً عربياً وليس سورياً فحسب، إذ اتصل به فريد شوقي حينها وقال: "صنعت من البساطة شيئاً مهمّاً جداً"، وكذلك قدّم لصباح ألحاناً في فيلم "إيدك عن مراتي"، إضافة إلى عديد الأغاني، منها "يا رب تشتّي عرسان" و"آخد قلبي سكارسة"؛ ليلحّن بعدها لنّجوم عديدين، منهم صباح فخري، فاتن الحنّاوي، نجاة الصّغيرة، وديع الصافي، نصري شمس الدين، سميرة سعيد، محمد عبد المطلب، سميرة توفيق، وأصالة نصري. 
الملحّن الذي صالت وجالت أنغامه أصقاع العالم العربي عبر أغانٍ خاصّة، وتلك التي ضمن الأفلام، عبْر نظمِ موسيقى 46 فيلماً، وضع أيضاً الموسيقى التصويرية لعدّة مسرحيات، منها "أيام سلمون"، "السعد"، "أنت اللي قتلت الوحش"؛ وأيضاً لعديد المسلسلات التلفزيونية، مثل "سيرة بني هلال"، "أبو كامل"، "دولاب"، "ساري"، "عبد الرحمن الكواكبي"، "الغريب"، "حارة الملح"، "أيام شامية"؛ ليوقّع خلال مسيرته الفنية الممتدّة 60 عاماً على أكثر من 1500 لحن، وليكون واحداً من قلائل الملحّنين السوريين الذين تجاوزت ألحانهم الحدود الإقليمية.
تزوج من السورية ذات الأصول التركية اللبنانية سعاد بيرقدار، التي فارقت الحياة عام 2007، أنجبا فدوى، سمر، صباح، أمل، عادل، كما أنّ زوج ابنته سمر المطرب والملحّن السوري عبد الرزاق محمد جوجو.
"آخر حرّاس الأغنية السورية .. سفير التراث السوري إلى أصقاع المعمورة .. ناقل حضارة أمّ الأبجديات إلى العالم عبر النغَم .. أحد أعمدة الفنّ العربي .. الموسوعي الموسيقي" كلّها من الصفات والألقاب التي قيلت في عرفة؛ ترجّل عن صهوة الموسيقى والأوتار في 25 من مايو/ أيار 2017، عن 83 عاماً في مستشفى الطلياني بدمشق بعد صراع مرير مع المرض. وتعنون الصحافة السورية والعربية صفحاتها الأولى حال وفاته بـ "الأغنية السورية تخسر آخر آبائها.. رحيل صانع اللحن الجميل".