سؤال الهوية الاقتصادية والخيارات الصفرية

24 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 08:57 (توقيت القدس)
حفارة تعمل في حقل الجْبِسِة بالحسكة بعد عودته إلى الحكومة السورية (21/1/2026 Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يتطلب الوضع في سوريا بعد الحرب إعادة تقييم شاملة لهوية الدولة الاقتصادية، مع التركيز على بناء عقد اجتماعي جديد يوازن بين التحرير الاقتصادي والحماية الاجتماعية الفعالة.
- شهدت سوريا تحولات اقتصادية وسياسية متعددة أثرت على توقعات المجتمع من الدولة، حيث توسع الدور العام للدولة، لكن تحول القطاع العام لاحقًا إلى مسار للفساد والنهب.
- يجب أن يكون النموذج الاقتصادي المستقبلي لسوريا توليفيًا، يجمع بين قوة الدولة في التنظيم والعدالة في الضرائب، مع التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري وبناء شبكة أمان اجتماعي ذكية.

في سورية ما بعد الحرب، لا يعود سؤال هوية الدولة الاقتصادية ترفاً فكرياً، بل ضرورة بقاء. فالتصدّعات التي أصابت العقد الاجتماعي كشفت أن النقاش حول "الدولة الرعائية" لا ينفصل عن سؤال الشرعية والهوية وطبيعة السلطة نفسها. إعادة التفكير في الدولة تنبغي أن تبدأ من الواقع ومزاج مجتمع صارحته الحرب بحقيقته. 

لا بد من النظر إلى المسار السوري على مدى قرنٍ بوصفه تراكماً لتجارب اقتصادية وسياسية صنعت توقعات المجتمع من الدولة

على تخوم هذا الميزان، تُفيدنا المدارس الليبرالية الكلاسيكية كعلامات تحذير لا كوصفات جاهزة. فمدرسة شيكاغو تذكّر بأن الدولة حين تتجاوز وظائفها الأساسية قد تُغريها النيات الحسنة فتُولِّد نتائج غير مقصودة تُضعف كفاءة السوق وتضرّ بمن أرادت نصرتهم، وبأن تبرير التدخل يجب أن يبقى محكوماً بحدود واضحة، مثل إنفاذ العقود والسلع العامة ومعالجة الآثار الخارجية ورعاية غير القادرين. وفي الاتجاه نفسه، تشرح مدرسة الخيار العام كيف يمكن لتركّز المنافع وتشتّت التكاليف أن يدفعا إلى تضخّم جهاز الدولة خارج حدود "العقد الاجتماعي" حتى حين تبدو آليات التمثيل ديمقراطية. ثم يأتي التحذير الأكثر حدّة مع هايك، حين يرى أن التخطيط المركزي قد ينزلق تدريجياً إلى تآكل سيادة القانون وتحويل السياسة إلى إدارة انتقائية للموارد باسم "غاية عامة" لا يشارك الناس فعلياً في تعريفها. ليست هذه الأطروحات دعوة إلى انسحاب الدولة من الحماية، لكنها تنبيه إلى أن العدالة الاجتماعية لا تُنتج بالنيات وحدها، بل بتصميمٍ مؤسّسيّ يضبط الحوافز ويمنع تضخّم البيروقراطية وتحويل السياسة إلى ريع.
من هنا تحديداً يصبح سؤال الرعاية في سورية سؤالاً سياسياً بامتياز. فإذا كانت الدولة ستغيّر دورها، فكيف تُقنع المجتمع بأن التغيير ليس "انسحاباً" ولا "عقوبة" ولا نقلاً للكلفة إلى الناس؟ وكيف تُثبت أن إصلاح الرعاية ليس تخفيفاً للواجب بل انتقالاً من رعايةٍ مُنهَكة إلى حمايةٍ ذكية؟ الإجابة تبدأ بقراءة دقيقة للواقع الاجتماعي، وباستباق ردود الفعل، وبصياغة مسارٍ زمنيّ يتدرّج بدل أن يصدم.

كيف ضاعت الهوية الاقتصادية؟

لكي تكون "المعقولية" سياسة لا عبارة، لا بد من النظر إلى المسار السوري على مدى قرنٍ بوصفه تراكماً لتجارب اقتصادية وسياسية صنعت توقعات المجتمع من الدولة.
في العشرينيات، تشكّل الإطار الإداري الحديث في ظل الانتداب الفرنسي، مع بناء إدارات وطرق وبدايات مؤسسات تعليمية. ثم جاء الاستقلال عام 1946 ليضع الدولة الناشئة أمام معضلة مزدوجة: رغبة في اقتصاد يقوده القطاع الخاص في مدنٍ تجارية، مع حاجة متزايدة لدورٍ عام يردم فجوات الريف ويضمن الخدمات الأساسية.
في الخمسينيات والستينيات، ومع التحولات السياسية الكبرى، اتسع الدور العام عبر إصلاح زراعي وتأميمات وتوسّع قطاعٍ عام وتسعير إداري ومحاولات تخطيطٍ واسعة لبناء استقلالٍ إنتاجي وتجاوز اختلالات ما بعد الاستقلال. كان منطق تلك الحقبة بسيطاً: الدولة تُمسك بالرافعات الاقتصادية، وتعيد توزيع الموارد، وتُسرّع التحديث.
وفي السبعينيات، ومع موارد استثنائية من التحويلات والمساعدات والطفرة النفطية الإقليمية، بُنيت أجزاء معتبرة من البنية التحتية وتوسّعت المدارس والجامعات وبعض المصانع العامة، وترسّخ عقدٌ اجتماعي غير مكتوب يقوم على "التوظيف مقابل الولاء"، و"الدعم مقابل الاستقرار"، و"الخدمات الأساسية مقابل الصمت السياسي". غير أن هذا العقد دخل الثمانينيات على أزمة كفاءة وقدرة تمويل: تراجعت القوة الشرائية، وظهرت اختناقات في العملة الأجنبية، وتفاقمت مشاكل هيكلية في الإنتاجية، وتعرّضت شرعية النظام لاختبارٍ اقتصادي لأول مرة بهذا العمق. فبدأت الدولة تتآكل كمؤسسة إنتاج، وتتعزّز كجهاز توزيع سياسي، وتتحول الوظيفة العامة تدريجياً من أداة بناء إلى أداة امتصاص واحتواء.
ومع عتبة التسعينيات جاءت "الانفراجات" القانونية، ثم في الألفية الأولى انفتاحٌ انتقائي وتحريرٌ جزئي رافقه نمو شبكات امتياز تربط رأس المال بالسلطة وتعيد توزيع الرخص والأسواق والفرص وفق القرب السياسي لا وفق المنافسة، أي نشوء "رأسمالية زبائنية" داخل خطابٍ يرفع أسماء السوق والإصلاح.
في 2005 أُعلن الانتقال إلى "اقتصاد السوق الاجتماعي"، في إطار الخطة الخمسية العاشرة، بوصفه وعداً بعقد اجتماعي جديد يوازن بين تحرير اقتصادي وحماية اجتماعية أفضل استهدافاً. وحتى وثائق الأمم المتحدة الداعمة لذلك التحول تحدثت صراحة عن أن تفكيك الاحتكارات ورفع بعض أشكال الدعم قد يضرّ شرائح هشّة على المدى القصير إن لم تُبنَ حماية انتقالية وآليات متابعة. ثم جاء جفاف 2006–2010 ليضغط الريف بقوة، ويدفع هجرات داخلية، ويكشف حدود قدرة السياسة العامة على امتصاص الصدمات حين تتقاطع هشاشة التنمية مع ضعف الحوكمة.
وكان على تلك الخطة أن تدرك أن التحوّل الاقتصادي لا ينفصل عن التحول الاجتماعي والسياسي؛ فإصلاح الموازنة والعجز وإدارة المال العام عملية اقتصادية بالغة الأهمية لن تنجح الدول من دونها، لكن جوهر الإصلاح الاقتصادي في سورية كان مرهوناً بجانبيه الإداري والسياسي، اللذين لم يكونا عوناً لتلك الخطة، بل كانا معيقَين لها بدرجة كبيرة.
بهذه التراكمات دخلت سورية عام 2011، ثم جاءت الحرب لتدمّر رأس المال المادي والبشري، وتفجّر أزمة خدمات وبنية تحتية وتدهوراً اجتماعياً واسعاً، مع خسائر اقتصادية جسيمة قُدِّرت بـ 400 مليار دولار، وتراجعٍ في فرص التعليم والصحة، ونزوحٍ داخلي وخارجي بلغ 15 مليون سوري، وتفاقمٍ في الفقر متعدد الأبعاد. في هذا السياق، تبدو "الهوية الاقتصادية" سؤالاً لازماً؛ فسورية لم تستقر طويلاً على نموذجٍ قابل للتعريف، لأنها لم تُحوِّل الشعار إلى مؤسسات: لم تكن اشتراكية إنتاجية متماسكة، ولا سوقاً تنافسية عادلة، بل خليطاً انتهى، في سنواته الأخيرة، إلى دولة ريعية يكون فيها القطاع العام باباً للنهب والفساد أكثر منه أداة بناء.

ليس المهم أن نقرر "استهدافاً" أو "رقمنة" أو "رفع دعم"، بل أن نبني حوكمة وتعويضاً وتدرجاً وحق تظلّم؛ وإلا فإن أي إصلاح سيُقرأ كعقوبة جماعية

مرايا العالم: ماذا نتعلم؟

حين نبحث عن نموذجٍ معقول لسورية، لا نبحث عن نسخة جاهزة، بل عن "مبدأ تصميم". التجربة الألمانية بعد 1945 مفيدة لأنها تقدّم هذا المبدأ بوضوح: اقتصاد سوق اجتماعي تقوم فيه الدولة بدور قوي في التنظيم ومنع الاحتكار وحماية المنافسة، مع شبكة أمان اجتماعي كريمة، من دون أن تتحول إلى مُشغّل شامل لكل القطاعات. الدولة تُحدّد القواعد وتضبط السوق، بينما يظل الاقتصاد قادراً على خلق الثروة والوظائف (مؤسسة فريدريش ناومان، 2021؛ فِلد وكوهلر ونيِنتيدت، 2021).
هذه الفكرة مهمة لسورية، لأن مشكلتها لم تكن يوماً نقص الشعارات، بل ضعف القواعد وغياب الضبط وتحول الدولة إلى موزّع ريع.
ومن الشمال الأوروبي يأتي درسٌ أعمق: المساواة لا تُصنع فقط بتوزيع الأموال بعد حدوث الفجوة، بل بتضييق الفجوة عند المصدر عبر تنسيق سوق العمل والاستثمار الاجتماعي في التعليم والصحة ورعاية الطفولة. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن ضغط تفاوت الأجور عبر مؤسسات تفاوض قوية وسياسات اجتماعية استثمارية كان عاملاً محورياً في انخفاض اللامساواة هناك. والمعنى لسورية واضح: الرعاية لا تنجح إذا عاشت منفصلة عن المدرسة والعيادة وسوق العمل. وما لم تتحول الحماية إلى استثمار في الإنسان، ستبقى كلفة تتضخم بلا عائد.
أما أميركا اللاتينية فتعطي درساً عملياً في تصميم شبكة أمان ذكية: برنامج "بولسا فاميليا" ربط التحويلات النقدية بمؤشرات قابلة للقياس مثل المواظبة المدرسية والتطعيم، فساهم في خفض الفقر واللامساواة وتحسين مؤشرات التعليم، مع تنبيه صريح إلى أن نجاح الشروط يتطلّب أن تكون خدمات الصحة والتعليم متاحة أصلاً كي لا تتحول الشروط إلى عقاب.
وفي كولومبيا تظهر التقييمات الطويلة أن أثر التحويلات المشروطة قد يمتد إلى انخفاض الجريمة، وتقليل حمل المراهقات، وتحسين المسار التعليمي، أي أن حماية الدخل قد تتحوّل إلى حماية للمجتمع من دوائر المخاطر.
لكن المرايا القريبة تحذّر من "تفاصيل التنفيذ". الأردن مثال على التوسع الرقمي الكبير في التحويلات، مع أثر توزيعي واضح، لكنه واجه نقداً حقوقياً يتعلق بخطر الاستهداف الخوارزمي غير الشفاف وغياب قابلية التدقيق الكامل للمعايير وحق التظلّم الفعّال.
والعراق مثال على أن الدعم العيني الشامل قد يحمي الأمن الغذائي في لحظات صعبة، لكنه مكلف وغير كفؤ، وأن الإصلاح الفجائي يحتاج إلى تعويض مسبق جيد التصميم لتجنب صدمة رفاه واسعة، وإلا تحولت الإصلاحات إلى أزمة سياسية واجتماعية.
هذه المرايا تقول لسورية: ليس المهم أن نقرر "استهدافاً" أو "رقمنة" أو "رفع دعم"، بل أن نبني حوكمة وتعويضاً وتدرجاً وحق تظلّم؛ وإلا فإن أي إصلاح سيُقرأ كعقوبة جماعية.

الواضح أن النموذج الليبرالي الكلاسيكي المتطرف (الدولة الصغرى) يصطدم بواقعٍ سوري يتميز ببنية اجتماعية–اقتصادية مهشّمة بسبب الحرب

سؤال الهوية الاقتصادية سؤال عقد اجتماعي

في سورية بعد التحرير وإسقاط النظام البائد، لن يعود سؤال الهوية الاقتصادية قابلاً للإجابة بشعارٍ إنشائي أو بتسمية سياسية. سيكون سؤالاً عملياً: كيف تُبنى دولة قابلة للحياة لا ريعية؟ وكيف يُعاد توجيه القطاع العام من باب للنهب إلى جهاز خدمة وتنظيم؟ وكيف يُصاغ عقد اجتماعي لا يقوم على "الدعم مقابل الولاء" بل على "الحقوق مقابل المواطنة"؟
تقول التجربة السابقة إن النظام البائد لم يبنِ هوية اقتصادية مستقرة بقدر ما بنى دولة ريعية. صحيح أن أوائل السبعينيات شهدت توسعاً في البنية التحتية والتعليم وبعض التصنيع العام، لكن القطاع العام سرعان ما تحوّل، مع الزمن، إلى مسارٍ للفساد والنهب. ومع الانفتاح الانتقائي ظهرت شبكات امتياز واحتكارات تُعيد تعريف السوق على أساس الولاء.
هنا بالضبط تتقدم الأسئلة بوصفها مفاتيح تصميم لا أسئلة بلاغية: من أين يبدأ العمل؟ ومن يقوم به؟ وكيف؟ والبدء من الدولة وحدها قرار فوقي قد يُفشل الإصلاح اجتماعياً، والبدء من المجتمع وحده يترك فراغاً مؤسسياً لا يُحتمل. المعقول أن يبدأ العمل من نقطة تماس: استعادة الوظائف السيادية (أمن، عدالة، إنفاذ عقود، منافذ، جباية)، لأنها الشرط الأول لاقتصاد منتِج؛ بالتوازي مع إعادة تشغيل الخدمات الأساسية عبر معايير أداء قابلة للقياس بدل تشغيلٍ بيروقراطي عشوائي. ثم يأتي سؤال "كيف سيتلقى المجتمع التغيير؟".
لا تجوز مراجعة الدور الحمائي والرعائي من دون تقدير استجابة الناس؛ لأن تجاهل ردّة الفعل ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل مقامرة سياسية. وهذا يقتضي أن يكون أي تخفيفٍ للدعم أو تحويله من عيني إلى نقدي مسبوقاً بتعويض واضح، وبآليات تظلّم، وبشفافية معايير الاستهداف، وبقياس أثر مُعلن، لا سيما بعد تجارب المنطقة مع الاستهداف غير الشفاف. فالمعقولية هنا مزدوجة: معقولية الإصلاح المالي، ومعقولية رد فعل المجتمع. كلاهما "عقلاني" بطريقته، وكلاهما يجب أن يدخل في التصميم.
ويأتي سؤال "ماذا لو لم يتلقَّ المجتمع التغيير بشكل حسن؟" بوصفه اختباراً أخلاقياً قبل أن يكون إدارياً. فإذا فشل الاستقبال، فالمطلوب ليس تخوين الناس بل تعديل السياسة. لذلك يصبح التفكير في تغيير دور الدولة جزءاً من تفكيرٍ تنموي أولاً؛ فكل تقدّم تنموي حقيقي يخفف العبء الرعائي تلقائياً ويرفع العائد الاجتماعي والسياسي. أي إن الرعاية المستدامة ليست ما تدفعه الدولة دائماً، بل ما تخلقه من شروط تجعل الناس أقل اعتماداً على التحويلات وأكثر قدرة على العمل والإنتاج (موجستاد وآخرون، 2025؛ البنك الدولي، 2023).
أما سؤال "لماذا يُقدَّم التغيير كأنه تصحيح تاريخي؟" فهو سؤال لغة وخطاب قبل أن يكون سياسة. حين تقول الدولة للناس إنّ ما سيحدث "تصحيح"، قد يسمع الناس: "أنتم كنتم عبئاً، والآن سنخفف عن أنفسنا".
البديل هو لغة "إعادة التوازن العادل": من سيخسر؟ ومن سيكسب؟ وكيف نُعوّض؟ وما هو الجدول الزمني؟
هنا تصبح الهوية الاقتصادية الملائمة لسورية بعد التحرير هوية توليفية: ليست دولة صغرى تلقي العبء على الأفراد، وليست دولة رعاية شمولية تعد بما لا تملك، بل اقتصاد سوق اجتماعي تنموي: دولة قوية تنظيمياً، عادلة في الضرائب، شفافة في الإنفاق، تستثمر في رأس المال البشري، وتبني شبكة أمان ذكية تتقلص تلقائياً مع تحسن الدخل، مع مؤسسات ضبط تمنع ارتداد السوق إلى احتكارات جديدة أو ارتداد الدولة إلى ريع جديد (مؤسسة فريدريش ناومان، 2021؛ فِلد وكوهلر ونيِنتيدت، 2021؛ الإسكوا، 2025).
إن دمج الرؤى السابقة يضعنا أمام إطار تحليلي ثري لإعادة التفكير في الدولة السورية ما بعد الحرب. فمن جهة، تفرض التحولات الاجتماعية الهائلة والاحتياجات الملحّة إعادة نظر جوهرية في دور الدولة، لا كتدبير تقني بحت، بل كجزء من عملية إعادة تأسيس العقد الاجتماعي الممزق. لا يمكن فصل النقاش حول "الدولة الرعائية" عن الأسئلة الأعمق حول طبيعة الدولة السورية ذاتها، وهويتها، ومشروعيتها، ومصادر شرعيتها المتجددة.
ومن الواضح أن النموذج الليبرالي الكلاسيكي المتطرف (الدولة الصغرى) يصطدم بواقعٍ سوري يتميز ببنية اجتماعية–اقتصادية مهشّمة بسبب الحرب، وتراث طويل من المركزية الإدارية والاقتصادية، وتوقعات راسخة لدى شريحة واسعة من المواطنين تجاه الدولة كمقدم أساسي للخدمات والحماية. أي محاولة لـ"تصحيح" دور الدولة عبر تقليصه بشكل جذري ومفاجئ، بناءً على حجج نظرية مجردة، ستكون مشروعاً فاشلاً وخطيراً، وسيُفهم على أنه تخلٍّ عن المسؤولية وتحميل للمجتمع تكاليف إعادة الإعمار، ما قد يهدّد الاستقرار الهش.
وفي المقابل، فإن الإصرار على استمرار نموذج دولة الرفاه الشمولية التقليدية، في ظل اقتصاد منهار وموارد شحيحة وفساد مستشرٍ، هو استحالة عملية ووصفة لاستمرار التدهور؛ فالعبء الاقتصادي لدولة تقدّم كل شيء سيكون ساحقاً، وسيعيق قدرتها على القيام حتى بوظائفها الأساسية في الأمن والعدالة.
لذلك، يجب أن ينطلق التفكير من "معقولية" مضاعفة: معقولية الإصلاح الاقتصادي والمالي الذي يضمن استدامة الدولة، ومعقولية التوقعات المجتمعية وقدرة الناس على استيعاب التغيير. الحل لا يكمن في الاختيار بين "الدولة الرعائية" الكاملة و"الدولة الحارسة" الدنيا، بل في تصميم نموذج انتقالي ذكي يراعي السياق السوري الخاص.
وأخيراً، يبقى السؤال الزمني: قصير – متوسط – طويل. ليس كجدولٍ ميكانيكي، بل كـ إيقاع اجتماعي وسياسي يتجنب الصدمات.
• في المدى القريب: تُبنى الثقة عبر استعادة القانون، وتشغيل الخدمات الأساسية، والتحويلات الذكية المستهدفة بشفافية.
• في المدى المتوسّط: تُعاد هيكلة القطاع العام، وتُفتح القطاعات للمنافسة المراقَبة، ويُضبط الاحتكار، وتتحول الدعوم العينية تدريجياً إلى نقدية مرتبطة بالتعليم والصحة والعمل.
• في المدى البعيد: تُرسّخ قواعد سوق اجتماعي سوريّ الصنع. ليس مجرد تسمية، بل مؤسسات قادرة على التعلّم والتعديل والمساءلة.
بهذه المعقولية فقط، تُغلق صفحة الريع، لا لأننا نعلن ذلك، بل لأننا نبني نظاماً يجعل الريع مكلفاً وصعباً، ويجعل الإنتاج والشفافية أكثر جدوى.