دوران في حلقة مفزعة

07 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:36 (توقيت القدس)
(محمد المليحي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تفاقم الأزمات في سوريا: تعاني سوريا من تصاعد القتل والتهجير والخطف، خاصة خطف النساء، مع تضخم الجوع والخوف، مما يعكس واقعًا مليئًا بالأحقاد والانتقام والسلاح المنفلت.

- دور السلطة والجماهير: تستند السلطة إلى إيهام الجماهير، كما يوضح غوستاف لوبون في "سيكولوجية الجماهير"، حيث يتسم الجمهور بالاندفاع وسرعة الانفعال، ويميل إلى الأوهام بدلًا من الحقائق.

- تحديات المستقبل: مع غياب العدالة الانتقالية، يواجه الشعب السوري تحديات الفقر والجهل بمصير البلاد، مما يهدد باستمرار الدوران في حلقة مفرغة ومفزعة.

تترنّح سورية في القلق، تتكثّف الضبابيّة وانعدام الشفافيّة، يتكثّف القتل، التهجير، الخطف وبوجه خاصّ خطف نساء، ويتضخّم الجوع والخوف. كنّا صدّقنا أن انتهت مسارب الدماء والفقد، النزوح والتهجير، وخيّل لنا أنّنا استعدنا وطننا المتهالك الذبيح، كنّا على يقين بأنّنا نمتلك العلاج ومزيداً من صبرنا المديد. ولكن، سرعان ما نُكثَت العهود والوعود، وسُلخت البلاد عن جلدها المريض، وعن آمالنا بعلاجها وإيماننا بشفائها. بيد أنّها أضحت بلاد الأحقاد والانتقام المجحف، والسلاح المنفلت. تبعاً لما يجهر الواقع به. وهل ستسير العربة الموعودة والدروب حطام والساحات مدمّاة؟ بينما يتبجّح الواهمون بسلطة تتسيّدهم بالأوهام. فالسلطة، تبعاً لغوستاف لوبّون في كتابه "سيكولوجيّة الجماهير"، تتغذّى على إيهام جمهورها، وإلّا أصبحت ضحيّة له. ولا يزال عهد الساقط الهارب ماثلاً أمام الأعين. فقبل سنوات من سقوطه، فقدَ شرعيّته ومصداقيّته بشكل تام، خلا لدى الانتهازيّين والمستفيدين الفاسدين من جمهوره. نتذكّر تكذيبه لصرخات ضحاياه، وترديده المتغطرس: "اكذب، اكذب، كي تصدّق نفسك فيصدّقك الآخرون". وأخيراً، بقي الشعب وزال هو كزوال الوهم. كان جاهلاً بالمعنى الثقافيّ، فلم يقرأ المقولة الشهيرة لأبراهام لنكولن: "تستطيع أن تكذب على كلّ الناس بعض الوقت، وتستطيع أن تكذب على بعض الناس كلّ الوقت، لكنّك لا تستطيع أن تكذب على كلّ الناس كلّ الوقت". وإن سمع بها فلا شكّ أرعبته. فالحقائق لا تشغل الديكتاتور، لكنّها ترعب جمهوره عاشق الأوهام. والجمهور لا يعني الناس كلّهم أو الشعب بمجمله، بل هو، بحسب لوبّون، مجموعة من الأشخاص يجتمعون ويتّسمون بطباع وصفات نفسيّة مشتركة وعقل جمعيّ واحد. يجمعهم حدث محدّد، وتستحوذ عليهم عاطفة واحدة كالخوف أو الحبّ، الكراهية أو الغضب، وهذه العاطفة تدفعهم للتصرّف وكأنّهم شخص واحد منوّم مغناطيسيّاً." ويصف لوبّون الجمهور بالاندفاع وسرعة الانفعال وسهولة التغيّر، سريع التأثّر بآراء الآخرين، سريع العدوى والامتثال للجماعة، يحبّذ الأوهام عوض اهتمامه بالحقائق أو البحث عنها، مبالغ بعواطفه، متطرّف بأخلاقه ومواقفه فلا أنصاف حلول لديه، يتغذّى على الشعارات والخطابات الرنّانة. وفي الجمهور: "يتحرّر الأبله والجاهل والحسود من الإحساس بالدونيّة وعدم الكفاءة ومن العجز، ويصبحون مجيّشين بقوّة عنيفة وعابرة، إنّما هائلة". أتابع قراءة "سيكولوجيا الجماهير" وأتأمّل جمهور العهد الجديد وجمهور العهد البائد، وأقارن بينهما من حيث الكمّ والنوع، مع عدم إغفال أنّ كثيراً من أفراد الجمهور السابق انضمّوا إلى الجمهور الجديد، وكثيراً ما تستوقفني ردود الجمهور المؤيّد للعهد الجديد على المعارضين للسلطة وعلى منتقديها وكمّ الجهل الشنيع الذي تشي به، فلا ردود منطقيّة وواقعيّة، وهي خالية من أيّ محتوى معرفيّ أو ثقافيّ. كان ثمّة جمهوران، لكلّ منهما فريقه على ضفّتي نهر دماء الأخوة المتحاربين، وأشدّد على الأخوة حصراً، ويتبادلان التهم والتخوين. أمّا جمهور اليوم فقد أضحى متعدّداً يمتدّ على جغرافية البلاد المقسّمة والمدمّاة وما يزال يتصارع عبر وسائط الإعلام والتواصل الاجتماعيّ، ولم يعد يجمعه سوى أمور ثلاثة: اندثار مفردة الوطن مثلما تغيّبها السلطة وجمهورها، ودفعت مجازرها مناطق عديدة للكفر بالوطن، ثمّ الفقر، والجهل بمصير البلاد. ومع إمعان السلطة في عدم تحقيق العدالة الانتقاليّة بنزاهة، ستُهلك الجميعَ استمراريّة الدوران في الحلقة المفرغة والمفزعة.