حسيب كيالي... قصّاص اللعب مع اللغة

30 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 11:54 (توقيت القدس)
حسيب كيالي في بورتريه لـ أنس عوض (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- جرأة في النقد الأدبي: وُلد حسيب كيالي في إدلب عام 1921، وبرز كأديب جريء وناقد ساخر، حيث استخدم الكوميديا السوداء في قصصه ومسرحياته لانتقاد النظام السوري، محاولاً إيقاظ الوعي السوري تجاه الحرية والديمقراطية.

- اللغة كأداة للتعبير: تميز كيالي بقدرته على تطويع اللغة لتكون صوتاً لمعاناة الشعب السوري، محطماً التقاليد الأدبية الكلاسيكية، ليعبر عن تناقضات وصراعات المجتمع تحت حكم النظام القمعي.

- إرث أدبي متنوع: ترك كيالي إرثاً أدبياً غنياً يشمل تسع مجموعات قصصية وروايتين وعدداً من المسرحيات، حيث استخدم السخرية لانتقاد المسؤولين وكشف تفاهتهم، مما جعل القارئ يعيش حالة من التوتر والدهشة.

حسيب كيالي (1921- 1993) أَوْ حسيبْ ابن الشيخ زهدي، الذي وُلِدَ في بيت أوَّلِ مُفتٍ لمدينة إدلب، وتَلقَّى تعليمَه الابتدائي فيها، والثانوي في مدينة حلب، ثمَّ تَخرَّج في جامعة دمشق بإجازة في الحقوق.

في قِصصه والتي ابتدأها بقصة "بماذا فَكرت نظيرة؟" عام 1944؛ كما في رواياته ومسرحياته وأشعاره؛ هو من أكثر الأدباء السوريين الذين سَخِروا من نظام الأسد وكوابيسه المُرعبة وبالنقد الحاد. فتراه كاتباً جريئاً، كاتباً جاداً وهازلاً، تراه صادقاً. فهو يتهكمُ من اللص والبخيل والخائن والأحمق والوضيع والمُتعالي والمتبجح والمتطاول ومُدعي العلم والمعرفة. هو في (الكوميديا) التي يبثها في نصوصه يُذكرنا بأن ما نضحَكُ علَيه وَمنه إنَّما هو قبح وقباحة وغباءُ شخصياته التي مات (البطلُ) في أعماقها واستغباؤها؛ شخصياتٌ تريد اكتساب العلم والمعرفة، لتعيش إنسانيتها، تعيش سوريتها؛ تعيش المواطنَ والسياسي، الشُّجاع والجريء، الفارس والنبيل- وهذه قِيم تَم تجفيفها؛ بل اجتثاثُها من ضمائر السوريين، فهُم لا يُفكرون في الحرية والديمقراطية، وهُم بين أنياب الضِّباع الأمنية التي سيطرت وهيمنَت وفتكت بحياة السوريين؛ إِنْ في زمن الوحدة السورية المصرية 1958-1961، أو في زمن البعث والبعث الأسدي 1963- 2024. وهذا ما فتَّق جِراحَ روح حسيب ابن الشيخ زهدي، فكانت (التراجيديا) هي أُسُّ الكوميديا في قصصه ومقالاته وأشعاره ومسرحياته، فيَنتزِع من صدورِنا تلكَ الضحكات السوداء، ليس كفشَّة خلق، ولكن لنفكر في "الانحطاط" الذي نعيشه مع هذه الضِّباع، فندخل في غيبوبة واغترابٍ تاريخي.

استفرد حسيب كيالي باللغة وانتزعَ منها جمودها وأشعل فيها النار، لقد أنزلها من جنَّة الأرستقراطية إلى جحيم الناس لتحكي عن معاناتهم من الظلم والجوع والفقر، وسكاكين وخناجر المُستبدين التي يغرزونها في أعناقهم

فسورية عند حسيب كما عندنا؛ ما عَادت (وطناً)، فَمساكنُها وقصورها وشوارعها وحدائقها ومَحطَّات سفرياتها وحاناتها ومدارسها ومعابدها ومشافيها صارت عسيرة الهضم. وهذا ما دفع حسيب كيالي إلى مغادرتها عام 1981 إلى دولة الإمارات ما دام حافظ الأسد يحكمها، وما دام حافظ يُحول الهزيمة إلى نصر، فَتُهزم الروحُ السورية أمام ضِباعه في قلاعه الأمنية التي صار عددُها يفوقُ عدد المدارس والجامعات.
 الروائي حسيب كيالي الذي وَرَّثنا تسعَ مجموعات قصصية، منها: مع الناس 1952، أخبار من البلد 1954، رحلة جدارية 1971، تلك الأيام 1978، نعيمة زعفران 1993. وروايتين: مكاتيب الغرام 1958، أجراس البنفسج الصغيرة 1970، وعدداً من المسرحيات: الناسك والحصاد (مسرحية شعرية غنائية) 1969، المهر الزاهد 1973، في خدمة الشعب 1978، ماذا يقول الماء 1986. لا يملك إلا قَلَمه، فيلعبُ به ذاك اللعب كصائدٍ للخوارق، حتى إن الشر في قصصِه ليرتجفُ منه، وهو يسخر منه سخرية عنيفة، وبأسلوب ساحر مدهش، فينتقلُ بسلاسة من الرمزية إلى السوريالية ثمَّ إلى الواقعية. وهو بذلك لا يخترع الضحكة وهو يسخر أو يتهكَّم. فشخصياته تقرع ناقوس التاريخ السوري: ماذا جرى؟ مَن باعَنا؟ وإلى مَن تم تسليمُنا؟. فهو وَإن أخذنا بـ (اللغة) عنده، والتي تَسكنُ فيها سُورِيته في أوجاعها وآلامها وهزئِها مِن حُكامِها، لا يكُف عن الَّلعب بها- الّلعب باللغة، فيسكنُها وهو يسخر من تناقضات وصراعات ما كانت لتكونَ لولا هؤلاء الضِّباع الذين سَمَّموا الحياة اليومية، فلا مُمارسة ولا معرفة، فتجيء اللغة عنده خارج الإشارات والرموز صارخة صاعقة: ماذا يفعلُ المندوبُ السامي وَجِراؤهُ في سورية؟
استفرد حسيب كيالي باللغة وانتزعَ منها جمودها وأشعل فيها النار، لقد أنزلها من جنَّة الارستقراطية إلى جحيم الناس لتحكي عن معاناتهم من الظلم والجوع والفقر، وسكاكين وخناجر المُستبدين التي يغرزونها في أعناقهم.

حسيب كيالي يُخيل وهو يكتب؛ يُخيل واللغة مطواعة بين يديه كَونها مَركباً مجازياً، ذا أجنحة ذهبية ليُحلِّق في عالَم المحسوسات والمُجردات

لقد دفعَ اللغَة لِتنزِلَ من عليائها؛ من القصور إلى الشوارع ولتلعبَ دورها التاريخي، وهو وإن عَبث بالقيم الجديَّة، فليس ليسخرَ أو يتهكمَ منها، بل لنستيقظَ، وأن حكاياته تَستند أحداثها إلى مرجعيات المكان- الزمان السوري، وفي بيئته الحاضنة لطفولته وصباه (إدلب)، وبما تلم به من صراعات، فيُحطم في سرده القصصي اللامنطقيَّ واللاعقلاني واللافلسفوي، وهو ينتقد ظواهر وعادات وتقاليدَ، ذلك بنقضها وتفكيكها، فيُفرجينا تفاهة المسؤولين بوصفهم شخصيات وَقحة وهي تغتصب الحياة بكثير من الوقار المصطنع، والتي تحاول أن تخفي ورَاءَهُ ابتذالها وتساخفها وسوقيتها. حسيب وإن كان قاسياً في سخريته من مظاهر الحماقة البشرية، فإنَّه ليقوم باستثارتنا عاطفياً، فنعيشُ حالة توتُّر خيالي من تنافرٍ واختلاف وتناقض، ومن ثمّ وحدَة. فينقلك من موسيقا الإيقاع اللغوي- اللغة العامية الشعبية التي يكتبُ بها نصوصه؛ إلى الإيقاع البلاغي الخاص بتقاليد الناس؛ إِنْ في إدلب حيث ولادته ونشأته والتي لم تفارقه عاداتها، بل أسَّس عليها حكاياته، إلى حلب ودمشق وفرنسا وغيرها، فنراه في كل ما يكتب يلجأ إلى التذكُر- تَذكر أحداث ووقائع من الماضي البعيد فإلى القريب، مصحوبة بشحنات وجدانية ساخرة، وكأنه يعيش حلماً سرعان ما يفيقُ منه، لننتقل إلى اليقظة مدهوشين ممَّا رأى- رأى العجز الإنساني في معرفة الحقيقة، فنتألم، ومن ثمَّ نضحك. جِدٌّ صارَ هَزلاً، وهزلٌ صار جِداً.

حسيب كيالي يُخيل وهو يكتب؛ يُخيل واللغة مطواعة بين يديه كَونها مَركباً مجازياً، ذا أجنحة ذهبية ليُحلِّق في عالَم المحسوسات والمُجردات، وَليفكر – فاللغة إنما لِنُفَكر بها. وهذا ما دفعه إلى أن يتحَرر وهو يشيدُ عمارته القصصية، لأن يكسر جدران المدرسة الكلاسيكية الرومانسية في القص ذات الحساسية الفنية المُرهفة والمُغرِقة في ذاتويتها/ أنانيتها، إلى الشوارع حيث غضب الناس من جور الحاكم وهم يكتمونَه في صدورِهِم ليُفجرَه، ولكن بالسخرية من المسؤول في أدنى مراتبه إلى أعلاها، فنَضحَك، وأنَّ الضحكَ هو عنصر تغريبي إِنْ في الفنون أو الآداب، ونضحكُ لا لِنتسّلى، كتلك التسلية التي في حلباتِ المُصارَعة الدموية بين سُجناءَ أو عبيد؛ وبين حيواناتٍ ضاريةٍ جائِعة، فيما المَلِكُ الطاغيةُ يتفرجُ فيَضحك، ويَضْحَكُ معه الجُمهور، يضحكُ بالعدوى خوفاً من المَلك، وأن الضحكَ فعلٌ اجتماعي تفاعلي لنتغلَّبَ على المَللِ والسَأمِ والضجَر.