"ثعلب" السياسة السورية الجديد

03 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 08:06 (توقيت القدس)
بوتين بستقبل الشرع في الكرملين (28/1/2026 فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر تعكس أهمية روسيا لسوريا وتبرز براغماتية الشرع في استثمار التحالفات لتحقيق أهداف محلية.
- الزيارة ركزت على الجوانب الأمنية والعسكرية، حيث تسعى دمشق لمنع نشوء قوة مسلحة في الساحل السوري وتعزيز التعاون الروسي في الجنوب عبر التفاهم مع إسرائيل ونشر قوات روسية.
- أثبت الشرع مهارته في السياسة الخارجية بفهم التناقضات الإقليمية والدولية، لكن تبقى إسرائيل تحديًا كبيرًا في ظل عدم استقرار الوضع الداخلي السوري.

أن يذهب الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو مرة ثانية في أقل من ثلاثة أشهر، فهذا لا يشير إلى أهمية روسيا على المستويين السوريين، المحلي والإقليمي، فحسب، بل يشير أيضاً إلى براغماتيّة الشرع السياسية التي تعمل على استثمار كل ما يمكن استثماره على الصعيدين الإقليمي والدولي، مستفيداً من موقع سورية الجيوسياسي ومن تحالفات جديدة وأخرى يُعاد بناؤها، بما يحقق أهدافه المحلية في سورية.
لم تكن زيارة الشرع موسكو أخيراً مُدرجة من قبل، بل جاءت مفاجئة، إذ جرى الإعلان عنها قبل أيام قليلة، ما يعني أن ثمة تطورات هامة حدثت وأخرى تنتظر ما ستسفر عنه الزيارة. ... وإذا كان معلوماً ما حدث (انحسار الجغرافيا العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية)، وما نتج عنه من تغير مهم في موازين القوى العسكرية الداخلية، ومنح الشرع قوة محلية إضافية، فإن مرحلة ما بعد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ربما تكون الأصعب والأخطر على مستويين: الأول، ما يتعلق بالساحل السوري، وما يجري الحديث عنه من تحضيرات تقوم بها شخصيات عسكرية وأمنية من فلول نظام الأسد، من أجل إحداث قوة عسكرية من لون طائفي واحد، مهمتها تحويل الساحل إلى منطقة شبه مستقلة هدفاً أدنى، والعمل على تقويض سلطة الحكم الجديد، على أمل إسقاطه كهدف أعلى. الثاني، الحالة الهجرية، نسبة إلى شيخ عقل الدروز حكمت الهجري الذي ما يزال يرفع صوته عالياً بالمطالبة في استقلال السويداء ضمن صيغة حكم ذاتي، مدعوماً من إسرائيل المستمرّة في تقديم الدعم اللوجستي لمليشيا "الحرس الوطني" باعتباره جناحاً عسكرياً يتبع مباشرة للهجري، والمستمرّة في إعلان حمايتها الدروز.
ضمن هذين الاعتبارين، تأتي زيارة الشرع الثانية موسكو في المقام الأول، فعلى الرغم من أهمية الجوانب الأخرى المتمثلة بالتبادل التجاري والاقتصادي وإعادة الإعمار، وفقاً لما تحدث به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولين روس، إلا أن مثل هذه القضايا لا تستلزم زيارة سريعة ومفاجئة، فما هو ملحٌّ لسورية روسياً الجانب الأمني ـ العسكري.
كانت زيارة الوفد السوري برئاسة الشرع روسيا منتصف أكتوبر / تشرين الأول الماضي ضمن آليات العمل السياسي التي تقوم على الاستثمارين، الإقليمي والدولي، وعلى إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وموسكو في مرحلة جديدة كلياً، قطعت تماماً مع المراحل السابقة التقليدية التي حكمت العلاقة بين العاصمتين. أما الزيارة في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، فجاءت ضمن ما يُمكن تسميته نقل هذه العلاقة من القوة إلى الفعل، أي نقلها إلى المستوى العملي على الأرض.
لا يتعلق الأمر فقط بإعادة بناء البنية العسكرية السورية المدمّرة، بل الأهم في هذه المرحلة الحضوران، العسكري والأمني، الروسيان، أولا لمنع نشوء قوة عسكرية أو أمنية مسلحة في الساحل السوري، نظراً إلى قدرة روسيا على فرض الامتثال العسكري والأمني لفلول النظام السابق، سواء في الداخل السوري، أو الموجودين على أرضها.
تريد دمشق أيضاً دخول روسيا إلى ملعب الجنوب السوري عبر مسارين متكاملين: الأول سياسي متعلق بالدور الروسي في التوصل إلى تفاهم مع إسرائيل، نظراً إلى العلاقة التي تجمع بوتين بنتنياهو، والثاني عسكري ـ أمني عبر نشر روسيا قوات في الجنوب السوري وسطاء يشرفون على الوضع الأمني، وهو المطلب الذي كان حاضراً في اللقاء الأول الذي جمع الشرع مع بوتين. على أن أهم المطالب السورية التي أكد عليها الشرع في الزيارة الأولى، وما يزال، هي، حسب وسائل إعلام روسية، نشر منظومات صواريخ "إس 330" و "إس 400" في الجنوب السوري وفي المنطقة الوسطى، أي في مناطق حمص وحماة، وهي منظومة الصواريخ التي جرى تفكيكها في سورية بعيد سقوط نظام الأسد مباشرة.
من المُبكر معرفة نتائج زيارة الشرع إلى موسكو، فمسألة الجنوب معقدة جداً في ظل الاستشراس الإسرائيلي حيال حكام سورية الجدد، ولا يبدو أن روسيا بصدد الدخول في مواجهة مع إسرائيل، ما دام مصير الدولة السورية الحالية ما يزال غير مستقر، وما تزال البيئة الداخلية مضطربة أمنياً. ومع ذلك، أثبت الشرع، على مستوى السياسة الخارجية، أنه ماهر جداً، وقادر على فهم التناقضات الإقليمية والدولية، واللعب عليها بما يُرضي الطرفين الرئيسيين: الولايات المتحدة وروسيا على المستوى الدولي، وتركيا والسعودية على مستوى الإقليم، في حين تبقى إسرائيل معضلة لا يُعرف بعد كيف يمكن أن يتجاوزها الشرع.

المساهمون