الأدب باباً للبوح... كاتبات يحاورن المرض والموت والحب
- توثق سوسن جميل حسن في "المساكنة الملعونة... يوميات الشوق إلى الحياة" واقع المجتمع السوري المتأزم، مسلطة الضوء على تأثير الأحداث السياسية والاجتماعية على الأفراد، ومبرزة مشاعر الخوف والهشاشة والأمل في التعافي الشخصي والمجتمعي.
- الحب في أدب السيرة الذاتية يُعتبر قيمة شعورية وأخلاقية تتجاوز الحدود الشخصية، حيث تعبر سوسن جميل حسن عن حبها لسوريا، بينما تستعرض نهلة كامل تأثير الحب على تجربتها الشخصية، مستلهمة من أعمال أنسي الحاج وسعد الله ونوس.
أدب السيرة الذاتية فن مرجعي وتخييلي في الوقت نفسه، ومع سقوط الحواجز بين الأجناس الأدبية والمغامرة بالعبور فيما بينها نلاحظ أن الكتابة السيرية نقطة انطلاق، لكنها تتشعّب لتغزو وتنسال لتستبطن أجناساً أدبية أخرى وتتوسّع في أطرها ومعانيها، وهذا ما كان من شأن نهلة كامل في كتابها "أحببت أنسي الحاج" (دار التكوين، دمشق، 2026)، أو يعمد بعضهم إلى اقتطاع فترة من الحياة الشخصية في أسئلة الحياة والموت في عراكها مع الحياة وصراعها مع المرض، محاكاة لسرطان الديكتاتورية والقمع الذي استحكم بالبلاد كما رأينا في نص سوسن جميل حسن في كتابها "المساكنة الملعونة... يوميات الشوق إلى الحياة" (الدار المصرية اللبنانية، بيروت، 2026).
عرف أدب السيرة بأنه يطرق باب الاعتراف ويكشف عن حيثيات حياته، وخاصة التي يخجل أو يخاف منها، يمارس فيها حكماً على نفسه أو على الآخرين من خلال البوح والمكاشفة، فعلى سرير المرض ترنو صاحبة "وارثة المفاتيح" إلى البلد وكأن أصابها ما أصابه، إذ يوجعها ما آلت إليه الأمور وشعور الخيبة بعد الأمل، وتستعرض أحاسيسها، وهي تقارع المرض والخطر، معبّرة بصدق بالغ عن الخوف والهشاشة اللذين يعتوران المرء، وهو على ضفاف الخطر والفناء، ومعايشتها ذاك الورم الملعون الذي سكن جسدها تسير به على حبل مشدود بين الوجود والعدم، وإن كان الموت مآل كل إنسان. ولكن ما زال في داخلها كثير من مطامر اللؤلؤ تحتاج إلى الوقت لإخراجها إلى الضوء، وتأمل بتعافيها منه أن تتعافى البلد مما يعصف بها من ألوان الكراهية والطائفية والقسوة التي يعيشها السوريون تجاه بعضهم، وهم يتقلبون من جحيم إلى جحيم، وتشابه بين انتظارها للحلم وما انتظره السوريون جميعاً من مستقبل للحرية والكرامة وزوال الاستبداد، وانكسارها وانكسارهم أمام اجتياح الطائفية والتكفير والتعدّي على الحريات الفردية وسيادة اللون الواحد وتغول آلة الموت من جديد، كما تشير للفوارق الطبقية حتى في المرض بإشارتها إلى خطاب البعض "تبهدل مرض السرطان بعد أن أصبح الفقراء الفولغير يمرضون به".
لا تغيب حال البلد عن وجدان سوسن جميل حسن، وهي التي استغرقتها متابعتها للأحداث المتفجرة في بلادها حتى استفحل الداء في بدنها
أما السورية نهلة كامل فقد أعلنت انتصارها على المرض العضال، وإنْ وثقت سيرتها الشخصية بمواكبة من قامتين، أنسي الحاج الذي عنونت نصها به وسعد الله ونوس الذي توارى تحت اسم "نبيل"، وكلاهما صرعه السرطان بعد جولات وجولات من العراك والصدام، ونتاج لا يستهان به من أدب وشعر ونصوص. تقرأ القديم من أوراقها التي صنّفتها باسم اللامنشور تبوح بأسرارها لقارئ اعتبرته شريكها في بثها تاريخها وذكرياتها والأفكار والرؤى الفكرية التي مرّت بها متنقلة بين الماضي والحاضر.
تتواشج سيرتها مع سيرة ثنائي في الشعر والمسرح، مقتفيةً آثار أعمالهما من جهة وحياتهم الشخصية من جهة أخرى، مشكلة ثلاثيّاً اجتمع فيه وقوعهم جميعاً في براثن المرض الخبيث، ولم ينج منه إلاها، وقد حاولت في تتبّعها المزج بين مفاهيم أجناسية متعدّدة دارت بين السيرة الذاتية وأدب اليوميات، رغم تسميتها "رواية"، كنصّ يسيل بين الأجناس كاشتغال معرفي أكثر منها ذكريات أثرت في تكوينها ووعيها، واستفادت منها صاحبة "الشرق الغارق المتوسط" لتوشيح منجزها الذي وصفته باللامنشور، كونها لم تفرج عنه إلا مؤخراً وكأنها كانت تكتبه لنفسها، إذ لوّنته بالكثير من أشعارها وأشعار الحاج، كما مرت على أعمال سعد الله ونوس وربطتها بمناسبات خاصة بها وبه.
السيرة بين المرجعية والتوثيق
لا تغيب حال البلد عن وجدان سوسن جميل حسن، وهي التي استغرقتها متابعتها للأحداث المتفجرة في بلادها حتى استفحل الداء في بدنها، ورغم الألم الذي يعتصرها لم يغب عن ذاكرتها توثيق ما جرى أو ما زال يجري في سورية، وهي التي منعها الرقيب والغول الأمني من العودة إلى البلد سبع سنوات. تستعيد ذاكرتها كيف كانت الرسائل البريدية تودع عند سمان الحي أو يوصلها البوسطجي كوسيلة للتواصل بين الأحبة والأصدقاء وكيف باتت اليوم بكبسة زر تتواصل بالصوت والصورة مع من هم في أقاصي الأرض.
أما عند نهلة كامل فقد كان كذلك في جانب منها توثيق لأحداث سياسية وحوادث مرّت على البلد وانعكست على مثقفي المرحلة من خلال تقنيتي الاستباق والاسترجاع، إذ تعود بها الذاكرة إلى الثمانينيات، حيث تلحظ تداعي الطبقة الوسطى في سورية وانحدارها باتجاه القاع، كما تشير إلى كيف صار الشأن العام شأناً فردياً يسعى إلى الخلاص الذاتي، بعد قانون الطوارئ الذي حكم البلاد من أقصاها إلى أقصاها، ولا تنسى أن تعرّج على الوضع الحالي، حيث خمس دول عظمى تتناهب البلاد وتمزق أشلاءها، والناس في فقر وبرد وجوع، وقد حاولت أن توثق مواقف وأفكار شخصيات سياسية وثقافية مرت بجوارها، لذا تحضر أسماء عديدين من مثقفي سورية وكتابها كإطار مجتمعي كانت تتحرّك من خلاله وتتأثر به، فالتغيير الذي أصاب نبيل (سعد الله ونوس) في آخر أيامه حوّل آراءه عن أولوية التغيير الأيديولوجي، إذ بات مهتماً بخلاص الذات الفردية وكثافة حضورها، بغض النظر عن تمثيلها شريحة أو رمزاً ما.
نتيجة توغلها في الصحافة السياسية، كان منشورها تعبيراً عن ذاتها الداخلية الحرة، رغم الاتكاء والاستناد إلى مجموعة من المفكرين والكتاب والشعراء بآرائهم وأقوالهم، ما أفقد تجربتها بعض الخصوصية، وقد بدا هذا الاتكاء سياحة ثقافية احتشدت بذاكرة وشخصيات عدة ونتاجاتهم وحياتهم ومخيالهم، وبين الفن والفكر تهادت ذاكرة نابضة بالعشق والحياة.
من الوصف إلى الرسائل؛ والاعترافات؛ والمونولوج والحوار؛ ونفهم من علاقتها بأنسي الحاج وهي تتنسم أشعاره ونتاجاته كعلاقة تأثر كبير بشعره صاغت إدراكها بالشعر وهي الشاعرة
الحب قيمة شعورية وأخلاقية
يعرّف فيليب لوجون السيرة الذاتية بأنها "حكي استعادي نثري يقوم به شخص حقيقي عن وجوده الخاص، عندما يركز أساساً على حياته الفردية، ولا سيما على تاريخ شخصيته". وهذا ما كان من أمر سوسن جميل حسن التي أرّقها حبُّ عضال للبلد؛ لسورية؛ فالجماعة الاجتماعية ليست جوهراً ثابتاً، إذ جعل العنف الدائر الناس يلوذون بالجماعة، في مشهدية وسعت مساحات الحب لديها، فلم تغلق الدائرة على دائرتها الضيقة، وإنما ترامت لتشمل كل الناس وحتى من يختلفون معها، رغم افتقادها الحب الشخصي، الحب الذي لن يكتمل إلا بردم الشرخ ورأب الصدع في المجتمع السوري، كما تخصص حيزاً من عاطفتها لنساء البلاد اللواتي تحمّلن العبء أضعافاً مضاعفة، وما يقع حالياً كظاهرة اختطاف النساء.
أما صاحبة "ممدوح عدوان، الفارس الخاسر"، فهي تتأرجح بين عشقين كل منهما طود ثقافي ومعلم فكري بارز، كفتاة تتمثل ثقافة زمنها، والثلاثة أصيبوا بالسرطان من دون مهرب من الموت إلاها، فهي تطير بجناحي الحب بين أنسي وونوس وبينهما تمر بتجارب عدة لم تكبر وتكتمل ولا تخلو من النرجسية ،إذ نراها في جوانب عدة تؤكد كيف عشقها الآخرون، مستخدمة أغلب أساليب السرد، من الوصف إلى الرسائل؛ والاعترافات؛ والمونولوج والحوار؛ ونفهم من علاقتها بأنسي الحاج وهي تتنسم أشعاره ونتاجاته كعلاقة تأثر كبير بشعره صاغت إدراكها بالشعر وهي الشاعرة، لتكون قصائده حاضنة لوعيها المتدرج منذ يفاعتها، فتعيش أحاسيسها شعراً مرة من نتاجها وتارة مما تأثرت به من شعر الحاج، مستحضرة مقاطع من أعماله مثل "أوراق الخريف" و"خواتم" و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" و"الوليمة"، وتعبيرها عنه بأنه يكتب عن نقاء لا عن كمال، فهو لم ير (أنسي الحاج) أصدق من يلغي الجمهور، وهو يكتب ويسكب نتاجه في سفر الأبدية، وهو يؤمن بأن له في شجرة ما قريناً، وربما هي مرثية متأخرة لأنسي الحاج الذي توفي عام 2014، وهذا الحب الذي استطاع أن يجمع غريمين وصديقين، أنسي ونبيل، والأخير الذي ربطتها به علاقة ملتبسة بين الحب والصداقة ليس خافياً أن من تقصده هو المسرحي الكبير سعد الله ونوس، وإن لم تذكره بشكل مباشر.
آراء متنوعة جمعتها معه حول مركزية الحب وفوضى العواطف والحب الحرّ، إذ الحب في الممارسة الاجتماعية التقليدية ليس سوى الجنس والزواج والامتلاك، وتبقى حسرة الحب المشتهى راحلة مع أعطاب الزمن. تقول سوسن جميل حسن، وقد احتشدت فيها أسئلة الحياة مع ضيق الزمن المتوقع، "الحياة ملك من نحب" ولا نملك رفاهية الانتحار والتخلص من آلامنا بإيلام الآخرين عندما يساكننا المرض العضال ونحن نتوق إلى سكنى الحب وطمأنينة السكينة، هل نجدها يا ترى أم نركض خلفها.