- مفهوم "اقتصاد الانتباه" يوضح أن وفرة المعلومات تؤدي إلى ندرة في الانتباه البشري، حيث أصبحت قيمة المحتوى مرتبطة بقدرته على جذب الانتباه، مما يجعل المحتويات المثيرة أكثر قدرة على المنافسة.
- الخوارزميات الرقمية تدفع المؤسسات الإعلامية لإنتاج محتوى مثير للجدل لتحقيق تفاعل أعلى، مع ضرورة التوازن بين التفاعل واحترام المعايير المهنية في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات.
منذ إسقاط النظام البائد وهروب رموزه، شهدت الساحة السورية انخراط وسائل إعلام عربية في نمط من التغطية يراهن على المحتوى الأعلى قدرة على إثارة الجدل والاستقطاب، بغرض جذب الانتباه وتعظيم التفاعل. وضمن هذا التوجه، جرت إعادة تدوير شخصيات ارتبطت بالدفاع عن رواية الجلّاد أو تبريرها.
جاء التبرير في وقت كانت فيه قضايا الضحايا والعدالة والمحاسبة أكثر استحقاقاً للتداول بين السوريين. ويمكن ردّ هذه الممارسات إلى سببين: من جهة تعكس قصوراً في الالتزام بمعايير التغطية المهنية في بيئات ما بعد النزاع، ومن جهة أخرى ترتبط بتحولات بنيوية أعمق أصابت المجال الإعلامي في عصر المنصّات الرقمية، حيث غدت القدرة على اجتذاب الانتباه والاحتفاظ به عاملاً حاسماً في تحديد أولويات التغطية.
ولفهم هذه الظاهرة، تنطلق هذه المقاربة من ركيزتين أساسيتين: أولاهما تفسير هذا السلوك الإعلامي ضمن بُنية ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، الذي يُعيد تشكيل أولويات التغطية الإعلامية انطلاقاً من مردودها المادي لا المعرفي. وثانيتهما التأكيد، استناداً إلى أطر ومعايير مهنية دولية، على أن هذا الانخراط في صناعة التفاعل لا يعفي المنصات من التزاماتها الأخلاقية تجاه معايير الامتثال، التي تحكم التغطية في البيئات مفرطة الحساسية.
لا تعود قيمة المحتوى مرتبطة بمدى عمقه أو سطحيته أو شدّة استفزازه، وإنما بقدرته على استخراج الانتباه من الجمهور و"تعدينه" وتحويله إلى ثروة
المثيرات المتنافسة
يرى الفيلسوف وعالم النفس الأميركي وليم جيمس أن الانتباه عملية استحواذ العقل على فكرة أو موضوع معيّن، من بين مثيرات كثيرة متنافسة في اللحظة نفسها. ولا يتحقق هذا التركيز إلا عبر التخلي المؤقت عن عناصر أخرى وإبعادها عن دائرة الوعي، بحيث لا يُعد الانتباه مجرّد فعل إدراك، إنما عملية اختيار واستبعاد في آن واحد، وهي الفكرة التي ستشكّل لاحقاً أساساً لفهم اقتصاد الانتباه في العصر الرقمي.
وانطلاقاً من ضبط المفهوم، يمكن الانتقال إلى إطار نظري أكثر تعقيداً؛ يُقدّمه الباحث الأميركي هربرت سايمون، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، الذي أفاد مبكّراً بأن وفرة المعلومات لا تقود بالضرورة إلى وفرة في المعرفة، بل إلى نتيجة معاكسة تتمثل في ندرة متزايدة في الانتباه البشري. ومن هذا المنظور، تصبح مقولته "وما تستهلكه المعلومات واضح تماماً: إنها تستهلك انتباه متلقّيها. ومن ثمّ، فإن وفرة المعلومات تخلق فقراً في الانتباه"، مدخلاً لا غنى عنه لفهم كيف أُعيد تشكيل المجال الإعلامي المعاصر.
ينطلق سايمون من فكرة شديدة البساطة والعمق معاً: كل معلومة جديدة تستهلك جزءاً من انتباه متلقيها. ولذلك لم يعد التحدّي الرئيس في العصر الرقمي يتمثل في إنتاج المعلومات (حيث تتضاعف البيانات الرقمية كل عامين تقريباً) إنما في القدرة على انتزاع (وليس جذب) انتباه الجمهور من وسط فائض هائل من "المثيرات المنافسة" مثل الرسائل والصور والمقاطع المتدفقة بلا توقف. ومن هنا يوضح سايمون أن كلفة المعلومات لا تقتصر على إنتاجها ونقلها، إنما تشمل أيضاً كلفة تلقّيها ومعالجتها؛ إذ "لا يكفي أن نعرف كلفة إنتاج المعلومات ونقلها، إنما يجب أن نعرف أيضاً كلفة تلقّيها، من حيث الانتباه النادر". فكل معلومة جديدة تستهلك جزءاً من هذا المورد المحدود، ما يجعل المنافسة الحقيقية ليس إنتاج مزيد من المعلومات فحسب، إنما حول استقطاب أكبر قدر من ذلك المورد/ المنجم والاحتفاظ به أيضاً.
وهنا، لا تعود قيمة المحتوى مرتبطة بمدى عمقه أو سطحيته أو شدّة استفزازه، وإنما بقدرته على استخراج الانتباه من الجمهور و"تعدينه" وتحويله إلى ثروة. ولهذا السبب تحديداً، تبدو المواد الأكثر إثارة للغضب أو الصدمة أو الاستفزاز أكثر قدرة على المنافسة داخل بيئة المنصّات الرقمية؛ إذ تُحقق معدلات أعلى في المشاهدة والتفاعل والمشاركة، حتى لو تحقق هذا عبر إيلام الناس والاستثمار في أوجاعهم. وعند هذا المستوى، يحفر سايمون طبقة فهم أعمق للقضية: ما هو الثمن الذي يدفعه الناس عندما يُوجَّه انتباههم إلى شيء ما؟ فكل انتباه يُمنح لموضوع ما هو انتباه يُسحب من موضوع آخر. هناك ممارسة: "حجب المعلومات عن الانتباه".
البشر "أجهزة تسلسلية"
وتفضي هذه الفكرة إلى نتيجة بالغة الأهمية؛ فكل انتباه تنجح مؤسّسة إعلامية في توجيهه نحو قضية أو شخصية أو جدل معين، يقابله بالضرورة حجب لانتباه الجمهور عن قضايا وموضوعات أخرى. ويشير سايمون إلى هذه المسألة عند حديثه عن أهمية "حجب المعلومات عن الانتباه" داخل أنظمة معالجة المعلومات، فالمشكلة لا تكمن فقط في وفرة المعلومات، إنما في استحالة استهلاكها جميعاً في الوقت نفسه. فالبشر، كما يوضح، "مثل أجهزة الكمبيوتر المعاصرة، هم في الأساس أجهزة تسلسلية. لا يمكنهم التركيز إلا على شيء واحد في كل مرة". ومن ثم، كل قرار تحريري يمنح مساحة أكبر لمحتوى معين، يُحدّد ما "سيشاهده" الجمهور، وما سيناقشه أيضاً؛ لأنه يُعيّن أيضاً ما الذي سيتراجع إلى الهامش، أو يُستبعد من دائرة الاهتمام العام.
وفي الحالة السورية، يتجاوز أثر هذه الصناعة رفع معدلات التفاعل، ليمتد أثره إلى تحديد "الأجندة" وموضوعات النقاش العام، بينما تتراجع موضوعات أخرى إلى الظل، وهو ما تكشفه بوضوح الدراسات اللاحقة المتعلقة بتوجيه الانتباه وصناعة الأجندة الإعلامية. فكل ساعة تُخصّص لإعادة تدوير شخصياتٍ وقفت مع القاتل الهارب، أو بثّ مقابلات تُثير سجالات تستهدف إثارة الغضب، هي ساعة تُحجب فيها قصص أخرى عن انتباه الجمهور؛ من شهادات الضحايا، إلى آليات عمل مؤسّسات القمع، إلى مسارات العدالة الانتقالية، وإلى الأسئلة الاجتماعية والنفسية والسياسية التي لا تقل أهمية لفهم إرث العنف السوري الممتد نصف قرن. الانتباه الذي يُمنح للجلاد يُسحب، في الوقت نفسه، من الضحية. و"إحدى الطرق المباشرة نسبياً لقياس مقدار الموارد النادرة التي تستهلكها الرسالة هي ملاحظة مقدار الوقت الذي يقضيه المتلقي في معالجتها".
وتكتسب وسائل الإعلام في اقتصاد الانتباه قوة مضاعفة، بالنظر إلى أن الأفراد "يتعاملون" مع وسطاء إعلاميين ورقميين ينقلون لهم المعلومات ويفسرونها. وبهذا المعنى، يقول الفيلسوفان والباحثان الدنماركيان هندريكس وفيسترغارد إن تأثير وسائل الإعلام لا يقتصر على تزويد الجمهور بالمعلومات، وإنما يمتد إلى توجيه انتباهه نحو قضايا محدّدة وإبعاده عن أخرى. ومع تحوّل الانتباه إلى مورد نادر في بيئة تفيض بالمعلومات، تصبح الجهة القادرة على توجيهه مؤثرة أيضاً في الطريقة التي يُدرك بها الأفراد الواقع ويفسرونه. ومن هنا تبرز أهمية فهم الآليات التي تتحكم اليوم بتوزيع الانتباه داخل الفضاء الرقمي، وفي مقدمتها الخوارزميات التي باتت تؤدي دوراً متزايداً في حجب/ إتاحة ما يراه المستخدم.
الانخراط في اقتصاد الانتباه لجني العوائد لا يعفي المؤسسات الإعلامية من مسؤولياتها المهنية والأخلاقية
الخوارزميات ليست أدوات محايدة
كما سبق البيان: لم يطوّر عمالقة التكنولوجيا الخوارزميات بهدف تحسين المعرفة وتعزيز النقاش العام ومساعدة المستخدم على فهم العالم، أبداً. طوّروها واستثمروا فيها لأن عوائد الانتباه أصبحت عالية القيمة. في الفقرة التالية تشرح دراسة استراتيجية صاغها خبراء شبكة الاقتصاديين التابعة للأمم المتحدة (UNEN) حول "اقتصاد الانتباه" (بهدف توجيه الحكومات نحو أطر تنظيمية تحمي الانتباه البشري) كيف تحوّل المستخدم من زبون إلى مادة الإنتاج؛ روبوت يساهم في الإنتاج عن جهل أو دراية:
مع التوسع المذهل للإنترنت وتطوّر القدرات الرقمية خلال العقود الأخيرة، دخل العالم مرحلة غير مسبوقة من فيض المعلومات. فقد أصبحت البيانات تُنتج بكميات تفوق بكثير قدرة البشر على استيعابها أو حتى تحليلها (نصف في المئة من البيانات الرقمية المُولّدة خضعت للتحليل في عام 2015)، الأمر الذي أدّى إلى تراجع قيمة المعلومات بوصفها مورداً نادراً، مقابل صعود مورد أكثر ندرة وأهمية هو الانتباه البشري.
وأمام ندرة الانتباه، تؤكد الدراسة، طوّرت المنصات الرقمية نماذج أعمال قائمة على جمع البيانات الشخصية وتحليل السلوك الرقمي للمستخدمين، بهدف فهم ما يجذب اهتمامهم وتعظيم تفاعلهم مع المحتوى. وبمرور الوقت، أصبح الانتباه نفسه سلعة اقتصادية عالية القيمة، تُباع وتُشترى بصورة غير مباشرة داخل أسواق رقمية ضخمة، حيث ترتبط الإيرادات الإعلانية وحركة المنصات بمعدلات المشاهدة والتفاعل أكثر من ارتباطها بالقيمة المعرفية للمحتوى. فقد بلغت إيرادات شركات التكنولوجيا الخمس الكبرى المعروفة اختصارا Gafam حوالي 1.4 تريليون دولار في 2021، وارتفعت أرباحها بنسبة 55% في ذلك العام وحده. يعني ارتفعت قيمة الانتباه من مجرد عنصر جانبي في الاقتصاد الرقمي، إلى أحد أهم موارده الاستراتيجية ومحركاته الأساسية. وتُقدّر الدراسة حجم اقتصاد الانتباه في الولايات المتحدة وحدها بـ7.1 تريليونات دولار و437 مليار ساعة في عام 2016.
لا يتحدّث الخبراء الدوليون عن الخوارزميات بوصفها أدوات محايدة، إنما يربطون تصميمها بهدف اقتصادي واضح: زيادة التفاعل لتعظيم الأرباح. وتحفيز التفاعلات "يتطلب" محتوى "تحريضياً أو مثيراً للجدل أو استقطابياً"، ولا يمرّ هذا من دون عواقب؛ فالمحتوى غير الصحي غالباً ما يكون مبنياً على معلومات مضلّلة أو خاطئة، ما يُضعف بشكل كبير القدرة على اتخاذ القرارات الواعية، ويُعرّض الأفراد لخطر الإدمان، والتبلد، والتطرف. والخوارزمية، في أبسط تعريفاتها، هي القواعد الحسابية التي تحكم المنصات الرقمية؛ تُصنِّف المحتوى وتُحدد ما يظهر للمستخدم أو يُحجب عنه، بناءً على تحليل سلوكه وتفاعله الرقمي.
إذكاء الانقسامات وتكثيف الاستقطاب
غير أن الانخراط في اقتصاد الانتباه لجني العوائد لا يعفي المؤسسات الإعلامية من مسؤولياتها المهنية والأخلاقية. كما أن السعي خلف التفاعل لتحقيق مشاهدات أكثر لا يبرر تجاوز المعايير الناظمة للتغطية الإعلامية في المجتمعات المصابة بضربات نزاع حادّة وممتدة. وفي هذا السياق، تُشدّد الأدبيات المهنية والأطر الدولية ذات الصلة على أن مسؤولية الصحافي تمتد إلى تقدير الآثار المحتملة للمحتوى، المُعَدّ أو المنشور، على الضحايا والمجتمع. فمدوَّنة السلوك لصحافة حقوق الإنسان تُحمّل الصحافيين مسؤولية كبيرة في تحديد أولويات ما يُنشر، وتضع سلامة الضحايا والأشخاص المعرضين للانتهاكات في المقام الأول. كما "يرفض الصحافيون والإعلاميون اللجوء إلى التحريض أو السماح أو التسامح مع التحريض على الكراهية أو الاحتقار أو الاستخفاف ببعض المجموعات". وبالمثل، تُشدّد هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) على ضرورة الموازنة بين المصلحة العامة في تغطية القضايا المثيرة للجدل واحترام خصوصية الضحايا وكرامتهم وكرامة عائلاتهم.
في السياق السوري، ليس الأمر مجرد منافسة بين محتويات إعلامية تتزاحم، إنما هو منافسة بين روايات مؤكدة وذاكرات موثّقة وقضايا إبادة تستحق أن تُروى
لا تعني الإشارة إلى "المصلحة العامة" في هذا السياق منح المساحة والميكرفون للشخصيات العامة المرتبطة عضوياً بالنظام البائد، بما في ذلك بعض الممثلين الذين أسهموا، بدرجات متفاوتة، في إضفاء "شرعية" مؤقتة على روايته وخطابه. فالمصلحة العامة لا تُقاس بشهرة الضيف أو بقدرته على إثارة الجدل، إنما بمدى إسهام الحوار في إنتاج معرفة جديدة تتعلق بآليات القتل المنهجي والدعاية، وعلاقة الثقافة بالمخابرات، والكيفية التي جرى بها إعطاء أوامر القصف بالسلاح الكيميائي وكيفية تصفية المعتقلين (وشخصيات سبق أن استضافها مذيعون ومذيعات يمكنها الإجابة عن مثل هذه الأسئلة). وحين يتحوّل الحوار إلى مساحة لإعادة التلميع أو الإنكار أو استثارة التفاعل من دون مساءلة حقيقية، يخرج من نطاق المصلحة العامة، ليدخل ضمن محاولات، قصداً أو جهلاً، للتشويش على سردية الضحايا؛ حيث تصبح قيمة المحتوى مرتبطة بقدرته على جذب الانتباه أكثر من ارتباطها بما يضيفه من فهم أو معرفة.
كما أن مسؤولية الصحافي لا تقتصر على طرح سؤال وإتاحة المجال للضيف للتعبير عن آرائه، بل تمتد إلى ممارسة دوره التحريري والمهني، عندما يطرح الضيف معلومات مضلّلة أو مزاعم غير موثّقة أو خطابات تمييزية وتعميمات تحضّ على الكراهية بين السوريين، سواء عبر المساءلة الفورية أو التصويب أو التنبيه أو استبعاد ما يتعارض مع المعايير المهنية من المحتوى المنشور، بما ينسجم مع "الإعلان العالمي لأخلاقيات المهنة للصحافيين" الصادر عن الاتحاد الدولي للصحافيين، الذي يوجب على الصحافي/ة إيلاء "عناية خاصة بالأشخاص الذين ليس لهم خبرة بإجراء المقابلات أو المستضعفين"، كما يضع على عاتق "الصحافة التأكد من أن المعلومات والآراء التي تنشرها لا تساهم في تعزيز الكراهية".
وتكتسب هذه المعايير أهمية إضافية في المجتمعات الخارجة من النزاعات، حيث يُحذّر رائد "الصحافة الحساسة للنزاعات" روس هوارد، وقد ألّف دليلاً شهيراً "الصحافة الحسّاسة للصراعات" بتكليف من منظمة اليونسكو، من أن وسائل إعلام كثيرة تسهم، "بحكم بنيتها التنظيمية، أو بقصد"، في إذكاء الانقسامات عندما تعتمد على النُخَب وحدها، أو عندما تقدّم تفسيرات أحادية الجانب للأحداث، أو تعيد إنتاج الصور النمطية وتغفل الجذور الحقيقية للنزاعات والحلول البديلة لها. ولهذا السبب، توصي منظمة دعم الإعلام الدولي (IMS) بإخضاع المواد الصحافية والحوارات المثيرة للجدل لسلسلة من الأسئلة التحريرية الأساسية، من قبيل: ما المصلحة العامة الحقيقية من نشر هذه المادة؟ وهل يمكن أن تؤدي، حتى لو استندت إلى وقائع صحيحة، إلى تعزيز التحيّز أو إلحاق ضرر إضافي بالمتضرّرين؟ وهل توجد طرق أخرى لتغطية القضية تحقق الفائدة العامة دون المساس بكرامة الضحايا أو إعادة إنتاج الخطابات التي أسهمت في تكريس العنف والانقسام؟ هل هناك كلمات أو تعليقات في التقرير (الحوار) تسيء إلى الناس أو تسبب التحيز؟ مثل هذه الأسئلة "قد" تَحُوُل دون تحويل المنصّات إلى أداة تعيد تدوير وتلميع وإنتاج خطاب الجلادين.
الخلاصة
إذا كانت الخوارزميات مُصمَّمة لتعظيم الانتباه، وتحويله إلى قيمة اقتصادية مرتفعة العوائد، وإذا كان المحتوى التحريضي أو الاستقطابي أو المثير للجدل يحقق - كما سبق بيانه - مستويات تفاعل أعلى، فلا غرابة أن تنخرط مؤسّسات إعلامية عربية في هذا النوع من الممارسات، على الرغم من تشبّعها مالياً. غير أن تفسير الظاهرة لا يعني تبريرها؛ ففهم الآليات الاقتصادية والتقنية التي تحكم هذا السلوك يختلف تماماً عن التسليم بشرعيته أو القبول بممارسته وبنتائجه. فالسعي إلى تعظيم المشاهدات والتفاعلات لا يعفي المنصّات من التزاماتها المهنية والأخلاقية تجاه الضحايا، كما لا يمنحها حق استنزاف انتباه الجمهور بأدوات تقوم على الإثارة لا على القيمة.
وفي النهاية، تبقى المعركة الحقيقية في تحديد ما الذي يستحق انتباهنا أصلاً؛ فالتحدّي لا يكمن في ما تفعله المنصّات ووسائل الإعلام فحسب، فهذا سوق والضرب فيه تحت الحزام، إنما يشمل أيضاً قدرة الجمهور على إدارة انتباهه بوصفه مورداً محدوداً وثميناً معاً. فكل دقيقة نستهلكها في متابعة محتوى سامّ يقوم على الاستفزاز أو الاستقطاب - ناهيك عن أضراره النفسية – يُنقص من رصيد انتباهنا تجاه قضية أعمق وأكثر أهمية. فما يظهر إلى دائرة "الضوء" يقابله بالضرورة تراجع شيء آخر إلى الظل.
ولعل هذه هي الفكرة الأكثر أهمية في اقتصاد الانتباه: فكل انتباه يُمنح لموضوع ما هو انتباه يُسحب من موضوع آخر. وفي السياق السوري، ليس الأمر مجرد منافسة بين محتويات إعلامية تتزاحم، إنما هو منافسة بين روايات مؤكدة وذاكرات موثّقة وقضايا إبادة تستحق أن تُروى. والانتباه الذي يُهدر في إعادة تدوير الإنكار والاستفزاز، هو انتباه لا يستهدف فهم حقيقة ما جرى طيلة نصف قرن؛ بل تعكيرها، كرمي الحصى المتواصل في المياه. فالانتباه الذي يُمنح للجلاّد يُسحب، في الوقت نفسه، من الضحيّة.