استبدال العملة السورية... اختبار الثقة في مواجهة أرقام الانهيار

17 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 10:03 (توقيت القدس)
موظف في مكتب صرافة في إدلب يعرض أوراقا من العملة السورية الجديدة (4/1/2026 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في عام 2026، قرر المصرف المركزي السوري استبدال العملة بحذف صفرين لتحسين الاقتصاد السوري المتدهور، حيث فقدت الليرة أكثر من 99.5% من قيمتها، بهدف تبسيط التعاملات وتحسين سعر الصرف.
- تتضمن الخطة التنفيذية فترة انتقالية لثلاثة أشهر لتداول العملتين، مع طباعة 42 تريليون ليرة وتحديث تقني لأجهزة الصراف الآلي، مستفيدة من تجارب دولية.
- تواجه العملية مخاطر مثل التضخم وفقدان الثقة، مما يتطلب شفافية وإصلاحات اقتصادية لضمان نجاح العملة الجديدة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

في مطلع عام 2026، حملت الجيوب السورية واقعاً نقدياً مختلفاً. فبعد سنوات من التضخم الجامح الذي أنهك قيمة الليرة، أعلن المصرف المركزي السوري عن بدء المرحلة الأكثر جرأة في تاريخه النقدي.

استبدال العملة الحالية بأخرى جديدة، وذلك بحذف صفرين من فئاتها النقدية ابتداءً من يناير/ كانون الثاني 2026. هذا القرار، المُجسد في المرسوم الرئاسي رقم 293/2025، ليس مجرد إجراء تقني، بل هو محاولة لإعادة ضبط بوصلة اقتصادية تاهت في عاصفة من الأزمات. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري تعرض لانكماش هائل بلغ حوالي 60% منذ عام 2011، بينما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. وفي إطار هذه الصورة القاتمة، فقدت الليرة أكثر من 99.5% من قيمتها أمام الدولار، حيث قفز سعر الصرف من 47 ليرة للدولار في 2010 إلى ما بين 11,200 و11,700 ليرة في السوق الموازية بنهاية 2025.

يبرر محافظ المصرف المركزي القرار بالحاجة الملحة لتبسيط التعاملات اليومية، حيث تحولت أبسط المعاملات إلى عمليات حسابية معقدة

الخطة التنفيذية: مواجهة التحدّي اللوجستي الهائل

حدد محافظ المصرف المركزي، السيد عبد القادر الحصرية، الإطار الزمني للعملية بفترة انتقالية أولية مدتها ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، يجري خلالها التداول المتوازي للعملتين. وكشف الحصرية عن تفاصيل الخطة العملية الضخمة، التي تشمل طباعة وتوزيع ما قيمته 42 تريليون ليرة من الفئات القديمة، وهو ما يعادل قرابة 13 مليار قطعة نقدية وورقية فردية. ستجرى هذه العملية عبر شبكة من أكثر من ألف منفذ، تشمل فروع المصارف البالغة 14 مصرفاً خاصاً وستة مصارف حكومية، بالإضافة إلى مكاتب الصرافة المرخصة المنتشرة في كل المحافظات. ويتطلب هذا الجهد تنفيذ أكبر عملية تحديث تقني تشمل آلاف أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع، ونقل جميع الأنظمة المحاسبية للدولة والقطاع الخاص إلى الوحدة الجديدة، وهي عملية تقنية معقدة استغرقت في تجارب دولية مشابهة، كما في مصر 2016، ما بين ستة إلى تسعة أشهر لضمان الانسيابية الكاملة.

يبرّر محافظ المصرف المركزي القرار بالحاجة الملحة لتبسيط التعاملات اليومية، حيث تحولت أبسط المعاملات إلى عمليات حسابية معقدة. فشراء سلع أساسية بقيمة 50 دولاراً يتطلب اليوم حمل ما يقارب 600 ألف ليرة، وهو مبلغ ضخم يصعب حمله والتعامل به. بيد أن التحليل الاقتصادي، كما يشير إليه خبراء مختصون، يكشف أن الدوافع تتجاوز الجانب التقني. فهناك بُعد نفسي ورمزي مهم، حيث يأتي القرار في توقيت يشهد تحسناً طفيفاً في سعر الصرف خلال عام 2025، من حدود 19 ألف ليرة إلى حوالي 11,500 ليرة للدولار، في محاولة لربط هذا التحسن برمزية "العهد الجديد". كما تهدف العملية إلى إعادة تنظيم الكتلة النقدية (M2) التي تُقدر بعشرات الآلاف من التريليونات، وخلق بيئة حسابية مبسطة تمهد الطريق مستقبلاً لإصلاحات نقدية ومالية أوسع، مثل تحسين الرقابة المالية، ومحاولة دمج جزء من الاقتصاد الموازي.

تجارب دولية: بين النجاح النسبي والإخفاق الدراماتيكي

يستدعي القرار السوري ذكريات تجارب دولية عديدة، تقدم دروساً بالغة الأهمية. فتجربة تركيا عام 2005، التي حذفت ستة أصفار، غالباً ما تُذكر بوصفها نموذجاً ناجحاً نسبياً، لأنها جاءت ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة مدعومة من صندوق النقد الدولي. ورغم ذلك، شهدت تركيا ارتفاعاً سعرياً فورياً بنسبة 2% إلى 5% بسبب ظاهرة "تقريب الأسعار". وعلى النقيض، تظهر تجربة إيران عام 2020، التي حذفت أربعة أصفار، أن العملية التقنية وحدها عقيمة إذا لم تُعالج الأسباب الهيكلية للتضخم، حيث استمر معدل التضخم الإيراني بعد الاستبدال عند أكثر من 40% سنوياً. أما الحالة الأكثر قتامة فهي فنزويلا، التي اضطرت بعد حذف ستة أصفار عام 2018 إلى إضافة صفر جديد عام 2021 مع استمرار الانهيار النقدي، مما يؤكد أن تغيير العملة دون إصلاح السياسات المالية هو مجرد تأجيل للأزمة، وليس حلاً لها.

يشدّد الخبراء على أهمية إجراء حزمة إصلاحات اقتصادية مصاحبة ومرئية لقرار استبدال العملة، ولو كانت أولية، مثل إطلاق مشروع إنتاجي كبير، أو إصلاح جزئي لنظام الدعم

المخاطر المحدقة: التضخم والإقصاء وانهيار الثقة

في ظل الوضع الاقتصادي السوري الهش، تحيط بالعملية مخاطر جسيمة. الخطر الأول والأكبر هو خطر تفاقم التضخم، حيث إن ضخ سيولة جديدة كبيرة في اقتصاد منكمش وذي قاعدة إنتاجية ضعيفة قد يولد سيولة زائدة تطارد كمية محدودة من السلع، مما يرفع الأسعار بشكل غير متحكم به. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن العملية قد تتحول، في حال سوء الإدارة، إلى أداة غير مباشرة لتمويل العجز الحكومي المقدر بأكثر من 60% من الإنفاق، مما سيعيد رسم أصفار جديدة على العملة بشكل أسرع مما حُذفت. وفقاً للخبير الاقتصادي زياد عربش. 
الخطر الثاني الإقصاء الاجتماعي والجغرافي. فالفترة المحددة بــ 90 يوماً وشبكة الألف منفذ قد لا تكفيان لضمان وصول كل الفئات، خاصة كبار السن والمقيمين في المناطق النائية والنازحين الذين يقدر عددهم بملايين. ويشير التحليل إلى خطر موازٍ يتمثل في أن أصحاب الثروات النقدية غير المصرح بها خارج النظام المصرفي، والذين يُقدر بأنهم يتحكمون بنسبة كبيرة من الكتلة النقدية، قد يلجأون للسوق السوداء لتحويل أموالهم، مما يخلق سعر صرف موازياً ومهيناً للعملة الجديدة منذ اليوم الأول.
أما الخطر الثالث والأكثر حساسية، فهو خطر انهيار الثقة المتبقية. تؤكد تجربة إيران وفنزويلا أن ثقة المواطن هي العمود الفقري لأي عملة. أي خلل تقني، أو شح في السيولة الجديدة، أو انتشار لشائعات التزوير، قد يؤدي إلى هروب جماعي نحو العملات الأجنبية، ويعمق ظاهرة الدولرة المقدرة حالياً بأكثر من 70% في المعاملات الكبيرة، مما يفقد العملية برمتها جدواها.

شروط النجاح: الطريق من الورق الجديد إلى الثقة الجديدة

لتحويل هذا التحدي إلى فرصة، يحدّد الخبراء شروطاً لا غنى عنها. الشرط الأول هو الشفافية المطلقة التي تتجاوز التصريحات الصحافية. ويؤكد المحللون ضرورة أن يبدأ المصرف المركزي بنشر بيانات اقتصادية منتظمة ومفصلة، بعد صمته الإحصائي عن معدلات التضخم منذ فبراير 2025، وربما تشكيل لجان رقابية مستقلة للإشراف على التوزيع. الشرط الثاني هو العدالة في التنفيذ، عبر ضمان وصول الخدمة إلى كل المناطق والفئات، وتقديم دعم حسابي وتوضيحي للمواطنين، خاصة كبار السن. الشرط الثالث والأهم، كما يشدد الخبراء، هو إعلان حزمة إصلاحات اقتصادية مصاحبة ومرئية، ولو كانت أولية، مثل إطلاق مشروع إنتاجي كبير، أو إصلاح جزئي لنظام الدعم، لإرسال رسالة واضحة بأن تغيير العملة هو بداية لتغيير جذري في منطق إدارة الاقتصاد.

الوعد الورقي لن يتحقق بمجرد التوزيع. فهو مرهون بالسياسات التي ستلي الطباعة، وبالشفافية التي ستحيط بالعملية، وبالإصلاحات الحقيقية التي يجب أن تلمسها كل أسرة في قوتها الشرائية واستقرار معيشتها

العملة الجديدة.. أكثر من ورق

في النهاية، العملة الجديدة التي بدأ تداولها في 2026 أكثر من مجرد ورق مطبوع بتقنيات عالية أو وسيلة دفع مبسطة. إنها، في رمزيتها العميقة، تحمل دلالات تتجاوز قيمتها الاسمية. إنها محاولة لطي صفحة ثقيلة من تاريخ اقتصادي مليء بالأصفار المسجية على هامش الحياة اليومية للناس، وإعلان عن رغبة في بدء العد من جديد. إنها، في طموحها، تريد أن تكون عقداً اجتماعياً نقدياً جديداً، ووعداً بانطلاقة نحو "سورية جديدة"، سورية يعود فيها النظام والوضوح إلى التعاملات، وتستعيد فيها العملة الوطنية هيبتها باعتبارها رمزاً للسيادة والقدرة على الحياة الكريمة.
لكن هذا الوعد الورقي لن يتحقق بمجرد التوزيع. فهو مرهون بالسياسات التي ستلي الطباعة، وبالشفافية التي ستحيط بالعملية، وبالإصلاحات الحقيقية التي يجب أن تلمسها كل أسرة في قوتها الشرائية واستقرار معيشتها. النجاح لن يُقاس بجودة الورق أو جمال التصميم، بل بقدرة هذه الخطوة على استعادة شيء من الثقة المفقودة، وإيجاد أرضية صلبة لبناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً. الرهان الحقيقي ليس على تغيير شكل العملة، بل على تغيير السياسات والمنطق الاقتصادي الذي أودى بقيمتها. وهو رهان مصيري، فإما أن تكون هذه العملة البوابة التي تعبر منها سورية نحو مرحلة من التنظيم والإنتاج والانتعاش، أو أن تصبح مجرّد فصل آخر في سردية الأزمة نفسها. ليس الخيار، في نهاية المطاف، بين عملة قديمة وأخرى جديدة، بل بين الاستمرار في منطق الفوضى والتضخم، أو الشروع بشجاعة في منطق الإصلاح والبناء. وأرى أن الحكومة السورية الحالية، تسعى بكل الإمكانيات المتاحة إلى تحقيق كل عوامل النمو والازدهار.