إسرائيل... سجن استعماري كبير

26 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:21 (توقيت القدس)
جيش الاحتلال الإسرائيلي يعتقل طفلاً فلسطينياً، الخليل 2025/4/16 (مصعب شاور/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يسلط المقال الضوء على التشابه بين النظم العقابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تُستخدم السجون كأداة للقمع، مما يعكس فشلها في تحقيق الديمقراطية الحقيقية، ويبرز العلاقة العضوية بين البلدين في تبادل هذه النظم.

- يتناول المقال اعتقال السلطات الإسرائيلية لمتطوعين من أسطول الصمود العالمي، ويصفه كجزء من الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، مشيراً إلى إنكار المؤسسات الأميركية واليهودية لهذه الحقائق، بينما يبرز نضال الفلسطينيين كعامل رئيسي في تغيير القناعات العالمية.

- يناقش المقال تأثير القبة المؤسساتية اليهودية والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة على تعزيز النظم العقابية، ويبرز دور النضال الجماهيري في مواجهة هذه الديناميكيات، مشيراً إلى أن الهروب من هذه القبة والانضمام للنضال الجماعي هو السبيل لبناء مستقبل أفضل.

كتابة: دانيا راجندرا ودان بيرجر، ترجمة بتصرف: محمد السادات

تقديم:

نشر هذا المقال في مجلة "سبيكتر" على اعتباره بيانًا داعمًا لتحرر فلسطين من قبل خبيرين في نضالات السود واليهود في الولايات المتّحدة، إذ يعقد المقال مقارنةً بين النظم العقابية في أميركا وإسرائيل، كما يعيد تعريف إسرائيل دولةً سجنيةً وفقًا لمقالات زايد شكور؛ أحد أبرز قيادات الفهود السوداء، الذي قتل في السبعينيات على يد الشرطة الأميركية. ترى هذه المقارنة أنّ التوجهات الليبرالية الأميركية والصهيونية تخلق قبةً من الادعاءات المزيفة التّي تنكر حقيقة الاضطهاد، طالما أنّه خارج أفرادها (لا يستهدفهم) وهذا ما يدحضه شكور، إذ يرى أنّ تلك النظم قد أخلت بوعودها عن الديمقراطية، وكدست المضطهدين في سجونها، فالحرية هي حرية كلّ أطياف المجتمع. وبناءً على العلاقة العضوية بين أميركا وإسرائيل فقد انتقل السجن الأميركي إلى السجن الإسرائيلي ومعه القبة بزيفها؛ بينما يتشارك السجناء وحدهم معرفة الحقيقة.

في الوقت الذي كان فيه يهود العالم يحتفلون بيوم الغفران في أكتوبر/تشرين الأول 2025، اعتقلت السلطات الإسرائيلية 462 شخصًا على نحو غير قانوني في المياه الدولية، حينها اعترضت إسرائيل اثنتين وأربعين قاربًا تابعًا لأسطول الصمود العالمي قبالة سواحل قطاع غزّة، وهو الأسطول المحمل بالأمل بعد عامين من حرب الإبادة والتجويع، وفي ظلّ حصار خانق مستمر منذ سبعة عشر عامًا. احتُجز متطوعون من ستين دولة في مراكز اعتقال إسرائيلية، وبينما وصفهم وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني بالإرهابيين، أكّد أعضاء الأسطول تعرضهم للتعذيب. وفي مؤتمر أثينا، شددت الناشطة غريتا ثونبرج على أن: "القضية الجوهرية ليست معاناة أعضاء الأسطول فحسب، بل هي الإبادة الجماعية المستمرة التي لا يمكن للعالم أن يغمض عينيه عنها".

لقد مثل أسطول الصمود المحاولة التضامنية الأخيرة لمواجهة منظومة الهذيان الإسرائيلي المدمّرة، خصوصًا أنّ العنف غير المبرر في قطاع غزّة قد أسفر عن أول إبادة جماعية تُبث تفاصيلها على الهواء مباشرةً. ورغم فداحة هذا الواقع، تتعمد المؤسسات الأميركية السائدة، واليهودية منها إنكار الحقيقة، وتطالب الجميع بالانضمام إليها تحت قبةٍ من الزيف، تشبه فيلم "ترومان شو". في ذلك الفيلم، عاش البطل داخل قبة تليفزيونية واقعية من دون أن يدرك حقيقته، لكنه بمجرد اكتشافها قرر الهروب بمساعدة متضامنين ناضلوا لتحريره. على العكس من ذلك، اختارت فئةٌ مستمرةٌ في التناقص من اليهود الأميركيين التقوقع داخل قبة الصهيونية، كما عبرت الأغلبية المتزايدة بوضوح في استطلاعات الرأي عن معارضتها سياسات إسرائيل، ودعمها غزّة.

إنّ عالم المؤسسات اليهودية الأميركية المنعزل يمثّل نسخةً من تلك القبة التّي تخفي الانتهاكات الممنهجة، إذ تفترض نظريةً واهمةً بأنّ التغيير الاجتماعي يحدث بهدوء في الكواليس؛ إذ يصمت مستشاري القادة استراتيجيًا بانتظار لحظة مواتية. لكن الحقيقة تظهر خارج هذه القبة، حيث يشاهد العالم تمزيق غزّة، ويسمع أصوات فنانين أمثال خافيير براديم، وهانا إينبيندي يتحدثون عن مسؤولية الولايات المتّحدة في الإبادة، ويطالبون بتحرير فلسطين هدفًا جوهريًا يتجاوز "إنهاء المجاعة".

بينما تفرض إسرائيل حصارًا مطبقًا على غزّة، خاض آلاف الفلسطينيين في الضفّة الغربية، وداخل إسرائيل تجربة "الاعتقال الإداري"، حيث يُزجُّ بهم في السجون من دون توجيه تهمةٍ إليهم، وأحيانًا لسنوات متواصلة

ثمّة عاملان أساسيان يساهمان في تغيير القناعات خارج القبة، الأول؛ بشاعة الفظائع الإسرائيلية التي لا يمكن إنكارها. والثاني؛ نضال الفلسطينيين والمتضامنين معهم. وقد تجلى نجاح هذا النضال مؤخرًا في فوز أحد المتضامنين بعمدية مدينة نيويورك (زهران ممداني)، وهو نصر تحقق بفضل جهد تنظيمي هائل، قادته الطبقة العاملة، والمنظّمات الإسلامية واليهودية المناهضة للصهيونية. هذه الحركة تمثّل أكبر رد فعل ضدّ الصعود الفاشي الأميركي، وتمكين إسرائيل من الاستمرار في الإبادة الجماعية.

في المقابل، يرفض الليبراليون تعديل رؤيتهم حول كيفية إحداث التغيير، متمسكين بفكرة المناورة من داخل "القبة"، أو الاكتفاء بفضح الانتهاكات. لكن فضح الجرائم لم يعد كافيًا، فقد فُضحت تلك الانتهاكات الإبادية، التّي تفاخرت بها إسرائيل على أرض الأمم المتّحدة. بل أشار معين رباني إلى أنّ توقيع اتّفاق وقف إطلاق النار مؤخرًا: "لا يضمن حقوق الفلسطينيين الأساسية". لقد أثبت الواقع أن الحشد الجماهيري التقليدي، رغم أهمّيته، قد يؤدي إلى تظاهرات سلمية، لكنه يفتقر إلى التحليل المادي الأساسي.

بينما راجعت حركات تحرير السود في أميركا استراتيجياتها لمواجهة القمع في مطلع السبعينيات، ظلّ حلفاؤهم من اليهود البيض؛ الذين استفادوا من الرأسمالية العرقية، والتحول النيوليبرالي متمسكين بليبرالية عقابية تلوم الفئات المضطهدة بدلًا من مواجهة التغيرات الهيكلية في الاقتصاد. لقد أنشأ هؤلاء القادة أمانًا زائفاً داخل قبة مؤسساتية، لكن هذا الهدوء الخادع سرعان ما تحول إلى أداة لقمع أولئك الذين يسعون لحياة تتجاوزها.

لفهم هذه الديناميكيات أعلن زايد شكور، عضو حركة "الفهود السود" في نيويورك عام 1970، أن: "أميركا هي السجن"، فقد سعى شكور إلى الربط بين الاضطهاد الذي يواجهه الأميركيون السود في المجتمع، وبين تكدسهم المفرط داخل المرافق العقابية، ومقاومتهم النشطة لها. وقال: "إن السجون ما هي إلّا امتداد للقمع"، الذي تتعرض له الفئات المضطهدة في المجتمع أجمع، وأضاف: "أميركا برمتها سجنٌ يُحتجز فيه الناس أسرى لدى مجرمين عتاة". لقد دعا إلى صياغة مجتمع جديد "تؤول فيه ملكية الأرض والعقارات إلى الشعب". لم يكتب لـشكور أن يعيش ليرى ذلك المجتمع الجديد؛ إذ قتله شرطي مرور في ولاية نيوجيرسي عام 1973. أما رفيقته وزميلته في السفر، أسانتا شكور؛ فبعد إصابتها واعتقالها على الطريق السريع، قضت ست سنوات في السجن قبل أن تفر منه. وتوفيت في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 2025 في كوبا، حيث عاشت حرّةً لعقود رغم وجود مكافأة قدرها مليونا دولار على رأسها.

وُلدت أسانتا شكور وهيلاري رودهام كلينتون في العام ذاته، إلّا أن مساريهما في التفاعل مع أحداث العالم كانا متباينين، ومن أبرز ذلك الخيار الذي اتخذته كل منهما في كيفية التعامل مع المجمع الصناعي للسجون. إن قبة "ترومان"، بدءًا من القبة المؤسساتية اليهودية وصولاً إلى الحزب الديمقراطي وما وراءهـ، مبنية من الثراء والأيديولوجيا، لتبرير وتوسيع الواقع العقابي الذي يعيشه الآخرون في آنٍ واحد. بينما انكفأ الليبراليون داخل قبةٍ محصنة، أدرك كل من "أسانتا" و"زايد شكور" أن السجن هو الأداة التحليلية الأكثر فاعلية وتأثيراً، وبناءً على ذلك، اختارا معارضته. ونحن لا نزال نحارب ذلك السجن حتّى اليوم. تنظم إسرائيل عملية التهجير في الداخل، وهي تحكم من خلال السجن، وبوصفها سجنًا بحدّ ذاتها؛ كما كتب الباحث رشيد الخالدي: "لقد ارتقت إسرائيل بالمقاربات التقليدية للعزل والاحتواء والسيطرة إلى آفاق جديدة". إن تسمية إسرائيل "دولةً سجنيةً" توضح كما يكتب الخالدي أن "مبادئ السيطرة والتقييد والهيمنة ذاتها"، التّي تستخدمها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين في الضفّة الغربية، وفي السجون الإسرائيلية، وداخل حدود ما قبل عام 1967، لا تنفصل بأيّ حال عن العنف الذي يواجهه الفلسطينيون في غزّة. فبعد ثلاثة أيّام من حرب عام 1967 فقط، أحيت إسرائيل نظام المحاكم العسكرية البريطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة حديثًا حينذاك. وعلى مرّ العقود، توسعت الممارسات السجنية لسلفتها الاستعمارية بأسلوب تكنولوجي متطور على نحو متزايد، إلّا أن الغرض الجوهري للسجن المبني على تعطيل القدرات والتهجير، لا يزال ثابتًا.

بينما تفرض إسرائيل حصارًا مطبقًا على غزّة، خاض آلاف الفلسطينيين في الضفّة الغربية، وداخل إسرائيل تجربة "الاعتقال الإداري"، حيث يُزجُّ بهم في السجون من دون توجيه تهمةٍ إليهم، وأحيانًا لسنوات متواصلة. مثّل نظام الاعتقال الإداري، الذي تزايدت وتيرته بالتوازي مع حرب الإبادة الجماعية، عاملاً رئيسيًا لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول؛ الذي قضى مدبره الأساسي أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا في السجن. فقد استشهد ما لا يقل عن 73 أسيرًا فلسطينيًا في السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب والإهمال الطبي منذ السابع من أكتوبر. كما يقبع حاليًا أكثر من 11,000 فلسطيني في السجون الإسرائيلية، من بينهم 3,544 أسيرًا رهن الاعتقال الإداري. وقد وصفت مؤسسة "الضمير"، لدعم الأسير وحقوق الإنسان، السجون الإسرائيلية بأنّها "الجبهة الأمامية للإبادة الجماعية". مع وقف إطلاق النار، وافقت إسرائيل على إطلاق سراح 250 أسيرًا فلسطينيًا يقضون أحكامًا طويلةً أو مؤبدةً، إلى جانب 1,700 فلسطيني اعتُقلوا في غزّة منذ السابع من أكتوبر. كما داهمت إسرائيل منازل عائلات المفرج عنهم؛ جزءًا من ممارساتها المعتادة، وهددتهم بحريتهم في حال الاحتفال.

يبرهن خضوع فلسطينيي الضفّة الغربية للمحاكم العسكرية على الطبيعة الحربية للسجون في السياق الاستعماري، وهو ما تعززه أرضية مشتركة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل لفرض السيطرة عبر آليات الحرب؛ فبينما تدعم واشنطن إسرائيل بالقنابل والأسلحة، تطور إسرائيل علاقات التدريب مع الشرطة الأميركية، في ما يعرف بـ"التبادل القاتل"، الذي يعكس قمعًا مشتركًا يغذي "العلاقة الخاصّة" بين البلدين، رغم الجذور التاريخية لوحشية الشرطة الأميركية. ويتجاوز هذا الرابط التكتيكات العسكرية ليشمل تصدير إسرائيل لـ"تقنيات المراقبة والفصل العنصري"، فقًا لروان عبد الباقي ورنا سكرية، حيث ساهم اقتصاد المراقبة الإسرائيلي، بالشراكة مع شركات مثل أمازون وغوغل ومايكروسوفت وبالانتير، في توسيع الاستيطان، وهو ما دفع مقررة الأمم المتّحدة فرانشيسكا ألبانيز لوصفه بالتحول من "اقتصاد الاحتلال" إلى "اقتصاد الإبادة الجماعية".

رغم دأب اليسار لسنوات على وصف قطاع غزّة بأنّه "سجن مفتوح"، للإشارة إلى الحصار البري والبحري والجوي المفروض عليه منذ عام 2007، إلّا أنّ القطاع في جوهره وطن عريق على ساحل فلسطين التاريخية، وليس مجرد معتقل؛ إذ يمثّل نحو 80% من سكانه لاجئي نكبة 1948 وأحفادهم الذين طُردوا من ديارهم، وظلوا متشبثين بمفاتيح منازلهم الأصلية. لقد أثبت أهل القطاع أنّ السجن لا يمكن أن يكون وطنًا مهما طال الإجبار، فصنعوا حياة على أرض أجدادهم رغم تحصين القوى الاستعمارية له، وحصاره لشهور بمزيج من القذائف والحرمان، ليؤكّد الواقع أن قطاع غزّة كان مكانًا جديرًا بالسيادة لولا بطش جيش استعماري مدعوم عالميًا، وبما أنّ الحكام الإمبراطوريين لا يدمرون سجونهم عادةً، فإنّ غزّة لم تكن يومًا سجنًا، بل إنّ إسرائيل هي السجن الحقيقي.

ثمّة عاملان أساسيان يساهمان في تغيير القناعات خارج القبة، الأول؛ بشاعة الفظائع الإسرائيلية التي لا يمكن إنكارها. والثاني؛ نضال الفلسطينيين والمتضامنين معهم

بالنسبة لليهود الذين نشأوا داخل "القبة المؤسساتية اليهودية"، بما في ذلك الإسرائيليين تحت "القبة الحديدية"، فإن فكرتهم عن يهوديتهم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقدرتهم المتصورة على طرد الآخرين، لدرجة أن تخلي "الليبراليين الصهاينة" عن صهيونيتهم قد لا يترك لهم أي معنى ليهوديتهم على الإطلاق. في المقابل، حافظ اليهود اليساريون، ومعظمهم من المناهضين للصهيونية، على التزامهم بالمبادئ الأخلاقية التّي كانت يومًا ما ركيزةً لليهودية؛ مثل أن جميع البشر خُلقوا على صورة الإله، وأن القتل هو تدنيس للإنسانية وللإله معًا، كما أنّ إصلاح هذا العالم المحطم واجب مقدس مشترك.

ما أدركه "زايد" و"أسانتا شكور" وغيرهما من اليساريين في السبعينيات هو أمر بدأ الكثيرون في استيعابه الآن: القوّة الأساسية لكل هذه "القباب" هي تقييد التنظيم الجماهيري، والخيال الشعبي على حدٍّ سواء. ولكن، كما أوضحت نعومي كلاين وأسترا تايلور، فإن حكام الإمبراطورية: " لم يتخلوا عن فرضية ووعد الديمقراطية الليبرالية فقط، بل وعن قابلية عالمنا المشترك للحياة"، لذا فإنّ الواجهة تنهار. إن الإبادة الجماعية لا يمكن إنكارها، حتّى داخل القبة (رغم محاولات بعضهم المستمرة)، جشع الاقتصاد لا يمكن إنكاره، والبربرية العبثية للذعر المفتعل ضدّ العابرين جندريًا لا يمكن إنكارها.

إن أولئك القادرين على رؤية أن القبة ليست سوى سجن في الحقيقة، هم من يضيئون الطريق نحو الأمام. وكما أوضح شكور في مقاله عام 1970: "يمتلك السجناء الإجابة على طبيعة المجتمع العقابي في هذا البلد، لأنّهم يعرفون عنه أكثر من أي شخص آخر". ولعل هذا، في نهاية المطاف، هو ما يربط الوسطيين بقبابهم؛ ليس المال، ولا حتى البر بالذات، بل الخشية من اتباع قيادة الآخرين من دون صخب أو تباهٍ. لقد كان كل من "ممداني" و"أينبيندر" مجرد متظاهرين ضمن الحشود المتضامنة مع فلسطين قبل أن ينالا شهرتهما. إنّ المهمة الآن ليست العمل من داخل القبة، بل حفر نفق للخروج منها؛ تمامًا كما فعلت شخصية "جيم كاري" في فيلم "ترومان شو"، والأهمّ من ذلك، كما فعلت أسانتا شكور عام 1979، وكما فعل الأسرى السياسيون الفلسطينيون الستة عام 2021، وكما فعل صيادو غزة حين كانت إسرائيل مشغولةً باعتقال النشطاء على متن أسطول الصمود العالمي.

المهمّة، بعبارة أخرى، هي الهروب والانضمام إلينا لبناء شيء أفضل، إن عددًا متزايدًا منا يتعرفون الآن على جيرانهم في التظاهرات الحاشدة، وأثناء حملات التوعية، وفي مجموعات مراقبة إدارة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) في أحيائهم. وبالطبع، فإنّ أولئك القادمين من الداخل، الذين تخلصوا من أفكارهم القديمة حول كيفية حدوث التغيير، يلقون ترحيبًا حارًا. انضموا إلى أولئك الذين كتب عنهم "ديلان سابا" مؤخرًا، عن نضالات السود والفلسطينيين ضدّ الهيمنة الاستعمارية، "يخططون للهروب القادم". إننا نستحضر في وجداننا ذكرى غزّة وطنًا، ومعسكرات التضامن احتمالًا وقوةً؛ فهي علامة تبعث على الأمل بأن وراء الزيف والقمع يكمن مستقبل أفضل. وبعبارة أخرى: لتمضِ الطيور حرة، واللعنة على إدارة الهجرة، والحرية لفلسطين.

دانيا راجندرا ودان بيرجر: كاتبان وأكاديميان أميركيان

المساهمون