أوبرا وقمامة

07 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:33 (توقيت القدس)
(سعد يكن)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعيش سوريا حالة من التناقضات، حيث تتواجد مظاهر الحياة الثقافية والفنية جنباً إلى جنب مع تحديات يومية مثل تراكم القمامة وسوء الخدمات، مما يعكس محاولة البلاد للنهوض بعد سنوات الحرب.

- تختلف آراء السوريين العائدين حول الوضع في البلاد، حيث يرى البعض نجاحات دبلوماسية ونشاطات ثقافية، بينما يركز آخرون على المشاكل اليومية مثل انقطاع الكهرباء وفوضى المرور، مما يعكس واقعاً معقداً.

- رغم التحديات مثل ارتفاع الأسعار وضعف الخدمات، توجد مبادرات إيجابية مثل تنظيف الحدائق وترميم المدارس، لكن يبقى التحدي في جعل النظافة والخدمات العامة جزءاً من الحياة اليومية لتحقيق توازن حقيقي.

منذ أشهر، وكلما أقرأ خبراً سلبياً عن سورية، أجد نفسي أبحث، من دون قصد، عن الخبر الذي يناقضه. ليس لأنني متفائل أو متشائم، بل لأن البلاد نفسها أصبحت تعيش على إيقاع هذه المفارقة، والكثير منا اعتاد أن يتلقى في اليوم الواحد الكثير من الأخبار الطيبة، والكثير من الأخبار المحبطة أيضا. مثلا، يكفي أن تشاهد أمسية موسيقية في دار الأوبرا، أو حفلاً أقيم في أحد البيوت الدمشقية القديمة احتفاءً بيوم الموسيقى العالمي، حتى تقع في اليوم نفسه على صور أكوام القمامة المتراكمة في بعض شوارع العاصمة، لا سيما في محيط سوق الهال في منطقة العباسيين، كأن المشهدين لا يتنافسان، بل يتعايشان، ويقدمان معاً وصفاً دقيقاً لسورية الجديدة وهي تحاول النهوض من تحت ركام أربعة عشر عاماً من الحرب.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في أحاديث السوريين الذين زاروا سورية بعد سنين طويلة من البعد والغياب، ليس أنهم يختلفون في تقييم ما يرونه، بل أنهم جميعاً يتحدثون عن البلد نفسه وكأنه بلدان عدة. أحدهم ينبهر "بالنجاح الدبلوماسي" للسلطة الجديدة، وآخر يشيد بالمقاهي التي استعادت صخبها وازدحامها، وبالمعارض الفنية التي عادت إلى بعض صالات دمشق، وبالنشاط الثقافي الذي أصبح أكثر تنوعاً. فيما آخر لا يرى سوى الشوارع المحفرة، وانقطاع الكهرباء، وسوء الخدمات، وفوضى المرور، و"الشيوخ" الذين يملؤون الدوائر الحكومية، والقمامة التي تشوه صورة مدينة عرفت، يوماً، بأنها من أنظف مدن المنطقة.
الطرفان على حق. فسورية اليوم لا يمكن اختصارها في صورة واحدة. ففي وقتٍ تعود دار الأوبرا إلى تقديم بعض العروض، تعجز بلديات عن رفع النفايات بانتظام. وفي الوقت الذي تنظم فيه أمسيات أدبية وحفلات موسيقية، لا يزال مراجعون يقضون ساعات طويلة بين مكاتب الدوائر الحكومية لإنجاز معاملة بسيطة. وقد ترى مطعماً جديداً يعج بالزبائن، لكن في الوقت نفسه ترى أكياس القمامة متراكمة على بعد أمتار قليلة منه.
ومع هذا، سيكون من الظلم تجاهل التحولات التي بدأت تظهر. فهناك أيضا متطوعون ينظفون الحدائق ومجرى نهر بردى، وشبان يطلقون مبادرات لردم الحفر في الشوارع، ولترميم المدارس وتنظيف الحدائق العامة المهملة، وهناك مؤسسات ومنتديات ثقافية استعادت جزءاً من دورها، وفعاليات ومؤسسات حكومية احتفت بالتنوع اللغوي والثقافي، بما في ذلك الثقافة الكردية، وهي مشاهد لم يكن من السهل تخيلها قبل سنوات قليلة. كما أن عودة السياح والمغتربين، ولو بأعداد محدودة، أعادت شيئاً من الحياة إلى العاصمة دمشق وبعض المدن السورية الأخرى.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الوجه الآخر حاضراً بقوة. فارتفاع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات، واستمرار بعض مظاهر الفساد والمحسوبيات، تجعل سوريين كثيرين يشعرون بأن التعافي يسير بسرعة أقل بكثير من حجم التوقعات. ... لهذا كله، لا يمكن النظر إلى الأوبرا بوصفها دليلاً على نجاح المرحلة، ولا إلى القمامة باعتبارها دليلاً على فشلها. والحقيقة هي أن الاثنين معاً يعكسان حقيقة بلد لا يزال يتشكل من جديد. 
رغم هذا كله، الامتحان الحقيقي لن يكون في تنظيم حفلة موسيقية ناجحة، ولا في افتتاح معرض أو مهرجان، بل في اليوم الذي تصبح فيه النظافة، والخدمة العامة، واحترام القانون، جزءاً عادياً من الحياة اليومية. عندها فقط لن تبدو الأوبرا استثناءً جميلاً وسط القمامة، بل تعبيراً طبيعياً عن بلد استعاد توازنه، وتصالح أخيراً مع صورته التي يستحقها.