"نقوط اليمان"... نموذج للتكافل الشعبي مع ذوي الشهداء الفلسطينيين

06 مايو 2026   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
الطفل يمان ووالده الشهيد نايف سمارو، نابلس، 4 مايو 2025 (فيسبوك/متداول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أُطلقت مبادرة "نقوط اليمان" لدعم الطفل يمان، نجل الشهيد نايف سمارو، بهدف جمع التبرعات المالية والعينية لتأمين احتياجاته ووالدته، مما يعكس التماسك المجتمعي في فلسطين.
- حققت المبادرة نجاحاً كبيراً بفضل تفاعل المواطنين في نابلس والضفة الغربية وفلسطينيين في الخارج، حيث شملت توفير احتياجات الطفل والرعاية الصحية والدعم النفسي للأم، مما يعكس وحدة الوجدان الفلسطيني.
- لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في إنجاح المبادرة، مسلطة الضوء على التحديات التي تواجه عائلات الشهداء، وداعية إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة لدعمهم.

في مشهد إنساني مؤثر يعكس عمق التماسك المجتمعي في فلسطين، أُطلقت مبادرة "نقوط اليمان"، دعماً للطفل يمان؛ نجل الشهيد نايف سمارو، الذي أبصر النور بعد يوم واحد فقط من استشهاد والده برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي. فكرة المبادرة، التي تستمر حتى يوم غدٍ الخميس، كما تقول مديرة إذاعة حياة، هند سعد، وهي إذاعة تبث من مدينة نابلس وأطلقت المبادرة، جاءت استجابة لتواصل العديد من أهل الخير معهم عقب استشهاد الشاب نايف، تزامناً مع ولادة طفله، حيث عبّروا عن رغبتهم في تقديم ما يستطيعون دعماً لعائلته، ومن باب الوفاء لذكراه.

تؤكد سعد، في حديث مع "العربي الجديد"، أن هذه المبادرة الفردية سرعان ما تبلورت لتتحول إلى عمل جماعي، جرى تنظيمه وإطلاقه ضمن حملة إنسانية متكاملة بعنوان "نقوط يمان"، بهدف توحيد الجهود وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية في إسناد العائلة. موضحة أن المبادرة تهدف إلى جمع أكبر قدر ممكن من التبرعات المالية والعينية لتأمين احتياجات الطفل ووالدته، في رسالة تضامن شعبي مع عائلة فجعتها الخسارة في لحظة يفترض أن تكون بداية حياة جديدة.

وتشير سعد إلى أن المبادرة حققت نجاحاً لافتاً منذ انطلاقتها، بفضل تكاتف المواطنين في نابلس ومختلف محافظات الضفة الغربية، إلى جانب فلسطينيين في الخارج تواصلوا للمساهمة بما يستطيعون. لافتة إلى أن "المطلوب اليوم ليس فقط التبرع، بل إعادة وعي المجتمع بأن وراء كل شهيد حكاية إنسانية مؤلمة، عنوانها زوجة فقدت سندها وأطفال فقدوا أباهم"، موضحة أن كل يتيم في فلسطين يحمل ذات الوجع، ويستحق التفاتة حقيقية تتجاوز اللحظة العاطفية.

إعادة إنتاج أدوات التضامن 

من جهته، يوضح الصحافي أدهم خروبي، أحد القائمين على المبادرة، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المبادرة لم تقتصر على جمع المال، الذي بلغ حتى الآن ما لا يقل عن عشرة آلاف دولار، بل شهدت أشكالاً متعددة من الدعم، حيث بادر مواطنون لتوفير احتياجات الطفل من الحليب والملابس، فيما تبرع آخرون بسرير وألعاب، إلى جانب مبادرات لتقديم الرعاية الصحية والدعم النفسي للأم التي تواجه ظروفاً قاسية بعد فقدان زوجها. وبحسب خروبي، فإن هذه الاستجابة تؤكد أن المجتمع لا يزال قادراً على إنتاج أدوات التضامن رغم كل التحديات.

شهدت المبادرة تفاعلاً شعبياً واسعاً من مختلف شرائح المجتمع، من دون اعتبار للانتماءات السياسية أو الاجتماعية، إذ سارع المواطنون، كلٌ بحسب قدرته، إلى المساهمة، في صورة عكست وحدة الوجدان الفلسطيني أمام الألم المشترك. هذا التفاعل، وفق خروبي، لم يكن مجرد استجابة عاطفية، بل تعبير عن إحساس عميق بالمسؤولية الجماعية تجاه عائلات الشهداء، خاصة الأطفال الذين يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة الحياة دون معيل.

 

من جهته، يؤكد المختص في رصد منصات التواصل الاجتماعي أمين أبو وردة، في حديث مع "العربي الجديد"، أن تلك المنصات لعبت دوراً محورياً في إنجاح المبادرة، حيث تحولت إلى مساحة لنشر القصة وتوسيع دائرة التأثير، مشيراً إلى أن آلاف المنشورات والتعليقات شاركت قصة الطفل يمان، ودعت إلى دعمه، ما ساهم في وصول المبادرة إلى فلسطينيين في الشتات، الذين بدورهم شاركوا في التبرع والترويج. موضحاً أن هذا الحضور الرقمي عزز من زخم المبادرة، وجعلها قضية رأي عام خلال أيام قليلة.

تعيد المبادرة تسليط الضوء على واقع أطفال الشهداء وحالات اليتم والفقر في المجتمع الفلسطيني، حيث أيقظت مشاعر التضامن لدى الكثيرين، ودفعتهم للتفكير في مسؤوليتهم تجاه هذه الفئات. ولم تكن مبادرة "نقوط اليمان"، وفق القائمين عليها، مجرد حملة لحدث عابر، بل جرس إنذار أعاد طرح سؤال العدالة الاجتماعية، وضرورة توفير حياة كريمة لمن دفعوا أثماناً باهظة في سياق الصراع.

في المقابل، تسلط المبادرة الضوء على التحديات المتفاقمة التي تواجه عائلات الشهداء والجرحى والأسرى، خاصة في ظل قرار السلطة الفلسطينية قطع رواتب هذه الفئات. ويقول الناشط عمار اشتيوي في حديث مع "العربي الجديد: "إن هذا القرار، الذي أثار رفضاً شعبيًا واسعًا، فاقم من الأعباء الاقتصادية على تلك العائلات، ووضعها في ظروف معيشية صعبة، خصوصاً أن الكثير منها كان يعتمد بشكل أساسي على هذه الرواتب كمصدر دخل وحيد". مشيراً إلى أن هذه السياسة انعكست بشكل مباشر على حياة أسر الشهداء، حيث اضطرت العديد من الزوجات إلى دخول سوق العمل في ظروف غير ملائمة، في محاولة لتأمين احتياجات أسرهن، فيما وجد الأطفال أنفسهم في بيئات أكثر هشاشة.

ويشدد اشتيوي على أن هذا الواقع خلق ما يمكن وصفه بـ"الظلم المزدوج"، حيث تعاني هذه العائلات من فقدان المعيل بسبب الاحتلال، ومن ضغوط اقتصادية متزايدة نتيجة السياسات الداخلية. مؤكدا أنه "أمام هذا المشهد، تبرز أهمية الانتقال من المبادرات الفردية والفزعات المؤقتة إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة لدعم عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، وإجبار السلطة على إعادة تقييم قرارها الظالم". قائلاً "التكافل المجتمعي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن سياسات مستدامة تضمن الكرامة والاستقرار لهذه الفئات".

وتبقى مبادرة "نقوط اليمان" نموذجاً حياً لما يمكن أن يحققه التضامن الشعبي، لكنها في الوقت ذاته دعوة مفتوحة لإعادة النظر في آليات الحماية الاجتماعية، بما يليق بتضحيات هؤلاء وعائلاتهم.