مهرجان "أكل أول"... رحلة في ذاكرة الطعام والزمان بميناء الدوحة القديم
أسامة سعد الدين
- يقدم المهرجان تجربة متكاملة تشمل مناطق للألعاب القديمة وورش عمل للأطفال وفقرات ترفيهية، مع تصميم الأركان لتشبه البيوت الشعبية، مما يعزز شعور اللمّة العائلية ويعيد الزوار إلى ذكريات الطفولة.
- يتجاوز "أكل أول" كونه فعالية ترفيهية ليصبح أداة للترويج السياحي والثقافي، مقدماً سرداً لتطور المجتمع القطري ومنطقة الخليج، مما يجعله نقطة جذب على خريطة الزيارات المسائية.
في ميناء الدوحة القديم، حيث تختلط رائحة البحر بنسيم الأمسيات الرمضانية، يعود الزوار في رحلةٍ عبر الزمن إلى سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. لا يأتي الناس لتناول الطعام فقط، بل ليعيدوا اكتشاف جزء من ذاكرتهم الشخصية والجماعية، وسط ديكورات وفعاليات تستعيد "أيام الطيبين" بكل تفاصيلها تقريباً.
وتبدو النسخة الثالثة من مهرجان "أكل أول" أكثر نضجاً واتساعاً، مع مشاركة نحو 30 عارضاً ومطعماً، من بينها ثلاث مشاركات مميزة من دول عربية، جرى اختيارها بعناية لضمان أن تكون التجربة أصيلة قدر الإمكان وليست مجرد استعراض شكلي، وتتنافس جميعها على تقديم وصفات مستوحاة بالكامل من ماضي المنطقة وذاكرة المائدة الخليجية والعربية.
منذ لحظة دخول المكان، يتجاوز الزائر فكرة أنه في "مهرجان غذائي" إلى الشعور بأنه داخل حي قطري قديم أُعيد إحياؤه على الواجهة البحرية، إذ صُممت واجهات الأكشاك على هيئة بقالة الحي، أو مطعم شعبي، أو دكان تسجيلات، أو ركن حلويات مدرسية، فيما تتقاطع أصوات الأغاني القديمة مع نداء الباعة وتعليقات الأطفال على ألعاب لم يعرفوها إلا من حكايات آبائهم.
وتقوم فكرة المهرجان على استعادة حياة الماضي بأدوات اليوم، فالأطباق التي تُقدم، وإن طُهيت بمعدّات عصرية، تحمل أسماء ووصفات تحيل إلى عقود مضت، وتشمل مطاعم "البوفيه" القديمة، وعصائر البسطات، وشاي الكرك على الحطب، ووجبات كانت ترتبط بملاعب الحارة ومجالس الحي "الفريج".
وتُكمل الديكورات الصورة عبر طاولات حديدية بسيطة تشبه تلك التي كانت مستخدمةً في المطاعم الشعبية، ومصابيح صفراء خافتة، ولوحات إعلانية بتصاميم تحاكي الخطوط القديمة، وأركان تصوير مزوّدة بأجهزة تلفزيون ذات صندوق خشبي، وأشرطة كاسيت، وألعاب بلاستيكية من زمن ما قبل الهواتف الذكية. وفي الخلفية، تُبَثّ أغانٍ خليجية وعربية من حقبة الثمانينيات والتسعينيات، إلى جانب تلاوات قرآنية وأناشيد رمضانية، ما يعزّز شعور اللمّة العائلية التي يحرص المهرجان على استعادتها.
ويساعد موقع المهرجان في ميناء الدوحة القديم على تعميق هذا الإحساس، فالمكان يحمل شيئاً من حنين البحر والرفقة القديمة، ومع إضافة مشاهد البيوت الشعبية و"أسواق زمان"، يصبح الزائر كمن ينتقل إلى الماضي من حاضر المدينة الحديثة.
وتتوزع المشاركات بين أركان تقدّم المأكولات القطرية الشعبية بأشكالها التقليدية، وأخرى تستعيد أكلات عربية وخليجية كانت حاضرة لعقود، من بينها "كافتيريا فلسطين". في أحد الأركان، تُقدَم أطباق شعبية قطرية، مثل "الهريس"، وهو طبق لزج من القمح واللحم المهروس، و"المجبوس" المكون من الأرز بالبهارات مع الدجاج أو اللحم، والثريد (التشريب) وهو خبز رقاق مغموس بمرق اللحم والخضراوات، وتتميّز جميعها بنكهاتها التراثية الغنية، وتجهّز كما كانت تُطهى في البيوت قديماً، مع تفاصيل صغيرة تهمّ عشّاق الأصالة، تشمل طريقة التقديم، ونوع الأواني، وحتى أسلوب الحوار مع الزوار الذي يحاكي لغة كبار السن.
في ركن آخر، يجد الزائر مأكولات الشارع التي ارتبطت بالمدارس والأسواق، من السندويشات البسيطة إلى رقائق البطاطس المحلية، والعصائر المعلّبة التي شكلت ذاكرة طفولة جيل كامل. وتضيف المشاركات الثلاث من خارج قطر بعداً إقليمياً، لتقول للزوار إن الحنين إلى الماضي ليس حصراً على مكان واحد، بل هو شعور مشترك تعبّر عنه النكهات والروائح مهما اختلفت اللهجات.
وتؤكد الجهة المنظمة "قطر للسياحة" أنّ المهرجان لا يقتصر على الطعام، بل يقدِّم تجربة متكاملة تجعله وجهة عائلية طوال أيام الشهر الفضيل، فإلى جانب الأركان الغذائية، توجد مناطق مخصصة للألعاب القديمة، حيث يكتشف الأطفال ألعاب آبائهم، مثل "الطابات"، والدمى البلاستيكية التقليدية، وأركان للرسم والتلوين مستوحاة من البيوت الشعبية والقوارب الخشبية.
يؤكد بيان "قطر للسياحة" أن مهرجان "أكل أول" في نسخته الثالثة، لم يعد مجرد فعالية موسمية، بل أصبح جزءاً من خريطة التجربة السياحية في قطر خلال شهر رمضان، مبيناً أن الفكرة الأساسية هي منح الزائر فرصة للعودة إلى عقود مضت، ليس عبر الصور فقط، بل عبر المذاق والصوت، ومن هنا حرصت الجهة المنظمة على توسيع المشاركة هذا العام كي تخلق حواراً بين ذاكرة الطعام في قطر ومحيطها.
كذلك يشهد المهرجان فقرات ترفيهية يومية تجمع بين الفن الشعبي والفعاليات العائلية، يقدمها عازفون يؤدون أغاني قديمة، وفرق تقدم عروضاً فولكلورية، مع ورش عمل قصيرة تعلّم الأطفال صناعة بعض الحلويات البسيطة، أو إعداد مشروبات ارتبطت بالمجالس في تلك العقود، وبالتالي لا يكون الطفل مجرد متفرج، بل يصبح جزءاً من القصة التي يحاول المهرجان روايتها، بينما يجد الكبار أنفسهم في حالة تلقائية من استعادة الذكريات.
ويُخصَّص المهرجان كذلك فضاء للصور التذكارية، حيث يمكن للعائلات التقاط صور في أماكن صُمِّمت لتشبه غرف الجلوس القديمة، أو محال التسجيلات أو البقالات الصغيرة التقليدية، مع إكسسوارات من تلك المرحلة، مثل راديو قديم، أو هاتف ثابت، أو ملابس تقليدية بسيطة.
يقول المشارك محمد خان: "اخترنا أن نقدّم في المهرجان أطباقاً خاصة من وصفات الأمهات والجدّات، مثل الهريس والثريد وغيرها من الأكلات البسيطة التي كانت تُحضَّر في البيوت قديماً، وما نراه من تفاعل الزوار لا يتعلق فقط بالطعام، بل بذكريات مرتبطة بشكل الطبق، وطريقة تقديمه. يخبرنا كثيرون أن الزيارة أعادتهم إلى ذكرى مطعم صغير كانوا يرتادونه مع عائلتهم، أو إلى مائدة بيت العائلة".
وحول أبرز ما يلفت انتباه الزائر، يقول العماني سعيد السالمي: "لفتني أن الكثير من التفاصيل تشبه ذكريات طفولتنا، مع اختلاف بسيط في الأسماء واللهجة، فالأطباق والمنتجات القديمة تتشابه، والأغاني الشعبية كذلك. اكتشفت أن (أيام الطيبين) ليست حكراً على بلدي، بل ذاكرة مشتركة بين شعوب المنطقة".
ويتجاوز "أكل أول" حدود كونه فعاليةً ترفيهيةً إلى كونه أداةً للترويج السياحي والثقافي، فهو يقدّم لزوار قطر في رمضان تجربة مختلفة عن الصورة النمطية للمهرجانات الغذائية، إذ لا يُروَّج للمطاعم الحالية، بل يُقدم سرداً بصرياً وذوقياً لتطور المجتمع القطري ومنطقة الخليج خلال ثلاثة عقود مفصلية، بأسلوب بسيط وقريب من الناس.
ويتحول المهرجان إلى نقطة جذب على خريطة الزيارات المسائية بعد الإفطار، خاصة أنه يقام في ميناء الدوحة القديم، الذي يشهد هو الآخر عملية إعادة تفعيل كمقصد سياحي يجمع بين البحر والتاريخ والفعاليات المعاصرة. وعلى المستوى الثقافي، يسهم في تثبيت ذاكرة جيل كامل من خلال تحويلها إلى مشاهد متاحة للزيارة والاكتشاف، بدلاً من أن تبقى حبيسة الصور القديمة وحوارات العائلة.