ليلة في العراء.. نزوح مفتوح في بيروت وسط التهديدات الإسرائيلية

10 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 12:39 (توقيت القدس)
هذه ليست نزهة عند شاطئ بيروت إنّما نزوح قسري، 9 إبريل 2026 (فضل عيتاني/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تهديدات جيش الاحتلال الإسرائيلي شملت مناطق جديدة في ضاحية بيروت الجنوبية، مما أدى إلى نزوح جماعي للسكان الذين قضوا ليلتهم في العراء على أرصفة البحر ومحيط المدينة الرياضية وكورنيش بيروت البحري.
- شملت أوامر الإخلاء مناطق مكتظة بالسكان مثل الشيّاح والغبيري، مما أجبر السكان على الخروج إلى الشوارع المفتوحة بلا خطة واضحة، وسط شعور بعدم الأمان والعجز عن إيجاد مأوى مناسب.
- مراكز الإيواء لم تعد ملاذاً آمناً بسبب إخلاء بعض المباني، مما دفع النازحين للعودة إلى العراء، حيث ينتظرون بلا وجهة واضحة مع نية العودة رغم المخاطر.

بعد تهديدات وجّهها جيش الاحتلال إلى ضاحية بيروت الجنوبية، تضمّنت مناطق لم تُشمَل سابقاً في أوامر الإخلاء، أُجبر كثيرون على قضاء ليلتهم في العراء. وصباح اليوم، استيقظ هؤلاء على يوم نزوح آخر، بعد افتراشهم رصيف بحر الرملة البيضاء ومحيط المدينة الرياضية وكورنيش بيروت البحري، علماً أنّ مِن بينهم مَن ظنّ نفسه "محيَّداً".

وكانت أوامر الإخلاء التي أصدرها المتحدّث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، بعد ظهر أمس الخميس، قد شملت مناطق ضاحية بيروت الجنوبية المعتادة في الأوامر الشاملة؛ حارة حريك والغبيري والليلكي والحدث وبرج البراجنة وتحويطة الغدير والشيّاح، وقد أُضيفت منطقة الجناح إليها. وفي الخرائط المعمّمة مع أوامر الإخلاء، شُملت نطاقات سكنية لم تكن من ضمن خرائط التهديد السابقة، حتى في المناطق المهدّدة مسبقاً، الأمر الذي دفع أهالي مناطق بأكملها إلى النزوح. يُذكر أنّ أوامر الإخلاء هذه تُعَدّ أوسع ما طاول محيط العاصمة منذ بداية العدوان على لبنان في الثاني من مارس/ آذار الماضي.

صدمة لا توصف في بيروت، 9 إبريل 2026 (محمد سلمان)
قضايا وناس
التحديثات الحية

ومن النطاقات المشمولة حديثاً أحياء مكتظة بالسكان، ولا سيّما في الشيّاح والغبيري، من قبيل الرحاب وصبرا ومخيّم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين، بالإضافة إلى الأوزاعي؛ إحدى أبرز عشوائيات لبنان. ويعيش في هذه النطاقات المكتظة خليط من السكان؛ عائلات فلسطينية لاجئة وعمّال سوريون وآسيويون إلى جانب عائلات لبنانية من ذوي الدخل المحدود. وبعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية، أتى خروج كثيرين من هؤلاء السكان اضطرارياً إلى المجهول. فلا قدرة فعلية لديهم على الانتقال إلى مناطق بعيدة ولا على استئجار مساكن بديلة، من ثم وجدوا أنفسهم في الشوارع المفتوحة وسط ليل طال بلا ملاذ مضمون.

في المشهد المسجّل بعد ظهر أمس، خرجت عاملات أجنبيات مسرعات من البيوت حيث يعملنَ، فيما كان عمّال سوريون يحملون حقائب صغيرة على ظهورهم وأكياساً، وعائلات لبنانية بكاملها تبحث عن مأوى. في مشهد أمس، كان أطفال يبكون، ونساء يجرجرنَ أولادهنّ، ومسنّون يسيرون ببطءٍ تحت وطأة التعب والصدمة، وبين الحشود أشخاص مُقعدون كانوا يُدفَعون على كراسيهم المتحرّكة.

الصورة
نزوح في بيروت بعد أوامر إخلاء إسرائيلية - 9 إبريل 2026 (فضل عيتاني/ فرانس برس)
من النزوح إلى بيروت أمس بعد أوامر إخلاء إسرائيلية، 9 إبريل 2026 (فضل عيتاني/ فرانس برس)

كثيرون هم الذي توجّهوا نحو البحر، كما لو أنّ الشاطئ صار مساحة أمان مؤقّت. آخرون افترشوا موقف المدينة الرياضية في بيروت، الذي تحوّل في وقت قصير إلى ساحة انتظار مفتوحة، أشبه بمحطة نزوح كبيرة بلا سقف. ومن بين هؤلاء الذين هجّرتهم أوامر إخلاء جيش الاحتلال، ثمّة من حمل معه أوراقه الثبوتية فقط، فيما تمكّن آخرون من حمل حقيبة صغيرة أُغلقت على عجل، وقد اكتفى أشخاص بالخروج على حالهم، تاركين خلفهم بيوتاً لا يعرفون متى سيعودون إليها.

وصباح اليوم، بدا المشهد كأنّما بيروت لم تستفق بعد من صدمتها، فيما الناس بلا اتجاه واضح ولا ملاذ مضمون. وأفاد نازحون "العربي الجديد" بأنّ ثمّة عائلات قررت العودة إلى منازلها منذ مساء يوم أمس، إذ لم تتبع أوامر الإخلاء أيّ غارات. وقد فضّلت تلك العائلات العودة، بحسب الشهادات، لأنّ الطقس كان بارداً، ولا مقوّمات للبقاء في الشارع أو على الأرصفة لفترات طويلة. ويشير نازحون إلى أنّ ثمّة من قضى ليلته مفترشاً الأرض مباشرة، أو في داخل سيارته، أو تحت أغطية خفيفة لا تكاد تحمي من هواء البحر البارد، وسط شعور بعدم الأمان والعجز عن إيجاد مأوى مناسب.

من بين هؤلاء، سمر، مواطنة سورية، وهي أمّ لأطفال تراوح أعمارهم ما بين خمسة أعوام وسبعة وتسعة، وقد خرجت من الأوزاعي وتوجّهت إلى محيط محلّة الرملة البيضاء في بيروت بعد صدور أوامر الإخلاء. قالت، صباح اليوم، لـ"العربي الجديد": "لم نحمل معنا شيئاً، سوى الهويات وبعض ملابس الأولاد. كنّا قد قلنا إنّنا سنعود بعد انتهاء الغارات…وقضينا الليلة الماضية هنا... ولا نعرف إلى متى سنبقى (خارج البيت)". أضافت سمر، التي تحفّظت عن ذكر اسمها كاملاً، بصوت يحمل شيئاً من القلق والتعب: "أولادي صغار، والبرد كان قارساً. طوال الليل، عانوا آلام البطن، ولم نستطع تقديم أيّ دفء أو راحة لهم". وتابعت، وهي تشير إلى المكان المفتوح حولها: "جلسنا على الأرض، بلا غطاء كافٍ، وبلا طعام، وبلا أيّ مقوّمات".

خلال دقائق قليلة فقط، خرج أهالي الأحياء التي وسمها جيش الاحتلال باللون الأحمر للمرّة الأولى إلى الشارع بلا خطة وبلا وجهة وبلا وقت كاف لالتقاط ما يلزم. وراحت سيارات تفرّ في كلّ اتجاه، فيما عائلات تخرج سيراً على الأقدام، وأمهات يحملنَ أطفالاً وأوراقاً ثبوتية فقط.

من جهته، أخبر أبو علي، لاجئ فلسطيني نزح من حيّ الرحاب، "العربي الجديد"، أنّه أمضى الليلة الماضية مع عائلته، زوجته وأولاده، في سيارتهم بالقرب من المدينة الرياضية. أضاف: "لم يكن لدينا أيّ خيار آخر. البرد كان قارساً، والليل طويل. حاولنا أن نرتّب ما بوسعنا، لكن في النهاية كنّا ستّة في سيارة واحدة". وتابع أبو علي بصوت يغلبه القلق: "الأطفال لم يناموا إلا قليلاً، كلّ حركة في الشارع كانت تزيد من توتّرهم. قلنا إنّنا سنبقى هنا مؤقتاً حتى ينقضي أمر الإخلاء، لكن لا أحد يعرف متى ستنتهي ليالي الانتظار الصعبة".

بدورها، لم تعد مراكز الإيواء ملاذاً آمناً. وقد أُخلي عدد من مباني المعهد الفني الفندقي الأربعة في بئر حسن، التي كانت قد تحوّلت في الأيام الماضية إلى واحد من أكبر مراكز استقبال النازحين في بيروت وتضمّ نحو 2800 شخص. فقد خرج منها كثيرون من الذين لجؤوا إليها، خوفاً، وتوجّهوا إلى الرملة البيضاء، ليجدوا أنفسهم مجدّداً في العراء، بلا أغطية ولا حاجيات أساسية.

زهراء عياش من بين هؤلاء الذي خرجوا من مركز الإيواء في بئر حسن وانتهت في الرملة البيضاء. قالت لـ"العربي الجديد": "نزحنا من الجنوب إلى بيروت. ووجدنا مأوى في معهد بئر حسن. الآن نزحنا من جديد، تاركين كلّ شيء في المركز. ولا مكان آخر نذهب إليه؛ ليس أمامنا سوى الانتظار في الطريق". وأشارت إلى أنّهم ينوون العودة، "فقد انتظرنا الغارات طوال الليل، ولا يمكننا البقاء في الطريق".