استمع إلى الملخص
- قصص العائدين مثل مصطفى البرغل ونسرين العبد الله تعكس التحديات والفرص في سوريا الجديدة، حيث يسعون لتنمية الاقتصاد المحلي واستعادة الحياة الطبيعية رغم نقص المواد الخام وضعف البنية التحتية.
- عودة اللاجئين ليست مجرد انتقال جغرافي، بل استعادة للانتماء والكرامة الاجتماعية، مما يعزز الروابط المجتمعية ويسرع إعادة الإعمار رغم التحديات الكبيرة.
يسعى كثير من السوريين العائدين إلى بلادهم لاستعادة حياتهم الشخصية، وأن يشاركوا في البناء، مستفيدين من الفرصة التاريخية التي فتحت المجال أمام المبادرات الخاصة بعد عقود من الاحتكار.
مع انحسار قبضة القمع الأمنية عقب سقوط نظام الأسد، بدأت موجة غير مألوفة من عودة السوريين المغتربين إلى بلدهم، وغالبيتهم عاشوا لسنوات لاجئين هرباً من الملاحقات، وبعد التحول الكبير وجدوا أنفسهم أمام وطن يشبههم، وإن كان مثقلاً بجراح الحرب.
لم تكن العودة قراراً سهلاً، فالحياة في سورية الجديدة ليست وردية، حيث الاقتصاد هش، والبنى التحتية مدمرة، والمؤسسات قيد التشكل، لكن في المقابل، هناك شعور جماعي بالتحرر، وبدايات تشكل دولة تحاول أن تستعيد معنى المواطنة. تلك المعاني الكبيرة، ولحظة الانتقال من صفة لاجئ إلى مواطن، هي ما يصبغ قصص غالبية العائدين.
غادر مصطفى البرغل سورية إلى لبنان في عام 2006، بعد سنوات من الملاحقة الأمنية على خلفية مواقفه المعارضة للنظام السابق، وأمضى في لبنان سبعة عشر عاماً بين ورش الخشب الصغيرة، يعمل من دون أوراق ثبوتية، وبلا جنسية تحميه، وبلا حق في التملك، وبلا مستقبل مضمون لأبنائه. يقول لـ"العربي الجديد": "كان كل يوم يمر يجعل الوطن ذكرى بعيدة، أو مجرد حكاية يسمعها الأطفال ويستغربونها".
يستذكر البرغل تلك اللحظة التي قرر فيها العودة مبتسماً، ويتابع: "شعرت بعد سقوط النظام أن الوقت قد حان للعودة، وعدت لأنني أصبحت أخيراً قادراً على العيش بلا خوف. أريد أن يكبر أولادي كمواطنين، وليس كلاجئين. عدت إلى بلدتي كفروما في ريف إدلب الجنوبي، محملاً بأحلام كبيرة، وخبرة طويلة في النجارة، وأنشأت ورشة بسيطة تضم عاملين، أحاول من خلالها إعادة بناء حياة أسرتي، وبعد أشهر قليلة، وصل عدد العاملين في الورشة إلى 11، ورغم الصعوبات التي أواجهها، خصوصاً ارتفاع أسعار المواد الخام، وعدم توفر الكهرباء والاعتماد على المولد، ما زلت ممتناً لأنني اتخذت قرار العودة، فأنا أعيش في بلدي، ولا أحد يستطيع أن يطردني. إنه حلم طال انتظاره".
عاد نحو مليون سوري إلى بلدهم خلال تسعة أشهر أعقبت إسقاط النظام، لكن عودة اللاجئين والنازحين أعمق من مجرد انتقال جغرافي
في حي السكري بمدينة حلب، افتتحت الطبيبة نسرين العبد الله عيادتها فور عودتها إلى سورية بعد غياب جاوز عشرين سنة، إذ غادرت إلى الأردن في عام 2004، بعد أن رفضت الجهات الأمنية منحها ترخيصاً لفتح عيادة بسبب نشاط أسرتها المعارض.
تقول العبد الله لـ"العربي الجديد": "قد تكون البلاد مثقلة بالتحديات، وقد يكون كل شيء من حولنا بحاجة إلى وقت لإعادة البناء، لكني أشعر لأول مرة منذ سنوات بالراحة، إذ لم أعد أعمل بتصاريح. كنت أشعر كل يوم في الغربة بأنني مجرد موظفة مؤقتة، أما اليوم، فأشعر بالأمان والاستقرار، وبأن الوطن عاد إلى أبنائه بعد أن كان حكراً على عائلة الأسد ومؤيديها. التحديات كبيرة، من نقص الأدوية، إلى ضعف البنية التحتية، لكن الأهم أننا عدنا، ما يعني أن هناك أملاً في أن نعيد البناء خطوة بخطوة".
في مدينة حماة، يقف سامر عرفات أمام متجره الجديد، يراقب العمال يرتبون البضائع على الرفوف، بعد سنوات طويلة قضاها بعيداً عن سورية التي غادرها في عام 2011، هرباً من التجنيد الإجباري، ليستقر في تركيا، حيث اضطر للعمل في مشاريع صغيرة، من دون أفق للاستثمار أو امتلاك مشروع مستقل.
بعد سقوط النظام، شعر سامر بأن الفرصة قد حانت للعودة، ليس فقط لاستعادة حياته، بل ليكون جزءاً من إعادة البناء. يقول لـ"العربي الجديد": "عدت لأنني رغبت في استعادة وطني، فطوال سنوات الغربة كنت أعمل، لكن جهودي لم تسهم في شيء يربطني بأرضي. اليوم، وبعد تحرر الأسواق من الاحتكار، أشعر بوجود فرصة حقيقية لإقامة مشروع يسهم في تنمية الاقتصاد المحلي، ويفتح آفاق عمل للسوريين".
ويضيف مستعرضاً التحديات التي واجهته: "الأوضاع ليست سهلة، والبنية التحتية مدمرة، لكن الشعور بالحرية، والقدرة على اتخاذ قرارات من دون قيود سياسية لا يقارن بشيء. أشعر بأن جهدي اليوم سيعود على أهل بلدي، وليس على شخص أو جهة. المستثمرون ورجال الأعمال العائدون يشكلون قوةً فاعلةً في إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد، وكل مشروع نؤسسه، وكل وظيفة نخلقها، هي لبنة في بناء الوطن، فالحرية الاقتصادية مثلها مثل الحريات الاجتماعية والسياسية، وهي أساس إعادة الإعمار، واستعادة كرامة الشعب".
يعيش الخمسيني علي الحسن قصة عودة مليئة بالتحدي والأمل في قرية دير سنبل بريف حماة الغربي، إذ غادر في عام 1999 إلى العراق بعد تلقيه تهديدات مباشرة بالاعتقال بسبب نشاطه المعارض للنظام، وأمضى سنوات طويلة مغترباً، ومحاطاً بالقلق، والخوف من المستقبل، وكان يتوقع أن يظل بعيداً عن أرضه مدى الحياة.
مع التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، اتخذ الحسن قرار العودة، ليجد منزله شبه مهدم، وسقف غرفه مفتوحاً على السماء. يقول: "حين عدت لم يكن لدي شيء، لا بيت، ولا أرض مزروعة، ولا مستقبل واضحاً، لكن كان لدي سبب واضح للعودة، وهو أنه لم يعد هناك خوف، فإذا وجدت الحرية يمكن لكل شيء أن يُبنى، السقف، والطريق، وحتى الدولة. أعيش حالياً في غرفة واحدة رممتها بمساعدة أبنائي، لتشكل ملاذاً للأسرة، وأعمل منذ عودتي في مشروع محلي لتجميع قطع الري بالتنقيط، كمساهمة في استعادة البنية التحتية إلى المنطقة".
من جانبه، يرى المرشد الاجتماعي كمال الدرويش أن عودة اللاجئين والنازحين السوريين إلى مناطقهم الأصلية تحمل بعداً أعمق من كونها مجرد انتقال جغرافي، إذ تمثل استعادة الشعور بالانتماء والكرامة الاجتماعية التي غُيبت طويلاً تحت وطأة القمع والاضطهاد. ويضيف لـ"العربي الجديد" أن "العائدين يشعرون بفرق واضح بين حياتهم السابقة في دول اللجوء، حيث واجهوا صعوبات اقتصادية وقانونية واجتماعية، وبين الوطن الذي يمكنهم العيش فيه بحرية، من دون خوف من الاعتقال أو تقييد الحريات".
ويلفت الدرويش إلى أن "الانفراج النفسي الناتج عن العودة ينعكس مباشرة على الحالة الاجتماعية للعائدين، والذين يظهرون حالة من الإيجابية لإعادة بناء حياتهم ومجتمعاتهم، ويشعرون بمسؤولية أكبر تجاه محيطهم ومجتمعهم المحلي، وهذا الشعور بالمسؤولية والانتماء يفتح آفاقاً جديدة للتعاون المجتمعي، ويخلق بيئة خصبة لتعزيز الروابط بين الأهالي، ما يسرع عملية إعادة الإعمار، وإحياء الحياة المدنية".
ويؤكد أن "هذه الروح الإيجابية لا يمكن أن تتحقق في بيئات اللجوء، حيث عاش السوريون في حالة من القلق المستمر بشأن المستقبل، واضطروا لمواجهة قيود العمل، وعدم الاستقرار القانوني، والتمييز الاجتماعي، ما قلص قدرتهم على التخطيط طويل الأمد لبناء حياة مستقرة. في المقابل، توفر العودة إلى الوطن فرصة لإعادة تعريف الذات، وممارسة الحقوق، والانخراط في بناء المجتمع على أسس من العدالة والاستقلالية بعيداً عن الظلم وقمع الحريات الذي كان قائماً في عهد النظام السابق.
ويخلص الدرويش إلى أن "العودة، رغم كل الصعوبات القائمة، تمنح العائدين شعوراً عميقاً بالتحرر، وهو شعور ينعكس على العائلات، ثم على المجتمع كله، ما يشكل حجر الزاوية في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي النفسي والاجتماعي بعد سنوات طويلة من الغياب والحرمان".
وحسب بيان للمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، صدر في أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، عاد أكثر من مليون لاجئ سوري إلى بلادهم خلال الأشهر التسعة التي تلت إسقاط النظام السابق، كما عاد نحو 1.8 مليون شخص ممن نزحوا داخلياً إلى مناطقهم، وأن عدد النازحين السوريين يتخطى سبعة ملايين، فيما يتخطى عدد من غادروا البلاد، ولم يعودوا بعد، 4.5 ملايين سوري.
ووصفت المفوضية العودة بأنها مؤشر على "آمال كبيرة" يعلقها السوريون على بدء المرحلة الانتقالية، لكنها حذّرت في الوقت نفسه من أن العائدين يواجهون "تحديات هائلة"، من بينها المنازل والبنى التحتية المدمرة، والخدمات الأساسية المتضررة، وقلة فرص العمل، وعدم استتباب الأمن بالكامل.