عائدون إلى سورية... من أزمة إلى أخرى

11 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 00:39 (توقيت القدس)
يواجه بعض العائدين مشاعر خيبة، 21 يناير 2025 (بلال الحمود/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت سوريا عودة تدريجية لأكثر من 372 ألف لاجئ بعد سقوط نظام الأسد، معظمهم من دول الجوار، لكنهم يواجهون تحديات إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة.
- يعاني العائدون من ظروف معيشية صعبة، بما في ذلك نقص البنية التحتية الأساسية وارتفاع البطالة، ويعتمدون على المساعدات الإنسانية، ويواجهون صعوبة في الاندماج مع السكان المحليين.
- يفتقر العائدون إلى الوثائق الرسمية، مما يعيق استعادة ممتلكاتهم، ويواجهون تحديات قانونية بسبب تدمير السجلات العقارية، في ظل دعم دولي غير كافٍ لإعادة الإعمار.

شهدت الفترة التي تلت سقوط نظام الأسد في سورية في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي عودة تدريجية لأكثر من 372 ألف لاجئ، بحسب ما أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وجاء معظمهم من دول الجوار، مثل لبنان والأردن وتركيا والعراق. ورغم أن هذه العودة تحمل بارقة أمل للعديد من العائلات، لكنها تطرح تحديات كبيرة على المستويات الإنسانية والاقتصادية والأمنية.

كاريكاتير سورية
ملحق سورية الجديدة
التحديثات الحية

يعيش معظم اللاجئين السوريين تحت وطأة ظروف صعبة تدفع كثيراً منهم إلى العودة رغم المخاطر، وهم يعانون في لبنان من أزمات اقتصادية حادّة وقيود على صعيد العمل، وفي الأردن تفرض الحكومة شروطاً صارمة على الإقامة والعمل، وفي تركيا التي استضافت أكثر من 3.5 ملايين لاجئ سوري خلال سنوات الحرب تصاعد الخطاب المعادي للاجئين، والذي يدعو إلى فرض الترحيل القسري، ما دفع كثيرين إلى العودة رغم المخاطر.
بعد سنوات من الاغتراب وجد عائدون أنفسهم أمام منازل مدمّرة، وبنى تحتية منهارة، ونقص حاد في الكهرباء والماء. ولا تزال العديد من القرى والمدن تعتمد على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء والدواء، لذا لم يعد البعض إلى قراهم أو بلداتهم الأصلية مباشرة، بل توجهوا إلى مناطق أكثر استقراراً داخل سورية، خصوصاً في الشمال الغربي أو مناطق ذات بنى تحتية أفضل وفرص عمل أكبر، ما يعكس تحدياً إضافياً، إذ يزيد هذا الواقع الضغط على مناطق كانت تعاني أصلاً من كثافة سكانية مرتفعة وقلّة الموارد.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يواجه العائدون صعوبات في الاندماج مجدداً مع السكان المحليين، حيث ينظر إلى بعضهم على أنهم "فروا خلال وقت الحرب"، في حين يشعر آخرون بخيبة واغتراب حتى داخل الوطن.
"عدنا إلى بيت محطم لكنه بيتنا". بهذه العبارة تصف سمر الجنيد (45 عاماً) من ريف حماه الشمالي عودتها مع عائلتها بعد 8 سنوات من اللجوء في الأردن، وتقول: "في الأردن، كنا نعيش في ظل ظروف إنسانية صعبة في خيمة بلاستيكية بمخيم الزعتري، وعندما سقط النظام قررنا العودة رغم كل التحذيرات، ووجدنا بيتنا بلا سقف وجدرانه محترقة فأصلحناه بالطين والحجارة، والآن نزرع قطعة أرض صغيرة لنعيش منها، لكن لا مستشفى ولا مدرسة، والأطفال يدرسون في خيمة". 
تتابع بحسرة: "في هذا البيت تعلّم أبنائي المشي. كانت فيه حياة عدنا لنلحق ظلها. كانت خيمة الزعتري تحمينا من المطر، لكن لم تكن وطننا. ابنتي مصابة بالربو ولا تجد الأدوية إلا نادراً، ونخاف من الألغام بعدما فقد أحد جيراني طفلاً بانفجار لغم قرب المنزل". 
ومع تدمير القطاعات الصناعية والزراعية يعاني العائدون من نسبة بطالة تتجاوز 70%، ويعتمد معظم العائلات على المساعدات المالية من المنظمات الدولية أو من ممارسة أعمال يومية غير مستقرة. 

يجد عائدون أنفسهم أمام منازل مدمّرة، 21 ييناير 2025 (بلال الحمود/ فرانس برس)
يجد عائدون أنفسهم أمام منازل مدمّرة، 21 يناير 2025 (بلال الحمود/ فرانس برس)

ويقول محمد العثمان الذي عاد من لبنان بعد عشر سنوات من اللجوء لـ"العربي الجديد": "لم نعد نحتمل الضغوط الأمنية والمعيشية في لبنان. كنا نشعر كأننا عبء، واليوم نحن بلا كهرباء ولا ماء، لكننا على الأقل نشعر ببعض الكرامة".
وأشار إلى أن "الحكومة اللبنانية كثفت خلال العام الأخير إجراءات العودة الطوعية، لكنها فعلياً عودة قسرية بعدما تعرّض لاجئون لترهيب واحتجاز قبل ترحيلهم. في لبنان كنا غرباء، وكذلك الحال في سورية بسبب الأوضاع المادية الصعبة وقلّة مصادر الدخل. في لبنان كنا نعاني من تمييز في العمل، وهنا لا عمل أصلاً".
يتابع: "كنت أعمل في البناء بأجر زهيد في لبنان، وكانوا يقولون لي عد إلى بلدك. والآن رجعت لكن حلب التي أعرفها لم تعد موجودة. تحوّل الشارع الذي أعيش فيه إلى ركام، وجاري القتيل لا يزال تحت أنقاض منزله. الحكومة الانتقالية وعدت بإعمار المدينة، ونعيش حتى الآن بأمل أن نجد حلاً للسكن الآمن وفرصة عمل تقينا الحاجة والسؤال".
ويعمل العثمان حارساً ليلياً في مستودع مقابل راتب شهري زهيد لا يتجاوز 75 دولاراً شهرياً، ويساعده ابنه البالغ 16 عاماً والذي يعمل في ورشة خياطة بدلاً من الذهاب إلى المدرسة.  

إلى ذلك فقد كثير من العائدين وثائقهم الرسمية أثناء النزوح واللجوء ما يُعيق حصولهم على خدمات أو استعادة ممتلكاتهم، علماً أن قضايا الملكية تشكل تحدياً كبيراً بسبب تدمير السجلات العقارية، فالعودة من دون وثائق تضعهم في مواجهة البيروقراطية السورية التي لا تزال تعاني من تعقيد. 
تقول سارة عمران (38 عاماً) التي عادت من تركيا بعد 7 سنوات من اللجوء، لـ"العربي الجديد": "وجدت أن غرباء يقطنون في منزلي باللاذقية". في إسطنبول، كانت سارة مدرسة خصوصية للغة العربية، لكن مع تدهور الاقتصاد وزيادة الكراهية، طُردت من شقتها لأن المالك لا يريد سوريين. وعندما عادت وجدت أن بيت العائلة يحتله أفراد في مليشيا تابعة لفلول النظام السابق، وهي تعيش الآن عند أقارب في انتظار أن تستطيع السلطات إعادة منزلها. تقول: "يسألني أطفالي هل هذا هو الوطن الذي حلمت به. كانوا يتخيلون الوطن جنة، لكنهم الآن يرون شوارع وعرة ومدارس مدمّرة ومنازل مغتصبة وحقوقاً ضائعة". 
وتحاول سارة إيجاد نسخة عن السجل العقاري الذي يثبت ملكيتها للمنزل، لكنها لم توفق بذلك بعدما فقدت الأوراق، خصوصاً أن مليشيات النظام السابق تخلصت من وثائق يملكها لاجئون معارضون. وتقول: "ليست العودة الحل بل بداية معاناة جديدة أمام وطن مدمّر يحتاج إلى سنوات لإعادة البناء، ومجتمع ممزق بين الماضي الأليم والحاضر المرير، ودول مضيفة تدفع اللاجئين إلى العودة من دون ضمانات كافية". 
وتؤكد منظمات محلية أن الدعم الدولي لإعادة الإعمار لم يرتق بعد إلى الحد الأدنى المطلوب، في ظل استمرار العقوبات المفروضة على سورية، وتقييد حركة الأموال والمنظمات.
ولا شك في أن عودة أكثر من 372 ألف لاجئ سوري تطوّر مهم لكنه لا يشير بالضرورة إلى نهاية أزمة اللجوء، فالكثير من العائدين يواجهون واقعاً أصعب مما تركوه خلفهم، في حين أن مئات الآلاف لا يزالون يراقبون المشهد بحذر، ويسألون إذا كانت العودة حقاً هي بداية جديدة، أم مجرد انتقال من أزمة إلى أخرى.