المغرب يستعدّ لإغلاق القصر الكبير بعد ارتفاع منسوب سدّ وادي المخازن

03 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 20:22 (توقيت القدس)
لقطة من المغرب وسط الفيضانات، صورة متداولة، 1 فبراير 2026 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه مدينة القصر الكبير في المغرب فيضانات غير مسبوقة، مما أدى إلى إغلاق المدينة وقطع الخدمات الأساسية كإجراء احترازي، وإجلاء آلاف المواطنين إلى مراكز إيواء في مدن مجاورة.
- تسببت الأمطار الغزيرة في ارتفاع منسوب المياه في وادي لوكوس، مما أدى إلى إجلاء أكثر من 50 ألف شخص، مع استمرار السلطات في اتخاذ تدابير استباقية بالتنسيق مع الجهات المعنية.
- يعكس الوضع تأثير التغير المناخي، مما يستدعي تحسين إدارة السدود والتخطيط العمراني الوقائي، والانتقال من إدارة الأزمات إلى التكيّف المسبق مع الظروف المناخية المتطرفة.

يستعدّ المغرب لإغلاق مدينة القصر الكبير كلياً، بعد ساعات قليلة، مع قطع خدمات الكهرباء والمياه والإنترنت، تحسّباً لمزيد من الفيضانات التي وُصفت بأنّها "غير مسبوقة"، وفقاً لما أعلنه رئيس جماعة (بلدية) القصر الكبير محمد السيمو، مساء اليوم الثلاثاء. أضاف المسؤول المحلي أنّ لجنة اليقظة أعلمتهم بأنّ أمامهم ساعات معدودة فقط، مع بلوغ المياه مستويات خطرة في المدينة الواقعة شمال غربي البلاد، إذ "بدأت المياه تصعد من تحت الأرض، فيما عاد وادي لوكوس ليفيض من جهة البحر في داخل المدينة".

وكانت حالة من الترقّب الحذر قد سادت مدينة القصر الكبير، بعد ارتفاع منسوب سدّ وادي المخازن، سادس أكبر سدود البلاد، ليبلغ مستوى قياسياً مع 945 مليون متر مكعّب، أي بنسبة ملء وصلت إلى 140%، في وقت تسابق فيه السلطات المحلية الزمن من أجل إجلاء آلاف المواطنين من أحياء في المدينة كانت تُصنَّف آمنة حتى وقت قريب.

وأوضح السيمو، في التصريحات الصحافية التي أدلى بها مساء اليوم، أنّ على الرغم من الآمال السابقة بتسجيل انفراج ما أو تراجع حدّة الوضع في المدينة، "لم يعد أمام السلطات من خيار آخر إلا الإغلاق الكامل". وأشار إلى أنّ الساعات المقبلة حاسمة بالنسبة إلى من تبقّى من سكان في داخل المدينة، معرباً عن أمله بأن "تمرّ هذه المرحلة بسلام من دون تسجيل وفيات". وتابع أنّ السلطات المحلية باشرت، منذ ساعات، عملية إجلاء مواطنين سبق أن لجأوا إلى مراكز إيواء، نظراً إلى الارتفاع المتزايد في حقينة سدّ وادي المخازن. وبيّن المسؤول المحلي أنّ الجهات المعنية تعكف حالياً على تجهيز مراكز جديدة للإيواء، في كلّ من طنجة وتطوان والمضيق، لاستقبال العائلات التي يجري إجلاؤها من القصر الكبير.

وكانت السلطات المعنية في المغرب قد أجلت بالفعل، حتى بعد ظهر اليوم الثلاثاء، أكثر من 50 ألف شخص، منذ يوم الجمعة الماضي، في شمال غرب البلاد، معظمهم في تدابير احترازية تحسّباً لفيضانات كبيرة وسط هطول أمطار غزيرة، وفقاً لما جاء في بيانات وزارة الداخلية المغربية. وقد تركّزت عمليات الإجلاء في مدينة القصر الكبير بإقليم العرائش، على بعد نحو 200 كيلومتر إلى شمال العاصمة الرباط، بعدما شهدت أمطاراً غزيرة تسبّبت في فيضانات في الأيام الأخيرة، علماً أنّها تقع على مسار نهار لوكوس. كذلك أُجلي سكان من ضواحي مدينة سيدي قاسم القريبة من نهر سبو، مع العلم أنّ لوكوس وسبو يُعدّان من أكبر أنهار البلاد.

وتعيش مدينة القصر الكبير، منذ يوم الأربعاء الماضي، حالة استنفار قصوى، تحسّباً لمخاطر ارتفاع منسوب مياه وادي لوكوس، التي تسرّبت إلى بعض الأحياء المنخفضة في المدينة. وتواصل السلطات المحلية تفعيل حالة التأهّب واتّخاذ إجراءات استباقية في هذا المجال.

وقد وضعت الواردات المائية القياسية في المغرب نتيجة متساقطات مطرية استثنائية عرفتها جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أقصى شمالي البلاد، في الأسابيع الأخيرة، سدّ وادي المخازن في صدارة منظومة الحماية من مخاطر الفيضانات بمدينة القصر الكبير. ووفقاً لمعطيات رسمية، حقّق ملء سدّ وادي المخازن نسبة قياسية لم تُسجَّل منذ بدء استغلاله في عام 1979، بوصولها إلى 140%، الأمر الذي استوجب استنفاراً كبيراً في المنطقة، ودفع إدارة السدّ التابعة لحوض لوكوس المائي، إلى اتّخاذ إجراءات عمل مشدّدة لتتبّع حالة المنشأة المائية.

بالتزامن، تتخوّف السلطات المحلية في مدينة القصر الكبير من فتح بوابة السدّ المحتمل اليوم الثلاثاء، وممّا ستؤول إليه أوضاع وادي لوكوس الذي سيرتفع منسوب المياه فيه، الأمر الذي قد يحدث فيضانات قوية. وبيّن مسؤولو وكالة حوض لوكوس المائي أنّ السدّ في حالة تقنية جيدة، ويؤدّي دوره الوقائي بطريقة فعّالة، بفضل منظومة التتبّع والتدبير الاستباقي التي فُعّلت لمواكبة وضع الأحوال الجوية الاستثنائي.

في هذا الإطار، يقول الخبير البيئي المغربي مصطفى بنرامل لـ"العربي الجديد" إنّ الوضع الناتج من بلوغ حقينة سدّ وادي المخازن نحو 945 مليون متر مكعّب، أي ما يعادل 140% من طاقته العادية، يمكن قراءته من زاويتَين مترابطتَين؛ تقنية ومجالية - مناخية. ويوضح بنرامل أنّ "من الناحية التقنية والهندسية، فإنّ هذا المستوى القياسي لا يعني بالضرورة أنّ السدّ في وضع خطر وشيك، لأنّ السدود الكبرى، ومن ضمنها سدّ وادي المخازن، تُصمَّم بهوامش أمان تسمح باستيعاب الفيضانات الاستثنائية عبر المفيضات". يضيف أنّ "الوصول إلى نسبة 140% يضع المنشأة في وضعية يقظة قصوى، تتطلب تتبعاً آنياً لتدفقات الواردات المائية والمتساقطات المرتقبة، وتشغيلاً دقيقاً ومتحكّماً فيه لبوابات التفريغ، بالإضافة إلى تنسيق محكم مع مديرية الأرصاد الجوية والسلطات المحلية لتفادي أيّ تصريف مفاجئ قد يفاقم خطر الفيضانات أسفل الحوض، خصوصاً في مدينة القصر الكبير".

ومن الناحية البيئية والمجالية، يرى الخبير المغربي أنّ "هذا الرقم القياسي يعكس بوضوح تحوّل نمط المتساقطات المرتبط بتغيّر المناخ، إذ صارت الأمطار قصيرة المدّة وعالية الشدّة، وكذلك مركّزة زمنياً، الأمر الذي يفوق أحياناً منطق التدبير الكلاسيكي القائم على المعدّلات السنوية". ويلفت بنرامل إلى أنّ "الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في السدّ، بل في هشاشة المجال أسفل الوادي، إذ ثمّة تجمّعات سكنية وبنى تحتية في داخل المجال الفيضي الطبيعي لوادي لوكوس، الأمر الذي يجعل أيّ تفريغ اضطراري، وإن كان تقنياً مبرراً، ذا كلفة اجتماعية وكذلك بيئية مرتفعتَين".

ويتابع بنرام: "نحن أمام وضع دقيق، لكن من الممكن التحكّم به تقنياً، شرط استمرار التدبير الاستباقي والشفّاف لعمليات التفريغ، والتواصل الواضح مع السكان، ومراجعة نماذج التوقّع والتدبير على المدى المتوسّط، بما في ذلك التفكير في حلول مكمِّلة؛ من بينها تهيئة مجرى الوادي ومناطق توسّع فيضي وتعزيز التخطيط العمراني الوقائي". ويبيّن أنّ "ما يحدث في سدّ وادي المخازن ليس واقعاً معزولاً، بل مؤشّر إنذار يدعو إلى انتقال المغرب من منطق تدبير الأزمات إلى منطق التكيّف المسبق مع مناخ أكثر تطرّفاً".

في سياق ما تعيشه هذه المنطقة من حالة ترقّب، كان لافتاً توجيه لجنة اليقظة بالبدء بعمليات إفراغ المنازل من ساكنيها، خصوصاً في أحياء الديوان والمرينة وطريق العرائش والأندلس، وذلك بعد أن كانت السلطات قد أجلت أكثر من 50 ألف شخص، أي نحو نصف سكان مدينة القصر الكبير.

ويأتي كلّ ذلك مع استمرار هطول الأمطار، منذ الأسبوع الماضي، فيما توقّعت المديرية العامة للأرصاد الجوية في المغرب تواصل المتساقطات حتى يوم غدٍ الأربعاء في عدد من أقاليم الشمال الغربي، بحسب ما بيّنت في نشرة إنذار محدّثة من مستوى يقظة "أحمر"، علماً أنّ الأمطار المتوقّعة قوية أحياناً ورعدية إلى جانب ثلوج ورياح قوية.