الاحتلال يواصل اعتداءاته على الصليب الأحمر اللبناني

13 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 21:57 (توقيت القدس)
بعد استهداف مركز للصليب الأحمر في صور، جنوبي لبنان، 13 إبريل 2026 (كونت حاجو/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهد جنوب لبنان تصعيدًا خطيرًا من الجيش الإسرائيلي، حيث استهدفت طائرات مسيّرة مركبات إسعاف ومراكز للصليب الأحمر اللبناني، مما أدى إلى استشهاد المسعف حسن بدوي وإصابة آخرين، في خرق واضح للقانون الدولي الإنساني.
- أدانت جمعية الصليب الأحمر اللبناني واللجنة الدولية للصليب الأحمر الهجمات، مؤكدين على ضرورة حماية العاملين في المجال الإنساني والطبي، وشدد الأمين العام لاتحاد جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر على أن العاملين الإنسانيين ليسوا أهدافًا عسكرية.
- أشار وزير الصحة اللبناني السابق إلى أن الهجمات تهدد بتدهور الرعاية الصحية في جنوب لبنان، وأكدت منظمات حقوقية عدم وجود أدلة تدعم الادعاءات الإسرائيلية باستخدام المرافق الصحية لأغراض عسكرية.

بعد ساعات قليلة على الجريمة الإضافية التي ارتكبها جيش الاحتلال باستهدافه مركبة إسعاف على طريق بلدة بيت ياحون التابعة لقضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية جنوبي لبنان، مساء أمس الأحد، الأمر الذي أدّى إلى استشهاد مسعف من جمعية الصليب الأحمر اللبناني وإصابة آخر، أغارت طائرة مسيّرة معادية على مركز للجمعية في مدينة صور بمحافظة لبنان الجنوبي ظهر اليوم الاثنين.

وبالتزامن مع الاستهداف الإسرائيلي في صور، كانت مراسم دفن مسعف الصليب الأحمر الشهيد حسن بدوي وديعةً تُقام في بلدة الشويفات الواقعة إلى الجنوب من العاصمة بيروت، وذلك في انتظار نقل جثمانه إلى مسقط رأسه بعد وقف جيش الاحتلال عدوانه المتواصل على لبنان منذ الثاني من مارس/ آذار الماضي. ومع استشهاد بدوي، يكون عدد شهداء القطاع الصحي في لبنان قد ارتفع إلى 88 شهيداً، إلى جانب 195 جريحاً، وفقاً لآخر البيانات الصادرة عن وزارة الصحة العامة اللبنانية عصر اليوم، التي أفادت بأنّ إجمالي عدد شهداء العدوان وصل إلى 2,089 وعدد الجرحى إلى 6,762.

وكان مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع للوزارة قد أصدر بياناً، مساء أمس، أعلن فيه أنّ "العدو الإسرائيلي استهدف بطريقة مباشرة (...)، وفي خرق إضافي للأعراف والقانون الإنساني الدولي، فريقاً إسعافياً للصليب الأحمر اللبناني في بلدة بيت ياحون قضاء بنت جبيل، ما أدّى إلى استشهاد مسعف وإصابة مسعف آخر بجروح". أضاف أنّ "الوزارة تتوجّه بالتعازي إلى الصليب الأحمر وكلّ الهيئات الإسعافية العاملة في مناطق النزاع في لبنان، التي تقدّم التضحيات الجسام التزاماً برسالتها الإنسانية". وتابع المركز أنّ "الوزارة تؤكد أنّها ستعمل على رفع الدعاوى الدولية لضمان محاسبة هذه الارتكابات".

وكانت جمعية الصليب الأحمر اللبناني قد أعلنت، في بيان أصدرته مساء أمس، تعرّض فرقها لـ"استهداف مباشر من مسيّرة إسرائيلية، ما أدّى إلى استشهاد المسعف حسن بدوي وإصابة مسعف آخر بجروح طفيفة"، مشيرةً إلى أنّهما نُقلا إلى مستشفى تبنين الحكومي في قضاء بنت جبيل. وأوضحت الجمعية أنّ فرقها عمدت، قبل القيام بالمهمّة المذكورة، إلى التنسيق المطلوب وأجرت الاتصالات اللازمة مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) من أجل "تأمين المسار الآمن للوصول وللحماية"، كذلك أبلغت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالمهمّة، وذلك مثل ما هو معتمد في كلّ المهام التي تنفّذها طواقمها في المناطق الحدودية جنوبي لبنان.

واستنكرت جمعية الصليب الأحمر اللبناني، في بيانها، ما تتعرّض له طواقمها، ودانته، مؤكدةً أنّها "تقوم بواجبها الإنساني وملتزمة بالمبادئ الأساسية، خصوصاً الحياد وعدم التحيّز والاستقلالية والإنسانية"، مشدّدةً على أنّ "هذا الاستهداف هو استمرار للخروقات الواضحة والصريحة لقواعد القانون الدولي الانساني بمندرجاته كافة".

حسن بدوي "شهيد الإنسانية"

وفي بيان آخر، نشرته اليوم الاثنين، نعت جمعية الصليب الأحمر اللبناني المسعف حسن بدوي الذي "استشهد متأثّراً بجروحه، التي أصيب بها من جرّاء استهداف مباشر من مسيّرة إسرائيلية في أثناء تأدية واجبه الإنساني في تنفيذ مهمّة إسعافية في بلدة بيت ياحون (...) بتاريخ 12 إبريل/ نيسان 2026". وجاء في بيان النعي أنّ الشهيد حسن بدوي، البالغ من العمر 31 عاماً، كان قد تطوّع في مركز تبنين للصليب الأحمر بمحافظة النبطية، في عام 2012، وأنّه "كان من المسعفين الذين حملوا راية الإنسانية والوقوف إلى جانب الضعفاء في السلم كما في الحرب". أضافت الجمعية أنّه كان "طوال مسيرته عنواناً للانضباط والاحترام، ونموذجاً حقيقياً للالتزام بالمبادئ الأساسية، ولم يتوانَ عن تلبية نداء استغاثة مهما بلغت التحديات".

وأكدت جمعية الصليب الأحمر اللبناني أسفها لخسارة "أحد متطوعيها المتفانين في العطاء الإنساني"، مشدّدةً على أنّ "المسعفين والطواقم الطبية ليسوا أهدافاً عسكرية ومن الواجب حمايتهم تطبيقاً للقانون الدولي الإنساني بمندرجاته كافة، وكذلك للمواثيق الدولية وقرارات المؤتمرات الدبلوماسية". وشدّدت على أنّ "متطوعيها سيواصلون درب الإنسانية أينما كان، من أجل تخليص الأرواح والمحافظة على كرامة الإنسان".

إنقاذ الأرواح لا يجب أن يكلّف حياةً

من جهتها، عبّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن "حزن عميق" إزاء "قتل مسعف الصليب الأحمر اللبناني حسن بدوي (...) في أثناء تنفيذه مهمّة إنقاذ طارئة". ونعت، في بيان أصدرته اليوم، "هذه الخسارة المأساوية"، وتقدّمت بـ"أحرّ التعازي من ذويه وزملائه"، أضافت "كذلك نتضامن مع زميل آخر من الصليب الأحمر اللبناني أُصيب في الواقعة نفسها". وشدّدت على "وجوب احترام العاملين في المجال الإنساني والطبي وحمايتهم، من أمثال بدوي، في أثناء تأديتهم مهامهم، ويقترن هذا الالتزام باحترام الشارة الحامية".

كذلك أشارت اللجنة إلى "شعور بصدمة عميقة" من جرّاء "الاستمرار في إلحاق الأذى بالعاملين في المجالَين الإنساني والطبي في لبنان"، وشدّدت على "وجوب حماية" هؤلاء. وأوضحت أنّ الأذى يشمل "قتل مسعفين وإصابة آخرين بجروح في أثناء قيامهم بمهامهم المنقذة للحياة"، محذّرةً من أنّ "إنقاذ الأرواح لا يجب أن يكلّف حياةً".

في هذا الإطار، وصفت رئيسة بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان أنييس دور "فقدان الذين يكرّسون حياتهم لإنقاذ الآخرين" بأنّه "أمر مقلق جداً، نظراً إلى تأثير ذلك على المدنيين الذين يعتمدون على مساعدتهم". وذكّرت اللجنة "أطراف النزاع كلها بضرورة ضمان احترام الطواقم الطبية والمستشفيات والوحدات الطبية الأخرى وكذلك مركبات الإسعاف (...) وحمايتها في كلّ الظروف"، وأكدت "وجوب اتّخاذ كلّ التدابير الممكنة لضمان سلامتها".

العاملون في المجال الإنساني ليسوا أهدافاً

بدوره، دان الأمين العام والرئيس التنفيذي لاتحاد جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر جاغان تشاباغين "بشدّة" الهجوم الذي استهدف مركبة إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني وقتل مسعف وجرح آخر، وشدّد على أنّ "العاملين في المجال الإنساني ليسوا هدفاً (عسكرياً)".

وأفاد تشاباغين بأنّه يشعر بـ"صدمة وحزن شديدَين إزاء مقتل المسعف حسن بدوي من الصليب الأحمر اللبناني وإصابة زميل له، في أثناء قيامهما بمهمّة إنسانية في بنت جبيل بمحافظة النبطية جنوبي لبنان في 12 إبريل/ نيسان الجاري". أضاف أنّ "الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر يوجّه خالص تعازيه لأسرة حسن، ويتمنّى الشفاء العاجل للجريح".

وإذ أوضح تشاباغين أنّ "شعار جمعية الصليب الأحمر واضح على مركبات الإسعاف وطواقمها، وهو يظهر على كلّ الجوانب"، كرّر دعوة الاتحاد إلى ضرورة احترام طواقم الإسعاف والطواقم الطبية وموظفي ومتطوّعي الصليب الأحمر اللبناني وكذلك حمايتها في كلّ الأوقات". وبيّن أنّ حسن بدوي هو "ثاني متطوّع من الصليب الأحمر اللبناني يُقتَل في أثناء تأدية واجبه منذ الثاني من مارس الماضي"، مشدّداً على "وجوب وضع حدٍّ لهذا".

تصعيد خطر على الرعاية الصحية في جنوب لبنان

وفي استهداف اليوم، أغارت طائرة مسيّرة إسرائيلية على مركز لجمعية الصليب الأحمر اللبناني في مدينة صور، قبل وقت قليل من ساعة الظهيرة. وأفادت معلومات نقلتها الوكالة الوطنية للإعلام (الرسمية) أنّ الهجوم وقع في خلال ملاحقة سائق دراجة نارية بالقرب من مركز الجمعية، مشيرةً إلى ارتقاء سائق الدراجة وتضرّر عدد من مركبات الإسعاف.

يُذكر أنّ منظمة الصحة العالمية راحت تحذّر، منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان قبل أكثر من شهر وعشرة أيام، من استهداف العاملين في المجال الإنساني، ولا سيّما المسعفين. وقد أصدر المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في أكثر من مرّة، بيانات ومناشدات في هذا الإطار.

في سياق متصل، علّق وزير الصحة العامة اللبناني السابق فراس الأبيض على استهداف فرق الصليب الأحمر اللبناني واستشهاد مسعف وجرح آخر، واصفاً "قتل حسن بدوي" بأنّه "نذير شؤم وتصعيد خطر للهجمات الإسرائيلية على الرعاية الصحية في جنوب لبنان". ولفت إلى أنّ "ذلك يأتي بعد وفاة مسعف آخر من الصليب الأحمر اللبناني في مارس/ آذار الماضي؛ يوسف عسّاف". أتى ذلك في تدوينة نشرها الأبيض على موقع إكس، تساءل في ختامها: "لماذ يكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة؟"، قبل أن يتبعها بسلسلة تدوينات متلاحقة فصّل فيها مقصده.

وأوضح وزير الصحة العامة اللبناني السابق أنّ "جمعية الصليب الأحمر اللبناني لا تنتمي إلى أيّ جهة سياسية"، وأنّ "مهامها محدّدة بوضوح ومنسّقة بدقة مع وكالات الأمم المتحدة"، مؤكداً تنسيق المهمّة الأخيرة مع "اليونيفيل". ورأى بالتالي أنّ "لا أساس لتصنيف هذه المهمّة إلا أنّها إنسانية".

أضاف الأبيض أنّ الأمر "لا يقتصر على الخسائر البشرية فقط. في الجنوب، تُعَدّ مركبات الإسعاف شريان حياة. فإلى جانب إجلاء الجرحى ونقل المرضى، توصل الأدوية والدم وحتى الغذاء، الأمر الذي يساعد المستشفيات للاستمرار في عملها". وشدّد على أنّ "من خلال تعرّض هذه المركبات للهجوم، يفقد المدنيون الباقون في جنوب لبنان أحد آخر مصادر الرعاية الصحية".

وتابع الأبيض أنّ بيانات مركز طوارئ الصحة العامة المحدّثة، أمس الأحد، تفيد بأنّ "الخسائر فادحة في قطاع الرعاية الصحية: 87 قتيلاً و190 جريحاً في القطاع الصحي، مع تضرّر ستّة مستشفيات و23 مركزاً للرعاية الصحية الأولية ومستوصفاً، بالإضافة إلى 90 مركبة"، مع العلم أنّ "الهجمات الإسرائيلية وقعت بمعظمها في جنوب لبنان". يُذكر أنّ الحصيلة ارتفعت، وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عصر اليوم، لتصير 88 شهيداً و195 جريحاً، إل جانب تضرّر 25 مركز رعاية صحية أولية و101 مركبة.

ولفت وزير الصحة العامة اللبناني السابق، في تدويناته الأخيرة، إلى أنّ "منظمة العفو الدولية أفادت بأنّ الادّعاءات الإسرائيلية الأخيرة باستخدام مركبات الإسعاف أو المراكز الصحية لأغراض عسكرية لا تستند إلى أيّ دليل. كذلك أكدت منظمة العفو الدولية ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" بعدم توفّر أيّ دليل على استخدام عسكري في الهجمات التي أجرتا حولها تحقيقات في لبنان".

وحذّر الأبيض من أنّ "الهجمات الإسرائيلية المتعمّدة على مركبات الإسعاف وفرق الإسعاف الأولي والمرافق الصحية تشير مجتمعةً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ التدهور الممنهج للرعاية الصحية في جنوب لبنان، الأمر الذي يأتي جزءاً من جهد أوسع لجعل حياة المدنيين هناك لا تُطاق بطريقة متزايدة، حتى بعد أيّ وقف (محتمل) لإطلاق النار".