اضطراب مناخي غير اعتيادي يضرب أوروبا... صقيع قياسي وفيضانات مدمرة

18 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 16:48 (توقيت القدس)
التغير المناخي يصيب غرينلاند، 12 يناير 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد أوروبا منذ 2026 تناقضات مناخية حادة، حيث يعاني شمال وشرق القارة من صقيع قطبي، بينما تسجل غرينلاند طقساً دافئاً، نتيجة تباطؤ التيار النفاث القطبي.
- شمال أوروبا يعاني من برد قارس يؤثر على البنية التحتية للطاقة، بينما تشهد غرب وجنوب غرب القارة أمطاراً وفيضانات قياسية، مما يسبب خسائر كبيرة.
- تمتد الظواهر المتطرفة إلى شمال أفريقيا، حيث تسببت الأمطار في فيضانات بالمغرب وتونس، مما يعكس نمطاً مناخياً غير مستقر يتطلب جهوداً للتكيف.

تشهد أوروبا منذ مطلع عام 2026 حالة مناخية استثنائية تتسم بتناقضات حادة وغير مألوفة: صقيع قطبي قارس في الشمال والشرق، يقابله طقس دافئ نسبياً في غرينلاند، وأمطار قياسية وفيضانات واسعة في الغرب والجنوب. هذا المشهد المتباين يرتبط، بحسب خبراء، بتباطؤ غير معتاد في التيار النفاث القطبي، ما أدى إلى اضطراب واسع في توزيع الكتل الهوائية فوق القارة.

في شمال أوروبا، عانت الدنمارك من أسابيع طويلة من البرد القارس، حيث سُجّلت في مدينة هولباك حرارة قياسية بلغت -16.6 درجة مئوية. وامتد تأثير الكتل القطبية إلى أوكرانيا، التي تشهد أقسى شتاء منذ سنوات، مع درجات حرارة تهبط ليلاً إلى ما دون 20 درجة تحت الصفر، في وقت تعاني فيه البلاد من أضرار واسعة في البنية التحتية للطاقة نتيجة الحرب، ما فاقم معاناة السكان، وخصوصاً الأطفال، في التدفئة والكهرباء.

في المقابل، سجّلت غرينلاند مفارقة لافتة، إذ كانت العاصمة نوك أكثر دفئاً من الدنمارك خلال الأسابيع الأولى من العام، مع متوسط حرارة بلغ 0.1 درجة مئوية في يناير/كانون الثاني، في مؤشر على اضطراب لافت في الأنماط المناخية التقليدية، واستمرار ذوبان الجليد البحري بوتيرة غير مسبوقة. وتبدأ بواخر نقل الركاب إلى شمال غرينلاند الإبحار يوم الجمعة القادم بدل الانتظار إلى شهر إبريل/نيسان كما هو معتاد، بسبب الذوبان المبكر للكتل الجليدية البحرية.

أما في غرب القارة وجنوب غربها، وفقاً لمركز المناخ الأوروبي الرئيسي كوبرنيكوس، فقد كان المشهد مختلفاً تماماً. شهد جنوب المملكة المتحدة في يناير/كانون الثاني الماضي الشهر الأكثر رطوبة منذ 190 عاماً، فيما سجلت أيرلندا الشمالية أعلى معدلات أمطار منذ قرن ونصف تقريباً. واستمرت الأمطار في فبراير/شباط، مع هطول متواصل في لندن لأكثر من أربعين يوماً، ما أدى إلى فيضانات وارتفاع قياسي في منسوب المياه الجوفية، وأثار مخاوف المزارعين من فيضانات ربيعية واسعة.

برد لأسابيع في الدنمارك (العربي الجديد)
ثلوج وبرد في الدنمارك (العربي الجديد)

وضربت العواصف والأمطار الغزيرة غرب فرنسا وشبه الجزيرة الإيبيرية، حيث فاضت أنهار عدة في الجنوب الغربي الفرنسي وسُجلت وفيات. وفي إسبانيا، شهدت قرية غرازاليما في الأندلس هطول أكثر من 500 مليمتر من الأمطار في يوم واحد، وهو ما يفوق المعدل السنوي لبعض المدن. كما غمرت المياه أجزاء واسعة من البرتغال، حيث تأثر نحو خُمس مساحة البلاد خلال أسبوع واحد.

وامتدت الاضطرابات إلى إيطاليا، إذ تسببت العواصف في انهيار تشكيل صخري طبيعي شهير في سالينتو في جنوب البلاد، فيما شهدت جبال الألب الغربية تساقط كميات هائلة من الثلوج قد تصل إلى متر في بعض المناطق.

ويربط خبراء هذه الظواهر بتباطؤ التيار النفاث القطبي، وهو حزام من الرياح السريعة في طبقات الجو العليا ينظم حركة الكتل الهوائية. ومع تحركه جنوباً بشكل غير معتاد هذا العام، تدفقت موجات برد قطبية إلى شمال أوروبا وشرقها، في حين ظلت مناطق الغرب والجنوب تحت تأثير منخفضات أطلسية رطبة وعواصف متكررة. 

ذوبان متزايد للثلوج (العربي الجديد)
ذوبان متزايد للثلوج (العربي الجديد)

وأودت العواصف والفيضانات بحياة نحو 19 شخصاً في فرنسا، وإسبانيا، والبرتغال، بينهم ضحايا مباشرون بسبب الرياح العاتية وغمر المياه، وآخرون في أعقاب الانهيارات والتداعيات المرتبطة بهذه الأحوال القاسية. كما تسببت موجات البرد القارس في شمال القارة وشرقها بانقطاع الكهرباء، وتعطيل خدمات التدفئة، واضطراب حركة القطارات والمطارات، ما عمّق معاناة السكان، خصوصاً في أوكرانيا، مضيفاً بعداً إنسانياً شديد الحساسية لهذه الظواهر المناخية المتطرفة.

ولا يوجد حتى الآن إجماع علمي قاطع حول مدى ارتباط هذا الاضطراب المباشر بالاحتباس الحراري، إلا أن كثيراً من الباحثين يرون أن الاحترار العالمي قد يساهم في إضعاف استقرار التيارات الجوية، ما يزيد من احتمالات التطرف المناخي.

المشهد لم يقتصر على أوروبا؛ ففي شمال أفريقيا، تسببت أمطار غزيرة في فيضانات واسعة في المغرب وتونس، مع عمليات إجلاء لأكثر من 188 ألف مواطن في المغرب، وخسائر بشرية، في امتداد واضح لنمط الطقس غير المستقر في حوض المتوسط.

هكذا تبدو القارة أمام مشهد مناخي متناقض: صقيع تاريخي في الشرق، دفء غير مألوف في القطب الشمالي، فيضانات مدمرة في الغرب والجنوب. وبين هذه الظواهر المتزامنة، يتعزز الانطباع بأن "الاستثنائي" لم يعد حالة عابرة، بل مؤشراً على مرحلة مناخية أكثر تقلباً وتطرفاً، تتطلب استعداداً أكبر للتكيف، ومزيداً من الجهود للحد من أسباب الاحترار العالمي.