إنذارات الإخلاء... لبنانيون يرفضون مغادرة الجنوب والبقاع
- تتصاعد التهديدات مع اتساع رقعة القرى المشمولة بإنذارات الإخلاء، مما يؤدي إلى نزوح جماعي نحو بيروت وجبل لبنان، حيث يواجه النازحون صعوبات في تأمين مساكن بديلة.
- في ظل غياب خطط رسمية لإدارة النزوح، يواجه الأهالي معادلة قاسية بين تهديدات الإخلاء ومخاطر البقاء، مع استغلال بعض الجهات لمعاناة النازحين.
رغم التهديدات والغارات الإسرائيلية المتواصلة، قرر العديد من أهالي جنوب لبنان والبقاع البقاء في قراهم وبلداتهم لأسباب متباينة أبرزها رفض تكرار تجربة النزوح المريرة التي عاشوها سابقاً.
اختار قسم كبير من أهالي الجنوب اللبناني (محافظتا الجنوب والنبطية) البقاء في قراهم وبلداتهم، مدفوعين بصعوبات تجارب النزوح السابقة، والأوضاع المعيشية الخانقة التي لا تتيح لهم الإمكانيات المادية للنزوح، في حين تتصاعد التهديدات الإسرائيلية مع اتساع رقعة القرى المشمولة بإنذارات الإخلاء التي شملت جميع سكان جنوب نهر الليطاني، لتعيش البلاد مجدداً مشهد النزوح الجماعي، حيث تزدحم الطرق المؤدية إلى العاصمة بيروت وجبل لبنان بالعائلات الهاربة من القصف.
ووجه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى 87 قرية وبلدة في جنوب لبنان، في 3 مارس/آذار، توزعت بين شمال وجنوب الليطاني (ارتفع العدد أمس الأربعاء بعد تحذير الجيش الإسرائيلي جميع سكان جنوب نهر الليطاني بالتوجه فوراً إلى شماله) وطالب سكان هذه البلدات بإخلاء بيوتهم والابتعاد عن القرى لمسافة لا تقل عن 1000 متر، مشدداً على أن كل من يوجد بالقرب من عناصر حزب الله ومنشآته ووسائله القتالية يعرّض حياته للخطر.
بالتزامن، تلقى لبنانيون في مختلف المناطق، طوال الساعات الماضية، اتصالات ورسائل تحذيرية إسرائيلية عبر هواتفهم المحمولة يُطلب فيها منهم إخلاء أماكن وجودهم فوراً، وذلك في تكرار للحرب النفسية التي اعتمدتها إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تلقى لبنانيون في مختلف المناطق اتصالات ورسائل تحذيرية إسرائيلية، ولا تملك العائلات النازحة دفع قيمة الإيجارات في المناطق الآمنة
ولم تُسجّل موجات نزوح كبيرة في بلدات إقليم التفاح (قضاء صيدا، شمال النهر) بحجم الحرب الماضية. من بلدة كفر ملكي حيث استهدفت حسينية مساء الاثنين الماضي، تقول تيما حمدان لـ"العربي الجديد": "العائلات التي نزحت عاد نحو نصفها بعد الغارة، وهناك حركة شبه طبيعية في البلدة، والمحال التجارية مفتوحة. رغم قدرتنا المادية على المغادرة، إلا أننا لن نترك أرضنا للعدو، وسنتمسك بها".
وتضيف حمدان: "تمّ تفعيل خلية طوارئ في البلدة، وأُرسلت أرقام للتواصل من أجل إحصاء عدد الأفراد في المنازل. نحن أمام عدو غادر، ولا يمكن الشعور بالأمان. مقارنة بالحرب الماضية، تظل المعنويات أعلى والإصرار أكبر، وبتنا نتعايش بطريقة مختلفة، وكل شخص يحاول زرع الطمأنينة في الآخرين. عندما ينقطع التيار الكهربائي نعلم أن صاروخاً سيمرّ فوقنا لتنفيذ غارة، ونتمنى أن تنتهي الحرب في أسرع وقت".
وكحال العديد من العائلات، تقسّم حمدان المهام بين تتبّع الأخبار والاهتمام بالأطفال، خصوصاً مع كون شهر رمضان يتطلب جهداً إضافياً. تقول: "لدي خمسة أطفال، وهم يستمدون القوة مني. طلبنا من سكان البلدة الذين يقطنون في أماكن مفتوحة أو قريبة من الجبال التوجه إلى داخل البلدة، ونشجع بعضنا البعض، ونتبادل الزيارات كنوع من الدعم النفسي".
لا يزال قرابة نصف السكان موجودين في بلدة كفر حتى (إقليم التفاح)، وقد قرر هؤلاء البقاء لعدم شمول القرية بالتهديد، رغم تعرض البلدات المجاورة، مثل بنعفول وعنقون، لغارات إسرائيلية. تقول فاطمة فحص، وهي أم لأربعة أطفال: "هذه المرة ليس لدينا القدرة على المغادرة، لا مادياً ولا نفسياً، ولا يمكن أن نتشرد على الطرق أو ننزح إلى مدرسة مجدداً. حتى لو فرغت القرية من سكانها، فلن أغادر".
من بلدة السكسكية الواقعة على ساحل الزهراني (قضاء صيدا، شمال النهر)، تؤكد الشابة فاطمة سبليني لـ"العربي الجديد": "عائلتي ترفض المغادرة في الوقت الراهن، رغم الغارات. في الحرب الماضية نزحنا إلى منطقة عرمون، واليوم وضعنا المادي المتردي يجعلنا مترددين في النزوح. نفضل البقاء في منزلنا على التشرد على الطرق، لا سيما أننا في شهر رمضان، وسيكون النزوح مريراً. شخصياً، أسهر منذ اندلاع الحرب حتى ساعات الفجر لمتابعة مجموعات الأخبار على (واتساب)، وأشعر بالأمان للنوم في الصباح، فيما تبقى ساعات الليل هي الأصعب".
من البقاع، تؤكد زينة الديراني، من بلدة حوش الرافقة (قضاء بعلبك، محافظة بعلبك الهرمل، شرقي لبنان)، رفضها المغادرة لأسباب عدة. وتقول لـ"العربي الجديد": "كنت أعمل خلال الحرب الماضية في المجال الإغاثي، وعاينتُ ما يحدث في مراكز الإيواء من ظروف غير لائقة. لا أستطيع عيش هذه التجربة مع أولادي، وفي هذه المرة لن نتمكن من استئجار منزل في منطقة آمنة بسبب الأوضاع المادية الخانقة. تركتُ عملي لأنني لم أتحمل تأدية دورين في آنٍ واحد، دوري كأم ودوري في العمل، وحتى اليوم، لم أتعافَ من الآثار، كما أنني لا أرى نفسي وعائلتي ضمن دائرة الاستهداف لعدم انتمائنا إلى أي تنظيم أو طرف سياسي".
في بلدة معركة في قضاء صور (جنوب النهر)، قرر الصيدلي حسن حجازي البقاء رغم شمول بلدته بإنذار الإخلاء. ويقول إن قراره جاء على خلفية ساعات زحمة السير التي قد تصل إلى 15 ساعة. يقول: "الضربات تستهدف أماكن محددة، والتهديد بإخلاء جميع قرى الجنوب يندرج في إطار الحرب النفسية. كوني صيدلياً أيضاً يفرض علي واجبات تجاه أهالي بلدتي لتأمين الأدوية الأساسية".
وعن عائلته، يوضح حجازي: "لا أحد يحبذ البقاء، لكني لم أستطع تأمين منزل بديل، ولا يمكن أن نخرج إلى المجهول كما حصل سابقاً، وهناك استغلال مادي من قبل فئة للاستفادة مالياً. نحو عشر عائلات عادت إلى البلدة بعدما علقت في زحمة النزوح، أو لم تتمكن من دفع المبالغ الطائلة للإيجارات في المناطق الآمنة. محطات الوقود أُقفلت في البلدة، والبنزين متوفر فقط لسيارات الإسعاف، كما أُغلقت المتاجر الغذائية الكبيرة، فيما تفتح متاجر صغيرة لتأمين الاحتياجات الأساسية، ويقصد مجموعة من الشبان المتطوعين مدينة صور يومياً لجلب الخبز وتوزيعه على الأهالي". يتابع: "أرى أن الحرب ستتوسع، فهي حرب إقليمية ستُرسم على نتائجها خريطة الشرق الأوسط. هذا مسار إقليمي، وعندما تقع الحرب يجب أن نكون في خدمة الشعب، كلٌّ حسب موقعه".
في مدينة صور (جنوب النهر)، ينشط الشاب حسن قرعوني في تلبية احتياجات النازحين الذين قدموا إلى المدينة، بعد أن رفض المغادرة مع عائلته رغم الغارات التي استهدفت المدينة، وبلدة العباسية المجاورة، ويقول لـ"العربي الجديد": "نحن شعب لم يعتد الذل، وما تقوم به بعض البلديات والأشخاص من استغلال معاناة النازحين عبر التضييق عليهم، أو طلب إيجارات خيالية، يشبه ما يقوم به العدو الإسرائيلي من ضغوط علينا. نفضل البقاء على التعرض لمضايقات من فئة تنقم على الجنوبيين وخياراتهم الوطنية".
ويرى قرعوني أن ما يحصل هو "خطة ممنهجة لتأليب الرأي العام ضد المقاومة، والدليل ما رأيناه خلال اليومين الماضيين، إذ لم يوجد عنصر من القوى الأمنية لتنظيم حركة سير المواطنين الذين نزحوا، والذين بقوا لساعات طويلة على الطرقات. ما حصل على الطرق دفع العديد من أبناء صور إلى العودة إليها، مفضلين البقاء تحت القصف والتهديد على الذل والاستغلال".
ويتساءل: "أين دور الحكومة؟ هل المطلوب الاستثمار في أوجاع شريحة كبيرة من اللبنانيين؟ ما نراه ينسينا الخطر الإسرائيلي، فقد بتنا نشعر بخطر داخلي نتيجة المضايقات التي تمارسها بعض البلديات، والشروط التي تفرضها على النازحين".
من بلدة سرعين التحتا (قضاء بعلبك)، نظراً لمعارضته قرار الحرب، يقول سامر حسن لـ"العربي الجديد": "هذه الحرب ليست حربنا، بل حرب تخصّ فئة معيّنة، لكننا نعيش في بيئة لا تتقبّل الرأي المعارض. لم نتمكّن من النزوح إلى مكان آمن لأنّنا لا نملك المال، وكلّ ما كنا ندخره صرفناه في الحرب الماضية. لديّ طفلان يعيشان حالة صعبة مع كل غارة تضرب محيطنا، وأشعر بالعجز لعدم قدرتي على توفير الأمان لهما".
ويضيف: "لا أحد يتحمل أن يُهجّر ويترك منزله ومصدر رزقه كل ستة أشهر أو كلّ سنة. أعمل في الزراعة، وحقولي ستتضرّر، ولن أتمكّن من قطف المحصول لأن جميع العاملين غادروا المنطقة، ولا أعرف من سيعوّض علينا. في الحرب الماضية تضرّر بيتي، وأعيش اليوم تحت الخطر، كما أنّ غالبية البيوت تصدّعت من كثرة الغارات".
وبين تهديدات الإخلاء ومخاطر البقاء، يعيش الأهالي معادلة قاسية تتداخل فيها الذاكرة الجماعية للنزوح مع الواقع المعيشي المنهك، وفي ظل غياب خطط رسمية لإدارة النزوح ومنع الاستغلال، يبدو أن كثيرين اختاروا ما يعتبرونه "أهون الشرّين"، وهو البقاء تحت التهديد، حفاظاً على الكرامة، وتجنباً لتكرار تجربة التشرد التي لا تزال جراحها مفتوحة.