أطفال فاقدو السند في تونس... حماية هشّة تضاعف المخاطر
تبرز في تونس مناشدات منظمات المجتمع المدني للتدخل العاجل من أجل حماية أطفال قُصّر فاقدي السند يعيشون ظروفاً هشّة ويبيتون على الأرصفة، في ظلّ تسجيل حالات عنف واستغلال، وسط قصور شامل في منظومة الحماية الرسمية.
تزداد في تونس الدعوات إلى النظر في أوضاع الأطفال فاقدي السند العائلي، بعد تنامي مشاهد الأطفال الذين يعيشون في الشوارع أو يتنقلون بين محطات النقل والأسواق، رغم أنّ جزءاً منهم يُفترض أن يكون مشمولاً بمنظومة الرعاية والحماية. وأخيراً في الخامس من أغسطس/ آب الجاري، طالبت المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط بالتدخل العاجل للتحقق من أوضاع أطفال قُصّر فاقدي السند يعيشون في ظروفٍ هشّة ويبيتون على الأرصفة، معتبرةً أنّ "تلك الحالات تندرج ضمن وضعيات الطفولة المهددة التي تستدعي التدخل العاجل وفقاً لأحكام القانون".
وتُذكّر رئيسة المنظمة ريم بالخذيري بأنّ إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) لعام 2023، تُظهر وجود أكثر من 25 ألف طفل تونسي في وضع هشاشة، معرّضين للعنف والاستغلال، وهو ما يتطلب قرع أجراس الخطر بشأن وضعية هذه الفئة. وفي حديثها إلى "العربي الجديد"، تؤكّد بالخذيري أنّ أعداد الأطفال الذين يُعتبرون في وضع هشّ يواصل الارتفاع داخل المجتمع التونسي، مشيرةً إلى أنّ البحوث الميدانية التي أجرتها المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط أثبتت أنّ التفكك الأسري والطلاق هو السبب الأول لهشاشة الأطفال في تونس، حيث يتخلّى الوالدان بعد الطلاق عن مسؤولية رعاية الأطفال، ويُلقى بهم في الشوارع ليواجهوا مختلف أشكال العنف والاستغلال.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وتتحدث بالخذيري عن حالات استغلال لهؤلاء الأطفال ضمن شبكات دعارة، وتقول: "قُدّر عدد الأطفال في تونس بأكثر من 3.7 ملايين طفل في عام 2022 (أي ما يعادل ثلث السكان)، فيما يُعدّ جزء منهم مُعرّضاً للمخاطر، نتيجة ضعف منظومة الرعاية الأسرية ووسائل الحماية الرسمية التي يُفترض أن تُنفَّذ عبر أجهزة الدولة". وكانت بيانات التعداد العام للسكان والسكنى لعام 2024 قد أظهرت أنّ الأطفال دون سن 18 باتوا يبلغون نحو 3.29 ملايين طفل، بنسبة 27.5% من سكان تونس.
وتلفت بالخذيري إلى أنّ جزءاً من الأطفال المشردين في الشوارع يفرّون من مراكز الإيواء الحكومية بسبب غياب الإحاطة النفسية التي يُفترض أن تمهّد لاندماجهم في هذه المؤسسات. وتضيف: "هناك قصور شامل في المنظومة الرسمية لحماية الأطفال المهددين، ما يستدعي التحقق من نجاعة مراكز الإيواء وقدرتها على توفير بيئة آمنة للأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، في ظلّ تسجيل حالات فرار متكرّرة من بعض المؤسسات، وشكاوى تتعلق بضعف الإحاطة النفسية والاجتماعية".
وينصّ الفصل 52 من دستور تونس على التزام الدولة بضمان الكرامة والصحة والرعاية والتربية والتعليم للطفل، وتوفير كلّ أنواع الحماية للطفل وتحقيق مصلحته الفضلى من دون تمييز. كما تُلزم بنود مجلة حماية الطفل السلطات المعنية كافّة بالتدخل كلما وُجد طفل في وضعية تُهدّد أمنه أو صحته أو سلامته الجسدية أو النفسية أو الأخلاقية أو الاجتماعية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإزالة أسباب الخطر وتأمين الحماية الفورية.
ويقول رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف إنّ مجلة حماية الطفل في تونس توفّر إطاراً قانونياً متقدماً للتدخل عند تعرض الطفل للخطر، إلا أنّ التحدي الأساسي يكمن في توفير الموارد البشرية والمالية الكافية لتطبيق هذه النصوص، وتعزيز الرقابة على مؤسسات الرعاية، وضمان مرافقة الأطفال بعد مغادرتهم. ويؤكّد الشريف لـ"العربي الجديد" أنّ الحماية الحقيقية لا تقتصر على توفير سرير أو وجبة غذائية، بل تتطلب رعاية نفسية مستمرة، وتعليماً جيداً، وإعداداً للحياة المستقلة، فضلاً عن تعزيز نظام الأسر الحاضنة، باعتباره أكثر قدرة على توفير بيئة طبيعية للطفل، مقارنةً بالإقامة الطويلة داخل المؤسسات.
ويتحدث الشريف عن شهادات جمعيات تُظهر أنّ بعض الأطفال يغادرون مؤسسات الرعاية ويختارون العيش في الشوارع، ليجدوا أنفسهم عرضة للاستغلال الاقتصادي أو التسوّل أو الانحراف أو العنف، قبل أن تعيدهم السلطات مجدداً إلى مراكز الإيواء، في حلقة تتكرّر بسبب غياب برامج متابعة فردية طويلة المدى. ويعتبر الشريف أنّ فرار الأطفال من بعض مؤسسات الرعاية يرتبط غالباً بعوامل متداخلة، من بينها نقص التأطير النفسي، وصعوبة التأقلم مع الحياة الجماعية، إضافة إلى الآثار النفسية التي يخلّفها الحرمان من الأسرة.
ولا تقتصر التحديات على سنوات الطفولة، إذ يواجه كثير من فاقدي السند عند بلوغهم سنّ الرشد صعوبة في الاندماج داخل المجتمع بسبب غياب الدعم الأسري وضعف فرص التشغيل والسكن، وهو ما يجعل بعضهم عرضة للهشاشة الاجتماعية حتى بعد مغادرة مؤسسات الرعاية، بحسب الشريف.
وتعتمد منظومة حماية الأطفال فاقدي السند في تونس على شبكة من المؤسسات العمومية والجمعيات المعنية، حيث تتولّى الدولة بالتعاون مع المجتمع المدني، رعاية الأطفال المهملين أو مجهولي النسب أو المولودين خارج إطار الزواج، إضافة إلى الأطفال الذين تعذّر بقاؤهم داخل أسرهم بسبب سوء المعاملة أو الإهمال أو فقدان الوالدين. وتشير بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية إلى وجود 15 جمعية تشرف على 14 وحدة عيش موزعة على عددٍ من الولايات التونسية، حيث تستقبل هذه الوحدات الأطفال حديثي الولادة وحتى عمر السنتين، بطاقة استيعاب تُراوح بين 10 و20 طفلاً لكل وحدة، قبل توجيههم إلى أشكال رعاية أخرى، سواء عبر الأسر الحاضنة أو المؤسسات الاجتماعية المتخصّصة. كما تحصل هذه الجمعيات على منح سنوية من الدولة في إطار عقود برامج لتمويل أنشطتها.
وبالتوازي مع هذه الوحدات، تضمّ منظومة الرعاية العمومية في تونس مركزين للرعاية الاجتماعية للأطفال المهددين، إلى جانب 24 مركزاً للدفاع والإدماج الاجتماعي، وثلاثة مراكز للإحاطة والتوجيه الاجتماعي تستقبل، بصفة ظرفية مؤقتة، الأشخاص فاقدي السند، بمَن فيهم الأطفال في أوضاع الخطر، وذلك بحسب ما ورد ضمن تقرير الخريطة الوطنية لخدمات الوقاية والحماية الموجهة للأطفال في تونس، الذي صدر عن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن ومنظمة يونيسف في يناير/ كانون الثاني 2026.