أجانب الدنمارك... نقاش سياسي ساخن حول ترحيل "المجرمين"
استمع إلى الملخص
- تواجه الدنمارك ضغوطاً دولية بسبب التزاماتها القانونية مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تفسر المادة الثامنة بشكل يحد من ترحيل الأجانب المدانين، مما يثير جدلاً حول سيادة الدول.
- تحاول الحكومة الموازنة بين تشديد سياسة الترحيل والالتزام بالقانون الدولي، مع رفض الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والسعي لتغييرها من الداخل.
بلغ الجدل ذروته بين سياسيين بارزين في الدنمارك استخدموا لغة حادّة وشعارات مباشرة دعت إلى ترحيل "الأجانب المجرمين"، ما أثار نقاشاً واسعاً حول سيادة القانون والالتزامات الدولية.
تشهد الساحة السياسية في الدنمارك تصعيداً غير مسبوق في النقاش والخطاب الخاص بـ"الأجانب المجرمين"، في ظل تنافس سياسي محتدم مع اقتراب استحقاقات تشريعية. وفي 30 يناير/ كانون الثاني الماضي، قدّمت الحكومة الدنماركية مشروع الإصلاح الجديد لقوانين ترحيل الأجانب المدانين جنائياً، في خطوة تهدف إلى إعادة التوازن بين حقوق الضحايا وتعزيز آليات مراقبة المجرمين، وقالت رئيسة الوزراء ميته فريدركسن: "يتعلق الأمر بمن يفسدون الأمور على الجميع. حان وقت التركيز على الضحية بدلاً من الجاني". ودعم هذا الإصلاح الائتلاف الحكومي في الدنمارك الذي يضمّ يسار ويمين الوسط، ويشمل نقاطاً أساسية عدّة تتعلق بالإجراءات القضائية والمراقبة بعد الترحيل.
يأتي ذلك في وقت تواجه كوبنهاغن أزمة عميقة مع واشنطن بسبب قضية غرينلاند، من دون أن يعني ذلك تجميد خطاب التشدد بشأن الهجرة والترحيل. ويبقى السؤال مفتوحاً، ما الثمن القانوني والحقوقي لهذا التحول، وهل الدنمارك مستعدة لاختبار حدود التزاماتها الدولية في سبيله؟
عموماً لا يقتصر هذا الخطاب على حزب المحافظين في الدنمارك، بل يندرج ضمن اتجاه أوسع في عدد من الدول الأوروبية، حيث يتنافس سياسيون من أطياف مختلفة على إظهار التشدد في قضايا الهجرة والجريمة، أحياناً على حساب القوانين والاعتبارات الحقوقية.
ونهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي، صادق وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي على إجراءات جديدة للتشدد في سياسة الهجرة، تمهّد لإرسال مهاجرين الى مراكز خارج حدود التكتل. وأيدت الإجراءات غالبية الدول الـ27 التي خضعت لضغوط اليمين واليمين المتطرف. وتتطلب الإجراءات الجديدة أيضاً موافقة البرلمان الأوروبي.
خطاب سياسي أكثر قسوة
وأخيراً أثارت زعيمة حزب المحافظين في الدنمارك، مونا يول، موجة جدل واسعة بعدما دعت إلى ترحيل أي أجنبي يُحكم عليه بالسجن. واعتبرت أن بقاء هؤلاء المحكومين يدمّر البلد، وقالت: "الخروج، الخروج، الخروج للأجانب المجرمين"، ما وصفه مراقبون بأنه شعار غير مسبوق في السياسة الدنماركية.
وينظم قانون الهجرة الدنماركي مسألة ترحيل الأجانب، وينص مبدئياً على إمكانية ترحيل أي أجنبي يُدان بعقوبة سجن مع مراعاة خاصة لمواطني الاتحاد الأوروبي، لكن التطبيق العملي يخضع للالتزامات الدولية للدنمارك، وعلى رأسها المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية.
وتُلزم تعليمات أصدرتها النيابة العامة الدنماركية عام 2018 بتقديم طلبات ترحيل المدانين أمام المحاكم إذا لم يشكل ذلك انتهاكاً صريحاً للالتزامات الدولية. وفي حال حصلت إشكالات يعود القرار النهائي إلى المحاكم التي توازن بين خطورة الجريمة والروابط الأسرية والاجتماعية للمدانين.
وبخلاف الانطباع الذي تخلقه التصريحات السياسية، تُظهر إحصاءات أن عدد الأجانب المجرمين المدانين محدود نسبياً مقارنة بوجود مئات الآلاف من ذوي الأصول المهاجرة في الدنمارك، وصدرت قرارات بترحيل 800 مدان لم تُنفّذ حتى الآن، ثم أستغل تأخير التنفيذ وضخموا الخطاب الشعبوي الذي إعطى انطباعاً بأن الأرقام هائلة. وقد تلقى مدانون إنذارات بالترحيل بدلاً من تنفيذ الأحكام بسبب اعتبار المحاكم أو النيابة العامة أن الترحيل سيشكّل انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان وفق تفسير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
ويُعدّ الإنذار بالترحيل، في هذه الحالات، بمثابة تحذير قانوني لكن سياسيين، من بينهم مونا يول، يرون أن هذا الإجراء غير كافٍ ويدعون إلى ترحيل شبه شامل للأجانب المتحدرين من خارج الاتحاد الأوروبي الذين يمثلون أمام المحاكم الدنماركية، أو من خلال قرارات طرد إدارية فقط.
وتتعرض المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لانتقادات متزايدة من أطراف سياسية دنماركية تطالب بتوسيع نطاق الترحيل، وتعتبر أن المحكمة تقيّد سيادة الدولة. وتركّز هذه الانتقادات على ما يُسمّى "التفسير الديناميكي" للمادة الثامنة الذي وسّع تدريجياً نطاق حماية الروابط الأسرية والاجتماعية.
ويُقصد بما يُعرف بـ"التفسير الديناميكي" للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تعاملها مع الاتفاقية الأوروبية باعتبارها "وثيقة حيّة" تتطوّر مع تغيّر المجتمعات والقيم، وليست فقط نصاً جامداً يُفسَّر وفق نية من وضعوه عام 1950. وفي ما يتعلّق بالمادة الثامنة، وسّع هذا النهج تدريجياً مفهوم الحق في الحياة الخاصة والعائلية ليشمل الروابط الاجتماعية، ومدة الإقامة، ودرجة الاندماج، ووجود الأسرة والأبناء في البلد المضيف، حتى في حالات الإدانة الجنائية. وهكذا باتت المحاكم مطالبة بإجراء موازنة دقيقة بين خطورة الجريمة من جهة، وتأثير الترحيل على الحياة الأسرية والاجتماعية للفرد من جهة أخرى، وهو ما حدّ في كثير من الحالات من قدرة الدول على ترحيل أجانب مدانين، وأثار في المقابل جدلاً سياسياً واسعاً حول حدود سيادة الدول ودور المحكمة في توسيع نطاق الحقوق من دون تعديل صريح لنصوص الاتفاقية، ما جعل دولاً عدة تتخذ مواقف يمينية متشددة من المحكمة وتفسيراتها.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، دعت 27 دولة أوروبية إلى "إعادة التوازن" بين خطورة الجريمة وحقوق الأجانب المدانين، لكن دولاً كبرى مثل ألمانيا وفرنسا لم تدعم هذا التوجه، ما يقلّل فرص حصول تغيير سريع في اجتهادات المحكمة.
وأعلنت رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن عزم حكومتها تشديد قوانين الترحيل من دون انتظار حصول تغيّر محتمل في ممارسات المحكمة الأوروبية، من خلال إلزام ترحيل الأجانب المدانين بارتكاب جرائم خطيرة والذي يُحكم عليهم بالسجن لمدة عام على الأقل، لكن وزارة العدل حذّرت من "خطر كبير" يتمثل في احتمال إدانة الدنمارك بانتهاك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان إذا طُبّق التشديد، وهذا تحذير صريح نادر في مثل هذه القضايا.
الحكومة بين التشدد والمخاطر القانونية
وفي خضم هذا الجدال، أكدت الحكومة أنها لن تخالف أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حتى لو تعارضت مع رغبتها في ترحيل مزيد من الأجانب من ذوي السوابق الجنائية. وأوضح وزير الهجرة والاندماج راسموس ستوكلوند أن "المخاطرة القانونية لا تعني تجاهل أحكام المحكمة، بل المضي في تشديد السياسة ضمن هامش ترى الحكومة أنه أوسع مما تسمح به الممارسة الحالية".
ورداً على تساؤلات من أحزاب معارضة، من بينها حزب البديل (يسار)، حول ما ستفعله الحكومة إذا صدرت أحكام ضد الدنمارك، قال ستوكلوند: "نعم، نخاطر قانونياً، لكننا نلتزم بأحكام المحكمة". وتوقع أن يؤدي تحرك الدول الـ27 إلى تغيير مسار المحكمة الأوروبية، ليس فقط في تفسير المادة 8 المتعلقة بالحياة الخاصة والعائلية، بل أيضاً المادة 3 التي تحظر الإعادة القسرية إلى دول يُحتمل فيها حصول التعذيب أو معاملة غير إنسانية أو مهينة.
وتصاعد النقاش أكثر بعدما قدّم حزب "ديمقراطيو الدنمارك" اليميني، بزعامة وزيرة الهجرة السابقة المثيرة للجدل إنغا ستويبرغ، اقتراحاً يدعو إلى انسحاب الدنمارك من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إذا لم تُعدّل خلال أربع سنوات بما يتيح حرية أكبر في سياسة الهجرة، لكن الحكومة رفضت هذا الخيار، وأكدت أنها لا تسعى إلى الانسحاب من الاتفاقية، بل إلى تغييرها من الداخل. وفي السياق، قادت الدنمارك نهاية العام الماضي مبادرة لدعم تفسير جديد للاتفاقية.
ويبقى الخلاف الأساسي بين من يدعو إلى ترحيل شبه تلقائي يتجاوز الاعتبارات الحقوقية، كما طرحت مونا يول وحلفائها، وبين حكومة تحاول الموازنة بين تشديد السياسة وإرضاء الرأي العام، والالتزام بالقانون الدولي. ويعكس هذا الجدل تحوّلاً أعمق في الخطاب السياسي الدنماركي، حيث تُستخدم لغة أكثر قسوة وأقل تحفظاً، ويُقدَّم الترحيل كحل بسيط لمشكلة قانونية وإنسانية معقّدة.