واشنطن تعلن آلية جديدة لمراقبة وقف إطلاق النار في لبنان

23 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 14:57 (توقيت القدس)
جنود إسرائيليون في جنوب لبنان، 19 نوفمبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أطلقت الولايات المتحدة آلية جديدة لمراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، بهدف تعزيز الحوار والسلام بين إسرائيل ولبنان، بالتعاون مع وسطاء قطريين وباكستانيين.
- تثير التفاهمات بين واشنطن وطهران مخاوف إسرائيلية من تقييد عملياتها العسكرية في لبنان ومنح شرعية للنفوذ الإيراني، حيث تركز الآلية على إدارة الاحتكاك بدلاً من تفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
- تواجه إسرائيل ضغوطاً أميركية للانسحاب من جنوب لبنان، مما يعتبره نتنياهو تهديداً سياسياً، وسط تحديات دولية ومحلية معقدة.

نتنياهو قلق من أن واشنطن تمنح عملياً شرعية لدور إيران في لبنان

تدخل ديرمر ساهم في منشور تهديد ترامب لإيران إذا لم تكبح حزب الله

أطلقت الولايات المتحدة آلية جديدة لمراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، في خطوة تعكس إدراج الملف اللبناني ضمن التفاهمات الأوسع بين واشنطن وطهران، وتثير في الوقت نفسه مخاوف لدى إسرائيل+ من تقييد حرية عملياتها العسكرية في الأراضي اللبنانية وإضفاء شرعية على النفوذ الإيراني في البلاد.

وأكد مسؤول أميركي أن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أطلقت آلية جديدة لمراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة التطورات الميدانية في لبنان، موضحاً أن الهدف منها هو "وضع حد لأعمال العنف". وأوضح المسؤول، في تصريحات لوكالة الأناضول، أن إطلاق الآلية جاء عقب اتصالات أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، مضيفاً أن واشنطن تعمل على تمكين إسرائيل ولبنان، بوصفهما دولتين ذواتي سيادة، من إجراء حوار يقود إلى السلام والأمن، مع استمرار المباحثات نحو اتفاق شامل بين البلدين. وأشار إلى أن الإدارة الأميركية ستكشف قريباً عن مزيد من تفاصيل هذه الآلية.

وبحسب موقع "أكسيوس"، فإن مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي تنص على إنهاء جميع الأعمال العدائية من قبل الطرفين وحلفائهما، بما يشمل الساحة اللبنانية، مع ضمان وحدة لبنان وسيادته. وذكر الموقع أن إيران لوحت بإلغاء محادثات سويسرا، وإغلاق مضيق هرمز، إذا استمرت الهجمات الإسرائيلية على لبنان، الأمر الذي دفع الملف اللبناني إلى صدارة المفاوضات التي انطلقت الأحد الماضي. وخلصت هذه المباحثات إلى الاتفاق على إنشاء "خلية منع احتكاك" (Deconfliction Cell) بالتعاون مع لبنان، إضافة إلى الوسيطين القطري والباكستاني، بهدف منع أي تصعيد جديد وضمان استمرار وقف إطلاق النار.

ونقل "أكسيوس" عن مصدرين إسرائيليين أن حكومة بنيامين نتنياهو تشعر بقلق متزايد من أن واشنطن تمنح عملياً شرعية للدور الإيراني في لبنان وتحد من حرية الجيش الإسرائيلي في تنفيذ ضربات داخل الأراضي اللبنانية. وترى إسرائيل أن التفاهمات الجديدة تختلف عن آلية وقف إطلاق النار التي رعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، والتي كانت تمنحها حق التحرك.

أما في الصيغة الجديدة، فتبدو حرية العمل العسكري الإسرائيلي محصورة بالتهديدات المباشرة فقط، فيما تتحول الآلية من تنسيق لتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" إلى إدارة الاحتكاك بين الطرفين. كما أن الآلية السابقة كانت تضم إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة وفرنسا، بينما لا تشارك إسرائيل مباشرة في الآلية الجديدة، في حين تحضر إيران فيها.

وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن نتنياهو بات ينظر إلى الشق اللبناني من التفاهم الأميركي الإيراني باعتباره أكثر إثارة للقلق من الملف النووي نفسه، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وأكد مصدر إسرائيلي للموقع أن نتنياهو طلب من مستشاره المقرب رون ديرمر استخدام علاقاته داخل فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمحاولة التأثير على المفاوضات المتعلقة بلبنان.

وأضاف المصدر أن تدخل ديرمر ساهم في صدور منشور لترامب على منصة "تروث سوشال" هدد فيه إيران بضربات عسكرية إذا لم تكبح حزب الله. وأكد مسؤول أميركي أن ديرمر كان على تواصل مستمر مع الوفد الأميركي في سويسرا، وأن المفاوضين أطلعوه على سير المحادثات واستمعوا إلى ملاحظاته.

ونقل "أكسيوس" عن مسؤول لبناني أن الرئيس جوزاف عون مستعد لقبول الآلية الجديدة طالما بقيت بقيادة الولايات المتحدة. كما أجرى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والمبعوث الأميركي جاريد كوشنر اتصالاً بعون لإطلاعه على تفاصيل "خلية منع الاحتكاك". وفي المقابل، حاول مسؤول أميركي رفيع تبديد المخاوف الإسرائيلية، مؤكداً أن إيران موجودة في المشهد اللبناني منذ عقود، وأن وجود قناة اتصال مباشرة بين واشنطن وطهران بشأن لبنان "سيصب في مصلحة إسرائيل". وقال المسؤول: "إسرائيل ليست خارج الآلية لأن الولايات المتحدة جزء منها، ونحن ننسق معها بشكل وثيق للغاية".

ومن المقرر أن يعقد دبلوماسيون إسرائيليون ولبنانيون جولة جديدة من المحادثات المباشرة، اليوم الثلاثاء، في وزارة الخارجية الأميركية، بوساطة وزير الخارجية ماركو روبيو وفريقه. وتبحث هذه المفاوضات خطة تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء من جنوب لبنان مقابل انتشار الجيش اللبناني في تلك المناطق لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ"حزب الله".

غير أن مسؤولين أميركيين يعترفون بأن الوصول إلى اتفاق يؤدي فعلياً إلى نزع سلاح الحزب لا يزال هدفاً بعيد المنال، رغم اعتقاد واشنطن أن آلية "منع الاحتكاك" الجديدة قد توفر بيئة أكثر استقراراً تسمح باستمرار المسار التفاوضي ومنع اندلاع مواجهة عسكرية جديدة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

وتقدر إسرائيل أن الضغط الأميركي على نتنياهو للانسحاب من المناطق التي يحتلها جيشه في جنوب لبنان "سيستمر ويشتد"، وفقاً لما أفادت به صحيفة "معاريف"، اليوم الثلاثاء، نقلاً عن مصادر إسرائيلية أشارت إلى أن انسحاباً كاملاً من لبنان غير ممكن من الناحية السياسية، إذ أوضحت أن انسحاباً كهذا يعني "انتحاراً سياسياً بالنسبة لنتنياهو".

وطبقاً للمصادر ذاتها، يرزح نتنياهو تحت قيود انتخابية ثقيلة، فبعدما استعرض الاحتفاظ بالمنطقة التي سيطرت عليها قوات الاحتلال في جنوب لبنان بوصفه إنجازاً استراتيجياً، لا يمكنه السماح لنفسه بأن يصور على أنه يتراجع تحت ضغط أميركي - إيراني. وأضافت المصادر أن لنتنياهو نمط سلوك معهوداً، يتمثل في أنه "عندما يدرك أنه مضطر إلى التنازل في ساحة ما، فإنه يشدد مواقفه بشكل كبير في ساحة أخرى".

وبينما "امتنع" نتنياهو عن فتح حرب هجومية واسعة على لبنان، إذ وافق فعلياً على إدارة العدوان بـ"وتيرة أقل شدة"، وفق توصيف الصحيفة، يتمسك الآن بإصرار أكبر باستمرار الاحتفاظ بالمنطقة الأمنية ("الخط الأصفر"، الذي يشمل احتلال 55 قرية وبلدة لبنانية). وفي ضوء ذلك، فإن التقدير في إسرائيل هو أن نتنياهو قد يوافق على خطوات تكتيكية محدودة تشمل تعديلات موضعية، أو عمليات نقل نقطية، أو تغييرات في انتشار الجنود، لكنه لن يوافق على انسحاب شامل من لبنان.

وفي موازاة ذلك، ترفض إسرائيل الادعاء بأن بقاء جيشها في جنوب لبنان "بلا جدوى"، إذ تقول مصادر أمنية إن الجيش الإسرائيلي يواصل "تطهير" البنى التحتية وتدمير المنشآت والتمركز في مناطق استراتيجية بالنسبة إلى حزب الله، خصوصاً أن في هذه المنطقة "يوجد أيضاً مجمع عسكري كبير تحت الأرض"، تعمل إسرائيل حوله بـ"حذر وتدرج". وبحسب مسؤولين إسرائيليين، فإن "كل يوم إضافي هناك يساوي أمناً"، على حد تعبيرهم.

وخلف الإصرار الأميركي يكمن، بحسب التقديرات الإسرائيلية، دافع أوسع للإدارة الأميركية يمتد من الهدوء الإقليمي إلى الاستقرار، ثم تحقيق إنجازات سياسية سريعة، وصولاً إلى فتح الباب أمام مشاريع اقتصادية. وقد استثمر مسؤولون أميركيون بالفعل رأسمالاً سياسياً كبيراً في المسار الدبلوماسي مع إيران، ولذلك، بحسب المصادر الإسرائيلية، "من الصعب رؤية تراجع سريع أو عودة إلى مواجهة كاملة".

وفي غضون ذلك، تدرك إسرائيل، بحسب "معاريف"، أن الوقت السياسي ينفد؛ فالمجتمع الدولي لن يقبل لفترة طويلة وجوداً إسرائيلياً في الأراضي اللبنانية، كما أن حزب الله لن يتقبل ذلك، وفي لبنان نفسه تسمع بالفعل ادعاءات بأن إيران تتحدث فعلياً باسم لبنان وتضعف مكانة الدولة اللبنانية، على اعتبار أن الاحتلال الإسرائيلي هو "الذريعة" الإيرانية للتدخل في شؤون لبنان.

إلى ذلك، تقدر المصادر الإسرائيلية أنه إذا حدث انسحاب كامل، فقد يأتي لاحقاً، وربما بعد الانتخابات، وليس نتيجة تنازل فوري من نتنياهو تحت الضغط. وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن القضية تجاوزت بالفعل مسألة الاتفاق النووي أو وقف إطلاق النار، إذ بات الخوف من تحول أعمق في السياسة الأميركية؛ فإيران، التي كانت حتى وقت قريب تُعرض بوصفها تهديداً يجب احتواؤه، تتحول الآن إلى طرف يُدار معه الملف اللبناني، على حد تعبير الصحيفة.