مواجهة عاصفة بين وزير بريطاني ومنظمات بشأن التجارة مع المستوطنات

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 17:09 (توقيت القدس)
آلاف الأشخاص يشاركون في المسيرة الوطنية من أجل فلسطين، لندن 9 أغسطس 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- برر وزير التجارة البريطاني عدم اتخاذ إجراءات ضد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية بوجود "صعوبات تقنية" في تحديد المنتجات، مما أثار انتقادات من المنظمات الإنسانية التي أشارت إلى نجاح دول أوروبية في التمييز بين المنتجات.
- أكدت الحكومة البريطانية على تشجيع وضع ملصقات دقيقة على البضائع المنتجة في المستوطنات، لكنها تواجه انتقادات لعدم اتخاذ إجراءات فعالة لحظر التجارة، حيث تعتبر الإجراءات الحالية غير كافية.
- دعت محكمة العدل الدولية إلى تفكيك المستوطنات، مشيرة إلى تأثيرها السلبي على الاقتصاد الفلسطيني، حيث تحتل 42% من الضفة الغربية وتكبد الاقتصاد خسائر كبيرة.

برّر وزير بريطاني امتناع حكومته عن اتخاذ إجراءات فعلية لمنع التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في فلسطين بوجود "صعوبات تقنية" تحول دون تحديد منتجات المستوطنات المصدرة إلى السوق البريطاني. وجاء التبرير من جانب سير كريس براينت، وزير الدولة للتجارة في وزارة التجارة والأعمال البريطانية، خلال اجتماع عاصف مع وفد يمثل عدداً من المنظمات الإنسانية المناهضة للاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.

وعلم "العربي الجديد" أن الوفد عبّر، خلال الاجتماع الذي عقد يوم الأربعاء الماضي في مقر الوزارة، عن "الإحباط" تجاه موقف الحكومة البريطانية. وقالت مصادر مطلعة على ما دار في الاجتماع إن النقاش كان "صريحاً" و"ساخناً". وأضافت أن الوفد، الذي شارك فيه ممثلو منظمات أوكسفام الخيرية، و"ريد لاين" و"أكشن أيد"، عبّر عن عدم قناعته بتبرير الوزير. وأضافت المصادر أن سير براينت، المسؤول عن ملفات تشمل ضوابط الاستيراد والتصدير، والعقوبات التجارية، واتفاقات التجارة الحرة بين بريطانيا والدول الأخرى، تذرّع بأنه "من الصعب تقنيًا التفريق بين المنتجات المستوردة من المستوطنات وتلك القادمة من إسرائيل" إلى السوق البريطانية. غير أن أحد أعضاء الوفد ردّ بأن الحكومة البريطانية، كغيرها من الحكومات الأوروبية، "تعي تماماً الفرق" بين المنتجات.

الضفة والقرم.. معايير مزدوجة

وعبر عضو في الوفد عن ثقته بأن بريطانيا "لديها الوسائل" التي تمكّنها من رصد منتجات المستوطنات. وأشار إلى أن بعض الدول الأوروبية تمكّنت بالفعل من التمييز بين الصادرات المستوردة من المستوطنات وتلك القادمة من إسرائيل. وبحسب المصادر، لمّح الوزير إلى الحاجة إلى استصدار تشريع لحظر التجارة مع المستوطنات. وفي إشارة غير مباشرة إلى ازدواجية المعايير، قال عضو آخر إنّ كل ما تحتاجه الحكومة هو اتباع الإجراءات القانونية المطبقة على شبه جزيرة القرم الأوكرانية بعد احتلال روسيا لها. وكان العضو يُشير إلى الأدوات القانونية المتاحة بموجب قانون العقوبات ومكافحة غسل الأموال البريطاني الصادر عام 2018.

وأشارت المصادر إلى أن عضواً آخر نبّه إلى أن التزامات بريطانيا وفق القانون الدولي تُلزمها بمنع دخول منتجات المستوطنات من الأساس إلى أسواقها. وألمح إلى أن بريطانيا "تفتقد على ما يبدو الإرادة السياسية" لاتخاذ موقف من التجارة غير القانونية مع المستوطنات ينسجم مع سياستها التي تعتبر المستوطنات غير مشروعة. ولم تستجب وزارة الأعمال والتجارة لطلب "العربي الجديد" التعليق على ما دار في الاجتماع.

غير أن متحدثاً باسم الحكومة، قال لـ"العربي الجديد"، في ردّ مكتوب على سؤال بشأن رفض بريطانيا الاستجابة لمطالب حظر دخول بضائع المستوطنات إلى أسواقها، بأن البضائع المنتجة في المستوطنات "لا يحق لها الاستفادة من التعريفات الجمركية والمزايا التجارية"، بموجب الاتفاقيات القائمة بين بريطانيا وإسرائيل.

وفي مواجهة الضغوط الشعبية المتزايدة، تقول الحكومة إنها "تشجّع على وضع ملصقات دقيقة" على البضائع، بما في ذلك البضائع المنتجة في المستوطنات غير القانونية في فلسطين "لتجنب تضليل المستهلكين وتعزيز الشفافية". وتضيف أنه في حال وجود شكوك حول المنشأ المعلن للبضائع، تجري مصلحة الضرائب والجمارك البريطانية "عمليات تدقيق" للتحقق من المنشأ وضمان الامتثال للقواعد الضريبية. غير أنها تقرّ بأن المصلحة لا تكشف عن تفاصيل محددة بشأن عمليات التدقيق "خشية أن يؤدي ذلك إلى تقويض جهود الامتثال".

حماس برلماني للضغط

والتقى وفد المنظمات الإنسانية طوال الأسبوع الماضي أيضاً مع لجنتي التنمية الدولية، والتجارة والأعمال في مجلس العموم (البرلمان البريطاني)، وأعضاء من حزب الديمقراطيين الليبراليين، ولجنة برلمانية تضغط لفرض عقوبات على إسرائيل. وتولت منظمة أوكسفام ترتيب زيارة الوفد إلى بريطانيا ضمن جولة أوروبية تسعى للضغط على الحكومات والبرلمانيين والسياسيين الأوروبيين للتوعية بالمخاطر المدمرة للاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.

وشارك في الوفد ثلاث شخصيات فلسطينية قادمة من الضفة تتمتع بخبرة في قطاعات الاقتصاد والتجارة والأعمال والعمل الإنساني بهدف شرح الآثار المدمرة للمستوطنات على حياة الفلسطينيين واقتصادهم. وفي لقاء جماهيري، استضافه البيت الفلسطيني في لندن مساء يوم الجمعة الماضي، رفضت الشخصيات الثلاث الكشف عما دار في المناقشات مع المسؤولين البريطانيين "حفاظاً على السرية". غير أن وسام أحمد، الخبير في التنمية والعمل الإنساني في الضفة، كشف عن أن الوفد "لم يسمع سوى كلامٍ خطابيّ".

وعلى المستوى البرلماني، قال وسام "شعرنا بوجود حماس إيجابي من جانب النواب للحصول على معلومات" بشأن كيفية التحرك لمقاومة الاستيطان وتجريم التجارة مع المستوطنات. وأضاف أن الحكومات الأوروبية، بما فيها البريطانية، "أكثر استجابة للضغوط الشعبية والبرلمانية الداخلية من استجابتها لضعوطنا نحن". وقال جميل سوالمه؛ مدير منظمة "أكشن أيد" في فلسطين، "لدينا إيمان بقدرة الناس في الغرب على الضغط" على الحكومات لإزالة الاستيطان.

إجراءات غير فعّالة ضد المستوطنات

واستعرض زياد عنبتاوي، رجل الأعمال ومؤسّس مجموعة الأرض، معاناة المنتجين والمصدرين الفلسطينيين في الوصول إلى الأسواق، بسبب العراقيل الإسرائيلية. وطالب الحكومات الغربية بفتح الأسواق للمنتجات الفلسطينية التي أكد أنها أكثر جودةً من الإسرائيلية، سواء المنتجة في إسرائيل أو في المستوطنات غير القانونية.

وكانت خمس منظمات دولية قد طالبت الحكومة البريطانية بحظر التجارة مع الشركات والمشروعات المقامة في المستوطنات والاستثمار فيها، ووقف التعامل مع قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي التي تدعم احتلال الضفة الغربية. وفي خطاب مشترك إلى الحكومة البريطانية في أواخر مارس/ آذار الماضي، قالت تلك المنظمات إن بريطانيا "لم تتخذ إجراءات ذات مغزى" رغم أنها تُقرّ منذ فترة طويلة بعدم قانونية المستوطنات الإسرائيلية.

وهذه المنظمات هي "المركز الدولي للعدالة للفلسطينيين" و"الحرب على الفقر" و"شبكة العمل القانوني الدولي" و"حملة مناهضة تجارة الأسلحة" و"العدالة العالمية الآن".

وكانت الحكومة البريطانية قد فرضت عقوبات على أربعة مستوطنين وسبعة كيانات استيطانية عام 2024. غير أنّ الخطاب المشترك اعتبر هذه الإجراءات غير فعالة أو كافية لأنها لم تؤثر على مشروع الاستيطان الإسرائيلي الآخذ في التوسع. وجاء فيه أن الحكومة البريطانية "لم تمس البنية الأساسية الحكومية والوزراء، الذين يشجعون ويوسعون المستوطنات".

وتقول التقارير الدولية الموثوقة إن هناك 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية المحتلة، وزعت الحكومة الإسرائيلية السلاح على نحو 20 ألفاً منهم. وطالب الخطاب الحكومة البريطانية بأن "تحظر التجارة مع المستوطنات والاستثمار في المشروعات المقامة فيها، وفي قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعزز الاحتلال غير القانوني، إذا أردات الوفاء بالتزاماتها الدولية".

خسائر فادحة تعمق المعاناة

وكانت محكمة العدل الدولية قد دعت في يوليو/ تموز 2024 إلى تفكيك المستوطنات، وإنهاء الاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية بأسرع ما يمكن. كما أكدت أن على المملكة المتحدة، وغيرها من الدول، "التزاماً هائلاً وعاجلاً" بعدم المساعدة في الإبقاء على الاحتلال. ووفق تقارير منظمات دولية، فإن المستوطنات غير القانونية تحتل 42% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، كما تسيطر على غالبية مصادر المياه فيها.

وفي أحدث تقاريرها عن الاستيطان والتجارة غير المشروعة معه، أكدت منظمة أوكسفام أن الاحتلال الإسرائيلي كبّد الاقتصاد الفلسطيني نحو 50 مليار دولار أميركي بين عامي 2000 و2020.
وحسب التقرير الصادر في سبتمبر/ أيلول الماضي وشارك في إعداده أكثر من 80 منظمة دولية، فإن التكاليف المباشرة للاحتلال تشكل 23.3% من الناتج الإجمالي للضفة. وحذر التقرير من أن الدول والمؤسسات التي تتاجر مع المستوطنات غير القانونية في الأراضي الفلسطينية "تعمق مباشرة الأزمة الإنسانية الناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي الذي طال أمده".

وفي تصريحاته لـ"العربي الجديد"، نفى المتحدث باسم الحكومة البريطانية الاتهامات الموجهة لبلاده بتشجيع أو دعم أي نشاط اقتصادي في المستوطنات. وأضاف "ننصح من يفكرون في مثل هذا النشاط بالاستعانة بمشورة قانونية ملائمة".