مصلحة صينية بوقف الحرب مع إيران عند هذا الحد

09 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 01:06 (توقيت القدس)
فو كونغ في مجلس الأمن، نيويورك، 7 إبريل 2026 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، مع دعوة باكستان لجولة جديدة من المفاوضات في إسلام آباد، وتشجيع الصين لإيران على الاتفاق.
- لعبت الصين دورًا مهمًا في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات باستخدام نفوذها الدبلوماسي، مع دعمها لجهود الوساطة ووقف إطلاق النار، والتأكيد على أهمية الحوار الدبلوماسي.
- استفادت الصين من الأزمة بتعزيز صورتها كقوة سلمية، وتقييم القدرات العسكرية الأميركية، مع قلقها من نتائج غير مرغوبة كإسقاط النظام الإيراني.

بعد ساعات قليلة من تهديده بـ"موت حضارة بأكملها"، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب

مساء أول من أمس الثلاثاء، وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، رغم أن الجانب الإيراني الذي وافق على وقف إطلاق النار المؤقت، بوساطة باكستانية، يرى أن ذلك لا يعني نهاية الحرب، إذ إن طهران تتحدث عن استكمال تفاصيل "مبادئ كأساس للمفاوضات" خلال الأسبوعين المقبلين. وبينما دعت باكستان إلى عقد جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، في إسلام آباد يوم غد الجمعة، كانت وسائل إعلام تشير إلى أن الصين شجعت إيران على الاتفاق، في الساعات التي سبقت انتهاء مهلة الإنذار الذي وجهه الرئيس الأميركي، ما طرح تساؤولا حول مصلحة صينية بانتهاء الحرب.

أما ترامب، الذي من المقرر أن يسافر إلى بكين في مايو/ أيار المقبل، للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، فقد صرّح لوكالة فرانس برس، مساء الثلاثاء، بأنه يعتقد أن الصين ساعدت في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، قائلاً في مكالمة هاتفية مع الوكالة، بشأن ما إذا كانت بكين ضالعة في هذا الشأن، إن "هذا ما أسمعه". في الأثناء نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أول من أمس، عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين لم تسمِّهم، قولهم إن إيران وافقت على وقف إطلاق النار ليس فقط بسبب الجهود الدبلوماسية المستمرة التي تبذلها باكستان، ولكن أيضاً لأن حليفتها الرئيسية الصين، تدخلت في اللحظة الأخيرة، وحثت طهران على إظهار المرونة وتخفيف التوترات من أجل منع الوضع في الشرق الأوسط من الخروج عن السيطرة.

ولم يصف المسؤولون الصينيون علانية مشاركة بكين بمساعي الحوار بين واشنطن وطهران في الفترة التي سبقت الاتفاق، وبالتالي لم تبرز أي مصلحة صينية بشكل مباشر. وعندما سُئلت، أمس الأربعاء، عما إذا كانت الصين قد ساعدت في إقناع إيران بالموافقة على الاتفاق، لم تؤكد المتحدثة باسم وزارة الخارجية في بكين ماو نينغ، أو تنفِ ضلوعها، قائلة فقط بشكل عام إن الصين ستواصل "الحفاظ على التواصل مع جميع الأطراف ومواصلة العمل نحو تهدئة التوترات وتحقيق وقف شامل لإطلاق النار". وأضافت أن الصين ترحب بإعلان الأطراف المعنية التوصل إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار، معربة عن دعمها لجهود الوساطة التي بذلتها دول مثل باكستان، مشيرة إلى أن الصين لطالما كانت تعمل من أجل وقف إطلاق النار وحل النزاعات عبر القنوات الدبلوماسية. وذكرت أن بكين تأمل أن تتعاون جميع الأطراف لتمكين استئناف حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن.

"فيتو" الصين في مجلس الأمن

رغم وجود مصلحة صينية في انتهاء الحرب، إلا أنه قبل اتفاق وقف إطلاق النار بيوم واحد، كانت الصين قد استخدمت، مع روسيا، حق النقض "فيتو" في مجلس الأمن ضد مشروع قرار قدمته البحرين، يتيح استخدام القوة لحماية الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. وقال فو كونغ، المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، إن إجراءات مجلس الأمن يجب ألا تمنح ترخيصاً لاستخدام القوة، فضلاً عن أنها ستزيد من حدة التوترات وتصب الزيت على النار. وأشار إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا في خضم المفاوضات التي كانت جارية، ضربات عسكرية على إيران، دون تفويض من مجلس الأمن، مؤكداً أن ذلك يُعد انتهاكاً صارخاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه والأعراف الأساسية للعلاقات الدولية. 

تقارير دولية
التحديثات الحية

وفي الختام، أشار إلى أن روسيا والصين قدمتا بشكل مشترك مشروع قرار إلى مجلس الأمن (بديل)، آخذين بالاعتبار احتياجات جميع الأطراف لحل القضايا ذات الصلة، مضيفاً أن "نص مشروع القرار هذا موضوعي وعادل، ويهدف إلى تهدئة التوترات، والدعوة إلى الحوار والمفاوضات، والحفاظ على حقوق الملاحة وحرياتها". ولاحقاً قالت الخارجية الصينية تعليقاً على استخدام حق النقض، إن تصويت الصين "موضوعي ونزيه ويمكن أن يصمد أمام التاريخ"، مضيفة أن "المسودة المقدمة من الصين وروسيا (مشروع القرار البديل) موضوعية وعادلة وملتزمة تخفيف التوتر. نعتقد أنها ستحظى بدعم جميع الأطراف".

وتكرّس وجود مصلحة صينية بالعودة إلى الحوار، بعدما ذكرت وكالة الأنباء الصينية شينخوا، في وقت سابق أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، انخرط في دبلوماسية مكوكية مكثفة، حيث أجرى عشرات المكالمات الهاتفية مع إيران وإسرائيل وروسيا ودول الخليج والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بهدف تعزيز محادثات السلام وخفض حدة التوترات. وخلال هذه المكالمات، أكد وانغ يي مجدداً موقف الصين، مشدداً على أن وقف إطلاق النار الفوري يمثل الأولوية القصوى، معارضاً في الوقت نفسه أي إجراءات من شأنها تصعيد المواجهة أو تعريض السلام الإقليمي للخطر، إلى جانب تأكيد الالتزام الراسخ بمقاصد ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ الأساسية للقانون الدولي.

وقد أفردت وسائل إعلام صينية رسمية، أمس الأربعاء، مساحة كبيرة للحديث عن اتفاق وقف إطلاق النار. وقالت صحيفة غلوبال تايمز الحكومية، إن الطرفين، إيران والولايات المتحدة، عالقان في مأزق مؤلم، وإن استمرار الصراع كان سيجعل تكاليف الحرب باهظة بشكل متزايد. لذا، تتوافق المفاوضات مع تطلعات الطرفين، حسب الصحيفة، التي لفتت إلى أن من المرجح جداً، على المدى القريب، أن تُجري الولايات المتحدة محادثات متوازية مع إسرائيل وإيران في آن واحد. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تستمر إسرائيل وإيران في موقفهما العدائي تجاه بعضهما البعض.

جهود الوساطة 

في تعليقه على دور الصين وجهدها الدبلوماسي، قال أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية، جيانغ لي، لـ"العربي الجديد"، إن موقف بكين منذ بداية الأزمة كان واضحاً، وظل ثابتاً على مدار أيام الحرب، حيث دعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والتخلي عن العقوبات الأحادية والضغوط العسكرية، والعودة إلى مسار الحوار والتفاوض، وحل الخلافات بالوسائل الدبلوماسية. واليوم يأتي الحديث، وفق جيانغ لي، عن دور صيني في الوساطة على لسان الرئيس الأميركي، "ما يؤكد مدى الجهد الدبلوماسي الذي لعبته بكين في هذا الاتجاه"، لافتاً إلى أن "إشارة ترامب إلى الصين أكدت ضمنياً مساهمتها الفعلية في الوساطة".

جيانغ لي: الصين لم تكن متفرجة واستخدمت نفوذها في إحداث خرق أفضى في نهاية المطاف إلى وقف النار

وفي رأيه "قد أظهر هذا الموقف لكثير من المشككين أن بكين تلعب دوراً بطريقتها الخاصة، في الشؤون المعقدة للشرق الأوسط، وكذا الملفات والأزمات الإقليمية والدولية، وأنها لم تكن طوال الفترة الماضية مجرد متفرج، بل كانت مشاركة حقيقية، استخدمت خلالها نفوذها في إحداث خرق أفضى في نهاية المطاف إلى وقف النار".  مصلحة صينية تبرز في سياق أوسع نطاقاً، إذ رأى أن "الصين من خلال اتصالاتها الثنائية والمبادرات التي قدمتها، تُجسّد المُثل والقيم السلمية، ما يعكس بطبيعة الحال تنامي نفوذها في الشؤون الدولية، ويدحض الروايات الغربية التي تحدثت عن محدودية دورها في بؤر التوتر". ويؤكد ذلك، بحسب جيانغ لي، "ما شددت عليه بكين مراراً: أن الحوار والقنوات الدبلوماسية هي الطريق المختصر والأمثل لحل الصراعات، وأن الاحتكام للغة القوة لن يجرّ إلا إلى الموت والدمار والتسبب بأضرار لجميع الأطراف".

مصلحة صينية ومكاسب

من جهته، فصّل الباحث في الشؤون الدولية، لي تشونغ، في حديث مع "العربي الجديد"، مكاسب الصين من هذا الانخراط، قائلاً إنه مع اشتداد وتيرة الحرب خلال الأسابيع الماضية، "كانت بكين تدوّن الملاحظات وتستخلص العبر، إذ مثّلت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة بالشراكة مع إسرائيل، فرصة للقيادة الصينية لتقييم القدرات العسكرية الأميركية ومدى صلابتها في فترات الحروب". واعتبر أن ذلك "من شأنه أن يعطي لمحة لصنّاع القرار في بكين عن كيفية إدارة الموارد العسكرية وطريقة استثمارها على نحو أمثل، فضلاً عن الارتدادات العكسية (لمثل هذه الحرب)". وقال إن ذلك "يندرج في إطار التقييم الاستراتيجي، ما يسهل من عملية صنع القرار في الأوقات الحرجة".

لي تشونغ: خدمت الحرب صورة الصين كقوة سلمية لا تنخرط في النزاعات العسكرية ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى

أما من المنظور السياسي، فقد خدمت الحرب، وفق لي تشونغ، صورة الصين "كقوة سلمية لا تنخرط في النزاعات العسكرية ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى، في وقت يعيد في الحلفاء النظر إلى الولايات المتحدة وقدراتها التكتيكية وجدوى مظلتها الأمنية". وأضاف أن ذلك يأتي "بعد أن رسخت أميركا فكرة الهيمنة وقانون الغاب، والدوس بكل أنانية وغطرسة على مصالح الدول الصديقة في سبيل تحقيق مكاسب خاصة تتلخص في شعار استعلائي، أميركا أولاً".

وفي رأيه، يبدو أن هناك مصلحة صينية ما في دخول الصين بقوة على خط الوساطة لوقف الحرب في هذا التوقيت، عازياً ذلك إلى أنّ "بكين تعتقد أنّ الأزمة وصلت إلى حد لا يمكن التغاضي عنه، وإلا فستخرج الأوضاع عن نطاق السيطرة". ورجّح ان تكون الصين أدركت "أن المضي قدماً في شن الهجمات العسكرية الأميركية قد يتسبب مع مرور الوقت في إسقاط النظام الإيراني، وهذا ليس في مصلحتها، بالرغم من أن طهران أظهرت ثباتاً وصموداً كبيرين". وأوضح أن ذلك "تزامن مع بروز علامات على حجم التورط الأميركي في الحرب، عكستها تصريحات ترامب المتضاربة وغير المتزنة، ما أعطى انطباعاً عاماً بأن واشنطن على استعداد في هذه المرحلة للنزول عن الشجرة، خصوصاً مع ارتفاع التكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب".