- يسعى ماغيار لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، متعهداً بتخفيف التوترات والسعي للإفراج عن الأموال الأوروبية المجمدة، مع مواجهة تحديات الإصلاح القضائي ومكافحة الفساد.
- يواجه ماغيار تحديات جيوسياسية، خاصة مع روسيا وأوكرانيا، محاولاً الموازنة بين تحسين العلاقات مع بروكسل والحفاظ على دعم قاعدته الشعبية، مع اقتراح استفتاء بشأن عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي.
وسط أجواء احتفالية غير مسبوقة في بودابست، أدى رئيس الوزراء المجري الجديد بيتر ماغيار
اليمين الدستورية، معلناً نهاية حقبة امتدت 16 عاماً هيمن خلالها فيكتور أوربان على الحياة السياسية في البلاد. ولم يكن المشهد بروتوكولياً تقليدياً، بل بدا أقرب إلى احتفال شعبي واسع حمل رسائل سياسية عميقة، عكست حجم التوقعات المعلّقة على الرجل الذي قاد حزب "تيسا" إلى فوز كاسح في انتخابات 12 إبريل/نيسان.ففي ساحة البرلمان المجري، اختلط التصفيق بالموسيقى والرقص مساء السبت، بينما حاول ماغيار تقديم نفسه باعتباره بداية "المجر الجديدة"، قائلاً إن البرلمان "لن يكون بعد اليوم رمزاً للقمع وغطرسة السلطة". وبالنسبة لكثير من المجريين، لم يكن المشهد مجرد انتقال للسلطة، بل لحظة سياسية نادرة تعكس رغبة شعبية في إنهاء سنوات الاستقطاب الحاد والفساد والصدام المستمر مع الاتحاد الأوروبي.
ولهذا، ركّز ماغيار منذ خطابه الأول على فكرة "المصالحة الوطنية"، داعياً المجريين إلى تجاوز الانقسامات السياسية التي غذّاها الاستقطاب خلال سنوات حكم أوربان. كما وضع مكافحة الفساد في قلب مشروعه السياسي، متعهداً بمحاسبة المتورطين في إساءة استخدام السلطة والمال العام.
صفحة جديدة مع بروكسل
أول محطات ماغيار الخارجية ستكون بروكسل، في إشارة واضحة إلى رغبته في فتح صفحة جديدة مع الاتحاد الأوروبي بعد سنوات من التوتر مع حكومة أوربان، التي دخلت في صدامات متكررة مع المؤسسات الأوروبية، بسبب ملفات القضاء وحرية الإعلام وحقوق الأقليات. وقد حملت الحكومة الجديدة إشارات رمزية سريعة، أبرزها إعادة رفع علم الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان المجري، بعد أن كانت حكومة أوربان قد أزالته عام 2014. كما تعهّد ماغيار بتخفيف لهجة المواجهة مع بروكسل، والسعي للإفراج عن مليارات اليوروهات من الأموال الأوروبية المجمدة.
لكن الطريق لن يكون سهلاً، فالاتحاد الأوروبي وضع قائمة طويلة من الشروط المتعلقة بالإصلاح القضائي ومكافحة الفساد، إذ تصنف المجر واحدة من أكثر الدول الأوروبية فساداً، إضافة إلى ملفات حرية الصحافة، قبل تحرير الأموال المجمدة التي تُقدّر بنحو 17 مليار يورو. وتدرك بروكسل أن الحكومة الجديدة تملك أغلبية دستورية، لكنها تريد رؤية إصلاحات فعلية على الأرض قبل تقديم أي دعم مالي كبير.
حرب أوكرانيا
وهنا تظهر المعضلة الكبرى: الاتحاد الأوروبي يريد من بودابست إنهاء سياسة العرقلة التي اتبعها أوربان تجاه أوكرانيا، بينما يخشى ماغيار خسارة جزء مهم من قاعدته الشعبية المحافظة إذا انحاز بالكامل إلى الموقف الأوروبي. وفي محاولة للموازنة بين الطرفين، أعلن رئيس الوزراء الجديد دعمه تحسين العلاقات مع بروكسل، لكنه تحدث أيضاً عن تنظيم استفتاء وطني بشأن عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، وهي خطوة قد تتحول إلى اختبار سياسي بالغ الحساسية.
ويحاول ماغيار تقديم نفسه إصلاحياً براغماتياً يدرك حساسية التوازن بين بروكسل والمزاج القومي المحافظ في الداخل، إذ إن أي انحياز حاد للاتحاد الأوروبي قد يثير غضب قاعدته الشعبية، فيما قد يؤدي التباطؤ في الإصلاحات إلى فقدان ثقة أوروبا والأسواق. ويبقى التحدي الأكبر أمامه في حجم الآمال المعلقة عليه. فالرجل يقود تحالفاً واسعاً يضم محافظين سابقين وليبراليين وشباباً غاضبين من إرث فيكتور أوربان، وهو تنوع يمنحه زخماً سياسياً، لكنه يحمل تناقضات يصعب إدارتها. كما أن المطالبة الشعبية بـ"التغيير السريع" قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا عجزت الحكومة عن تحقيق نتائج ملموسة في ملفات الاقتصاد والفساد خلال فترة قصيرة.
الشعبوية الأوروبية إلى أين؟
ما تشهده دول الاتحاد الأوروبي ليس انهياراً لليمين الشعبوي بقدر ما هو إعادة تشكيل له. فسقوط نموذج فيكتور أوربان يحمل دلالة رمزية قوية، لكنه لا يلغي استمرار الجاذبية الواسعة للخطاب القومي في ظل أزمات الهوية والهجرة والتضخم والحرب.
وفي رومانيا، يصعد اليمين القومي بقوة عبر جورج سيميون وحزب "تحالف وحدة الرومانيين"، مستفيداً من الغضب الشعبي تجاه الأوضاع الاقتصادية وتدخل بروكسل، مع اقتراب شعبيته من 35%. لكن هذه الشعبوية الجديدة تختلف عن النموذج المجري؛ فهي أكثر عداءً لروسيا وأكثر التصاقاً بالخطاب القومي الأطلسي، انطلاقاً من الخوف التاريخي من موسكو والحرب على حدود أوكرانيا.
وهكذا، لم يعد اليمين الشعبوي الأوروبي جبهة موحدة، بل انقسم بين تيارات قومية معادية لروسيا في بولندا ورومانيا ودول البلطيق، وأخرى أكثر تشكيكاً في دعم كييف كما في المجر وسلوفاكيا. كما بدأ الناخب الأوروبي يميز بوضوح بين "الشعبوية الاحتجاجية" و"الشعبوية الحاكمة"؛ فحين تتحول الحركات القومية إلى أنظمة مرتبطة بالفساد وتراجع المعيشة وتآكل المؤسسات، تصبح أكثر عرضة للتمرد الشعبي الذي أوصلها إلى السلطة. ولهذا، تبدو أوروبا اليوم أمام صراع جديد لا يدور فقط بين اليمين واليسار، بل بين رؤى متنافسة حول السيادة والهوية والأمن في قارة تعيش أخطر تحولات منذ نهاية الحرب الباردة.