استمع إلى الملخص
- ضبطت "نشرة علماء الذرة" "ساعة نهاية العالم" عند 85 ثانية قبل منتصف الليل، مشيرة إلى السلوك العدواني للقوى النووية وتدهور الرقابة على الأسلحة كعوامل تزيد من مخاطر الكارثة.
- رغم انتهاء المعاهدة، تلتزم روسيا والولايات المتحدة بقيودها، لكن التوترات قد تؤدي إلى سباق تسلح جديد، مع تعزيز الترسانات النووية عالمياً.
تنتهي اليوم الخميس صلاحية معاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "نيو ستارت"، آخر اتفاقية بين واشنطن وموسكو للحد من التسلح النووي، وسط اهتمام ضعيف من الإدارة الأميركية، في مقابل تحذير روسيا من التأثيرات السلبية لانتهاء المعاهدة على الأمن العالمي. وفي حين أكدت الخارجية الروسية أن روسيا مستعدة لعالم "من دون قيود" على الأسلحة النووية، شدد مكتب الأمين العام للأمم المتحدة لصحيفة إزفستيا الروسية، أول من أمس الثلاثاء، على ضرورة إنشاء نظام جديد للحد من التسلح النووي يستجيب للتغيرات المتسارعة في الوضع الدولي. ووصف نائب المتحدث باسم المنظمة الدولية فرحان حق حلول اليوم الخميس وانتهاء العمل بمعاهدة "نيو ستارت"، بأنه "لحظة عصيبة على السلام والأمن".
ساعة نهاية العالم تقترب
وفي مؤشر إلى حجم المخاطر من انزلاق العالم إلى صراع نووي، دقت منظمة "نشرة علماء الذرة" ناقوس الخطر. ومع تراجع الآمال بالتوصل إلى اتفاق لتمديد المعاهدة، وللمرة الثالثة في السنوات الأربع الأخيرة، ضبط علماء المنظمة عقارب "ساعة نهاية العالم" عند 85 ثانية فقط قبل منتصف الليل، أي أقل بأربع ثوان مما كان عليه الوضع قبل عام، من النقطة النظرية التي يمكن أن تحدث فيها مواجهة نووية تنهي العالم. وعزا العلماء الذين يحذرون منذ عام 1947 من انزلاق العالم إلى حرب نووية مدمرة، تقريب الموعد، في 27 يناير/ كانون الثاني الماضي إلى السلوك العدواني للقوى النووية روسيا والصين والولايات المتحدة، وتدهور الرقابة على الأسلحة النووية، والصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط، ومخاوف الذكاء الاصطناعي، بوصفها جميعا عوامل تؤدي إلى مخاطر وقوع كارثة عالمية.
لدى الولايات المتحدة وروسيا 3100 رأس نووي حالياً
وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أن العرض الروسي لتمديد الاتفاقية لمدة عام واحد إلى حين التوصل إلى معاهدة جديدة ما زال قائماً. وقال إن "الوقت يمر سريعاً، وفي غضون أيام قليلة، سيجد العالم نفسه على الأرجح في وضع أكثر خطورة مما كان عليه حتى الآن". وأضاف: "للمرة الأولى ستصبح الولايات المتحدة وروسيا، الدولتان اللتان تملكان أكبر ترسانات العالمية النووية من دون أية وثيقة أساسية تحدّ من ترسانتيهما النوويتين وتضبطهما". وأكد بيسكوف أن عرض الرئيس فلاديمير بوتين
بشأن تمديد المعاهدة لسنة واحدة ما زال قائماً، مشيراً إلى أن بلاده لم تتلق رداً أميركياً بعد. وكان بوتين قد اعتبر في سبتمبر/ أيلول الماضي، أن بلاده مستعدة للالتزام بالحدود الكمية الأساسية للاتفاقية لمدة عام آخر بعد انتهاء مدتها، شرط أن تقدم الولايات المتحدة الالتزامات نفسها. وحينها، وصف الرئيس دونالد ترامب هذا بأنه "فكرة جيدة"، لكنه لم يُقدم إجابة محددة. وفي مطلع العام الحالي، قلل ترامب من أهمية انتهاء سريان المعاهدة، وقال لصحيفة نيويورك تايمز في 11 يناير الماضي: "إذا انتهت صلاحيتها، فقد انتهت. سنعمل على اتفاقية أفضل". وصرّح بأنه يمكن التوصل إلى اتفاق "أفضل" بعد انتهاء معاهدة "نيو ستارت"، وذلك بإشراك الصين في المفاوضات.وفيما تصرّ الولايات المتحدة على ضرورة إشراك الصين في أي معاهدة جديدة، نظراً لزيادة قدراتها النووية في السنوات الأخيرة، أعلنت روسيا أنها تحترم موقف الصين المعارض للانضمام للمعاهدة، وعلق بيسكوف على موقف الصين بالقول "إن قدراتهم النووية (الصين) لا تُقارن حالياً بقدرات روسيا أو الولايات المتحدة".
وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، أول من أمس الثلاثاء، إن روسيا مستعدة للواقع الجديد، لعالم بلا قيود على الأسلحة النووية، بعد انتهاء سريان معاهدة "نيو ستارت". ورأى ريابكوف، المسؤول الأول عن مراقبة الأسلحة في الخارجية الروسية، أن عدم تفاعل واشنطن مع الطروح الروسية يعد رداً، وقال إن "عدم وجود ردّ هو أيضاً ردّ". وشدّد على أن روسيا لن تقوم بأي بادرة تقارب مع الولايات المتحدة قبل انتهاء معاهدة "نيو ستارت". وأكد الدبلوماسي الروسي أن بلاده لم تفاجأ بالموقف الأميركي، وقال "لقد كنا نحسب ونتوقع حدوث ذلك. لا يوجد ما هو غير متوقع في الأمر، ولا نرى أي مبرر لتضخيم ما يحدث". ومن بكين، أكد ريابكوف أن روسيا تدعم موقف الصين بشأن الحدّ من التسلح. وفي المقابل، أوضح أن انضمام بريطانيا وفرنسا إلى مفاوضات الحد من التسلح ضروري لتحويلها إلى اتفاقية متعددة الأطراف.
في الوقت ذاته، شدّد ريابكوف على أن الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي مستحيل من دون تغيير في السياسة الخارجية الأميركية تجاه موسكو. ورغم تأكيده أن "تحديث الثالوث النووي الروسي (يضمّ الصواريخ البرية، وقاذفات القنابل الاستراتيجية، والغواصات النووية) في مرحلة متقدمة للغاية"، أكد ريابكوف أن بلاده "لا تنوي الاستجابة للاستفزازات والانزلاق إلى سباق تسلح بعد انتهاء المهلة المحددة" للمعاهدة. في المقابل، حذّر ريابكوف من أنه "إذا قامت الولايات المتحدة بضخ الكثير من أنظمة الدفاع الصاروخي إلى (جزيرة) غرينلاند (الدنماركية)، فسيتعين على روسيا اتخاذ تدابير مقابلة في المجال العسكري لديها".
وتعد معاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "نيو ستارت" الأخيرة ضمن سلسلة اتفاقات بدأت في سبعينيات القرن الماضي، وخفضت حجم الترسانة النووية في كل من الاتحاد السوفييتي ووريثته روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى من نحو 63 ألف رأس لديهما إلى نحو 3100 رأس نووي حالياً. وتشكل معاهدة "نيو ستارت" حجر الأساس في اتفاقات التوازن الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي آخر اتفاق تمكن الجانبان من الاتفاق على تمديده بعد انسحابهما في 2019 من معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، وانسحاب واشنطن من اتفاق "السماء المفتوحة" للمراقبة.
ووقّع الرئيسان السابقان، الروسي دميتري ميدفيديف والأميركي باراك أوباما
، على المعاهدة في الثامن من إبريل/نيسان 2010 في عاصمة تشيكيا، براغ، ودخلت حيز النفاد في الخامس من فبراير/شباط 2011. وحلت محل معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية لعام 1991 ومعاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية لعام 2002. يشمل نطاق معاهدة "نيو ستارت" الصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ البالستية التي تُطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة، والرؤوس الحربية المصنفة ضمن هذه الأسلحة، بالإضافة إلى منصات إطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات والصواريخ البالستية التي تُطلق من الغواصات.ونصت المعاهدة أنّ على كل طرف أن يخفض ويحدّ من أسلحته الهجومية الاستراتيجية، بطريقة لا تتجاوز كمياتها الإجمالية بعد سبع سنوات من دخولها حيز النفاذ (وفي المستقبل): 700 رأس للصواريخ البالستية المنتشرة العابرة للقارات، والصواريخ البالستية للغواصات والقاذفات الثقيلة؛ و1550 للرؤوس الحربية عليها؛ و800 وحدة للقاذفات المنتشرة وغير المنتشرة الحاملة للصواريخ البالستية العابرة للقارات والصواريخ البالستية في الغواصات، بالإضافة إلى القاذفات الثقيلة. وأدخلت المعاهدة مفهوم أجهزة الإطلاق والقاذفات "غير المنشورة"، أي تلك التي ليست في حالة استعداد قتالي، ولكنها تستخدم للتدريب أو الاختبار، وبدون رؤوس حربية، بينما اقتصرت معاهدتا "ستارت-1" و"ستارت-2" على الرؤوس الحربية النووية المنتشرة على ناقلات استراتيجية منتشرة. وبمقتضى "نيو ستارت"، يحق لكل طرف في أن يقرر بشكل مستقل تكوين أسلحته الهجومية الاستراتيجية وهيكلها ضمن الحدود الإجمالية التي حددتها المعاهدة، ويمكنه زيادة عددها في إطار الوثيقة. وتضم المعاهدة حظراً على نشر أسلحة هجومية استراتيجية خارج أراضي البلدين.
وتحدد المعاهدة العلاقة بين الهجوم الاستراتيجي (الأسلحة النووية) والأسلحة الدفاعية الاستراتيجية (أنظمة الدفاع الصاروخي)، إضافة إلى حظر تحويل أنظمة إطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات والموجودة على غواصات إلى أنظمة إطلاق لمكافحة الصواريخ البالستية وللاعتراضات الدفاعية، وكذلك إعادة التجهيز عكسياً. ولا توجد قيود على الدفاع الصاروخي. ولكن الطرفين لم يتطرقا إلى ما يُدعى "العودة المحتملة"، إذ يمكن من الناحية الفنية، استعادة الرؤوس الحربية النووية المخزنة ونشر هذا الجزء من الترسانة النووية بسرعة، في حال توقف أي من الجانبين عن الامتثال للمعاهدة. وبحلول الخامس من فبراير 2018، وهو الموعد النهائي لإنجاز تخفيضات الأسلحة الهجومية الاستراتيجية المنصوص عليها في المعاهدة، أعلنت روسيا التزاماتها بالكامل بتنفيذ المعاهدة، من دون أي اعتراض من الولايات المتحدة. كما أعلنت واشنطن الوصول إلى المستويات الكمية الإجمالية المتفق عليها، لكن موسكو اعترضت على ذلك بحجة أن الأميركيين، بالإضافة إلى التخفيضات الفعلية، سحبوا من جانب واحد بعض الأسلحة من المعاهدة.
تصرّ الولايات المتحدة على ضرورة إشراك الصين في أي معاهدة جديدة
لا تتضمّن "نيو ستارت" خياراً لتمديد ثانٍ
ونصّت المعاهدة على تمديد واحد لمدة خمس سنوات، مارسه الطرفان في عام 2021. ولا تتضمن معاهدة "نيو ستارت" خياراً لتمديد ثانٍ. ورغم أن الطرفين ما زالا ملتزمين بقيود المعاهدة فيما يخص الرؤوس الحربية ووسائل الإطلاق وقاذفات الصواريخ، أعلنت روسيا في فبراير 2023 تعليق مشاركتها في المعاهدة من دون الانسحاب منها رسمياً، مؤكدة في الوقت نفسه أنها ستواصل احترام الحدود المنصوص عليها. وقبل ذلك، اتهمت موسكو واشنطن بعرقلة عمليات التفتيش المقررة في إطار المعاهدة والتي جرى تعليقها في سياق الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
في تقييمه السنوي 2024 لحالة التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، خلص معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) إلى أن الترسانات النووية يجري تعزيزها في جميع أنحاء العالم، وأن عدد الأسلحة النووية وأنواعها قيد التطوير قد زاد مع تعميق الدول لاعتمادها على الردع النووي. ولفت التقييم إلى أن الشفافية انخفضت فيما يتعلق بالقوات النووية في روسيا والولايات المتحدة عام 2023، في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، وازدادت أهمية المناقشات حول ترتيبات التقاسم النووي. ومن غير المستبعد أن تذهب الولايات المتحدة إلى تعزيز ترسانتها النووية بمزيد من الصواريخ والقاذفات، من أجل تعزيز قدرتها على ردع روسيا والصين في وقت واحد. ومما يعزز إمكانية الانزلاق إلى سباق تسلح جديد، تحديث روسيا لمعظم مكونات ثالوثها النووي، وتجريب أسلحة جديدة قادرة على حمل رؤوس نووية مثل "بوريفيستنيك"، و"أوريشنيك" و"بوسيدون" في الأشهر الأخيرة. وبعد السجالات بين واشنطن وموسكو منذ خريف العام الماضي، يبدو أن الطرفين باتا أقرب إلى الانسحاب من معاهدة حظر التجارب النووية، وفي حال الوصول إلى هذه النقطة، فإن العالم قد يصل إلى مرحلة اللاعودة في حظر انتشار وتجارب الأسلحة النووية، ما يجعل "ساعة القيامة النووية" تقترب أكثر من نهاية العالم.