دورة أخيرة من "النواب" المغربي: سياق انتخابي وأجندة تشريعية ضاغطة
- التحديات البرلمانية: يواجه البرلمان تحديات الزمن التشريعي الضيق، النجاعة الرقابية، واستعادة الثقة في العمل البرلماني عبر تحسين النقاش وربطه بأولويات المعيشة اليومية.
- الأجندة التشريعية الضاغطة: تركز على تحسين الظروف المعيشية، مواجهة التضخم، وإصدار قوانين هيكلية مثل قانون النقابات ومدونة التعاضد، مع تعزيز الدعم الاجتماعي وتخفيف الضغط الضريبي.
تنطلق في المغرب اليوم الجمعة الدورة التشريعية الربيعية، آخر دورة من ولاية مجلس النواب المنبثق عن انتخابات 2021، في ظل تحديات سياق سياسي خاص يفرضه دنو موعد انتخابات المجلس المقررة في 23 سبتمبر/أيلول المقبل، وزمن تشريعي ضاغط لتسريع إخراج قوانين طال انتظارها.
وتكتسي الدورة الأخيرة من الولاية التشريعية الحالية أهمية خاصة بالنظر إلى كونها محطة لتقييم نهاية ولاية حكومة عزيز أخنوش بما لها وما عليها، والاستعداد لمرحلة سياسية جديدة، ما يجعلها محطة لتقديم الحصيلة ولرسم ملامح المشهد السياسي والبرلماني المغربي لما بعد 23 سبتمبر/أيلول القادم.
وفي السياق، قال رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية في المغرب، رشيد لزرق، لـ"العربي الجديد": "عملياً هي آخر دورة في الولاية التشريعية الحادية عشرة 2021-2026؛ لذلك فهي ليست دورة عادية بقدر ما هي دورة للحصيلة والتدافع السياسي قبل الاستحقاق الانتخابي المقبل".
ولفت لزرق إلى أنه في هذه المرحلة، يواجه البرلمان المغربي ثلاثة تحديات مترابطة: أولها تحدي الزمن التشريعي الضيق بين استكمال القوانين المتبقية ومراقبة تنفيذ الإصلاحات الكبرى، وثانيها تحدي النجاعة الرقابية، لأن الرأي العام لا ينتظر فقط كثرة الأسئلة والجلسات، بل ينتظر أثراً سياسياً وتشريعياً ملموساً. ويكمن ثالث تحدٍّ، وفق لزرق، في استعادة الثقة في العمل البرلماني عبر رفع جودة النقاش، وتقليص الطابع المناسباتي أو الحزبي الصرف، وربط النقاش البرلماني أكثر بأولويات المعيشة اليومية مثل الأسعار، والشغل، والخدمات العمومية. وتابع: "لذلك تبدو هذه الدورة محكومة بمنطقين متوازيين: منطق إنهاء الولاية بأقل قدر من التعثر المؤسساتي، ومنطق التموقع السياسي المبكر لما قبل انتخابات 2026".
من جهة أخرى، رأى لزرق أن الأغلبية تدخل هذه الدورة وهي مطالبة بأكثر من مجرد الدفاع عن الحصيلة؛ فهي مطالبة بتحويل تفوقها العددي إلى فعالية تشريعية وإقناع سياسي، لأن امتلاك الأغلبية داخل اللجان والجلسات لا يكفي وحده إذا ظل الخطاب البرلماني تقنياً وبارداً أو غير قادر على امتصاص الانتقادات الاجتماعية. واعتبر أن قوتها الأساسية هي الانسجام المؤسساتي النسبي وقدرتها على تمرير النصوص، في حين تظهر نقطة ضعفها حين يتحول البرلمان إلى مجرد امتداد تفسيري لعمل الحكومة بدل أن يكون فضاءً لإنتاج مبادرة سياسية مستقلة.
في المقابل، تبدو المعارضة، وفق المتحدث ذاته، "أمام فرصة أخيرة لتثبيت حضورها، لا عبر رفع منسوب الاعتراض فقط، بل عبر تقديم بدائل دقيقة ومقنعة وممارسة رقابة نوعية تركز على الملفات ذات الكلفة الاجتماعية والسياسية العالية. مشكلتها التقليدية ليس في غياب المادة النقدية، بل في صعوبة تحويل هذا النقد إلى ميزان قوى برلماني مؤثر ومستمر".
ورأى لزرق أن الصورة العامة في آخر دورة، هي صورة أغلبية مطالبة بالدفاع عن المنجز، ومعارضة مطالبة بإثبات الجدارة بديلاً، بينما يبقى الرهان الحقيقي هو هل سينجح البرلمان في أن يختم الولاية بمنطق المؤسسة أم بمنطق الحملة الانتخابية المبكرة.
وليس السياق السياسي الذي تأتي فيه الدورة الربيعية ممثلاً في اقتراب موعد انتخابات مجلس النواب في سبتمبر/أيلول المقبل، وحده ما يمنحها زخماً خاصاً، بل أيضاً الزمن التشريعي، حيث تجد الأغلبية البرلمانية وحكومة عزيز أخنوش نفسها في ما تبقى من عمرها، في سباق مع الزمن لمواجهة أجندة تشريعية ضاغطة، من مشاريع قوانين لم تجد بعد طريقها إلى المؤسسة التشريعية، وأخرى محط جدل كبير، وثالثة يسود الغموض مصيرها.
وبحسب المستشار البرلماني عن مجموعة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب خالد السطي، فإنه مع تبقي دورة تشريعية واحدة فقط قبل نهاية الولاية التشريعية الحالية، تكتسب الفترة المقبلة أهمية استراتيجية للحكومة، إذ يمكنها التركيز على إجراءات ملموسة وسريعة التأثير لتحسين الظروف المعيشية اليومية، خاصة في مواجهة معضلة التضخم الذي يغذيه جزئياً الاحتكار في بعض القطاعات، وارتفاع أسعار المحروقات المتكرر خصوصاً بعد اندلاع الحرب على إيران.
ورأى السطي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الدورة الأخيرة للبرلمان تعتبر فرصة ذهبية لإخراج قوانين هيكلية تعكس "نفساً اجتماعياً" في مشروع قانون المالية 2027 مع تعزيز الدعم الاجتماعي للأسر (تعليم، صحة، سكن) وتخفيف الضغط الضريبي على الطبقات الوسطى والمحدودة الدخل مع تسريع إخراج قوانين طال انتظارها كقانون النقابات والقوانين المنظمة للتمثيلية النقابية، ومدونة التعاضد ومراجعة مدونة الشغل، وإصلاح منظومة الأجور والنظام الأساسي للوظيفة العمومية وتعميم الدرجة الجديدة على موظفي الدولة. وكذا الإفراج عن التعويضات الخاصة بالمناطق القروية والصعبة، من دون نسيان ضرورة برمجة ميزانيات لإخراج عدد من الأنظمة الأساسية لقطاعات الجماعات الترابية والداخلية والخارجية والتعليم العالي والتجهيز والماء والنقل واللوجستيك والتعاون الوطني والتكوين المهني.
وبحسب السطي، فإن الأجندة التشريعية الضاغطة تتضمن كذلك ضرورة التوافق البناء على مراجعة مدونة الأسرة بما يتوافق مع مرجعية الدولة المغربية، والإشراك الفعلي للمعنيين قبل إخراج مشاريع قوانين مهمة مثل القانون الجنائي وقانون المحاماة، والعدول والخبراء وغيرها، مع ضرورة احترام قرار المحكمة الدستورية بشأن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.