- السلطة التونسية، بقيادة الرئيس قيس سعيد، متهمة بتغذية خطاب التخوين، مما أدى إلى محاكمات سياسية كيدية وتهميش دور القضاء والمحامين، وفقًا للرابطة التونسية والتيار الديمقراطي.
- الحاجة إلى خطاب جامع ومناخ حواري لتعزيز التسامح وقبول الاختلاف، مع التأكيد على دور الإعلام والنخب في تعزيز الحوار، وفقًا للقيادي مولدي الفاهم والباحث ماهر الحنين.
يتصاعد خطاب التخوين والكراهية في تونس في الفترة الأخيرة إزاء فئات من السياسيين والمحامين والقضاة والنشطاء والفاعلين في المنظمات والمجتمع المدني، وحتى مهاجري جنوب الصحراء، ما يؤدي إلى مزيد من التوتر وانقسامات داخل المجتمع. ويخلق خطاب التخوين والكراهية في تونس مناخاً محتقناً، خصوصاً أمام تصاعد العنف الرقمي الذي تحول إلى فضاء للصراع وتصفية الخصوم، ما يهدد الحق في الاختلاف، والعيش المشترك ويقوض الحريات والسلم الأهلي. ولم تتأخر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في توجيه نداء من أجل حماية السلم الأهلي ومناهضة خطاب التخوين والكراهية في تونس، وذلك في بيان أصدرته في 14 يونيو/حزيران الحالي، مشيرة إلى أنها تتابع بقلق بالغ تنامي مظاهر الاحتقان والاستقطاب والانقسام داخل المجتمع التونسي، وما يرافقها من انتشار متزايد لخطابات الكراهية والتخوين والتشهير والعنصرية.
ظروف نشأة خطاب التخوين والكراهية في تونس
ووفقاً لبيان الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فإن خطاب التخوين والكراهية في تونس لم ينشأ بمعزل عن الخطاب الرسمي لأعلى هرم في السلطة، والذي ساهم خلال السنوات الأخيرة، في تغذية مناخ الانقسام والإقصاء والتخوين والعنصرية، سواء من خلال تقديم بعض الفاعلين المدنيين والسياسيين والإعلاميين والمدافعين عن حقوق الإنسان باعتبارهم مصدر تهديد، أو من خلال توجيه الاتهامات المباشرة للمعارضة. وتعتبر الرابطة أن من أهم واجبات الدولة، حماية الحقوق والحريات وتعزيز التماسك الاجتماعي ومكافحة جميع أشكال التمييز والعنصرية، داعية السلطة الحاكمة إلى اعتماد خطاب جامع يحترم حقوق الإنسان وقيم المواطنة والمساواة وعدم الإقصاء والتمييز، وفق ما ينص عليه الدستور والقوانين الدولية.
مولدي الفاهم: نظام 25 يوليو يتحمل المسؤولية لأنه قاد البلاد إلى هذا المناخ المتوتر من الكره والعنف
كما دعو القوى الوطنية والمنظمات والجمعيات إلى التكاتف للدفاع عن قيم المواطنة وحقوق الإنسان والتصدي لكل مظاهر العنف والكراهية والانقسام والعنصرية. ويرى سياسيون وناشطون أن ما غذى خطاب التخوين والكراهية في تونس هو خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي يستعمل بدوره خطاب التخوين بشكل مستمر إلى جانب مصطلحات مثل "المتآمرين" و"الخونة" و"العملاء"، وهي العبارات الطاغية والمتكررة في أغلب تصريحاته، خصوصاً عند الإشارة إلى الخصوم السياسيين والمعارضين.
وبحسب الأمين العام للتيار الديمقراطي هشام العجبوني، في حديث لـ"العربي الجديد" فإن خطاب التخوين والكراهية في تونس حقيقة لا يمكن نكرانها. ويبيّن أن هناك حالة من الغضب بسبب المناخ الحالي، كما أن هناك العديد من العائلات السياسية ضحية هذا الخطاب بعد أن زج بقياداتها داخل السجون. ويشير إلى أن أغلب السياسيين يحاكمون بتهم التآمر على أمن الدولة، وهؤلاء تم التشكيك فيهم وتخوينهم في عديد المناسبات، مشدّداً على أن العديد من السياسيين هم في السجون بتهم واهية، ومن دون محاكمات عادلة.
ويتابع أن لا قضاء مستقلاً طالما أن السلطة التنفيذية وضعت يدها على كل شيء، مؤكداً أن السلطة تتحمل المسؤولية لأنها بدأت بخطاب التخوين والتشكيك بعد أن حكم رئيس الجمهورية قيس سعيد، على المعارضين أنهم خونة وإرهابيون ومتآمرون، وتقريباً جل الأحكام الصادرة عن القضاء كانت ثقيلة، من دون كشف الحقيقة في هذه القضايا التي تعتبر مهمة جداً. ويلفت العجبوني إلى أن مختلف المحاكمات السياسية التي مرّت عبر التاريخ كانت علنية ويمكن للرأي العام الاطلاع عليها، ولكن هذا الأمر لم يعد ممكناً بمنع الدخول إلى قاعات المحاكم، مؤكداً أن من شروط المحاكمة العادلة علنية الجلسات ولكن للأسف لا يتم احترام أدنى مقومات العدالة.
أما عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين، كريم المرزوقي، فيرى أن الخطاب المتشنج والمتوتر للسلطة يستهدف الحريات، ولا يقبل بالرأي المخالف. ويوضح المرزوقي في حديث لـ"العربي الجديد" أن خطاب التخوين والكراهية في تونس تلته عدة محاكمات سياسية كيدية، شملت معظم قادة الأحزاب والفاعلين من نشطاء ومدونين، مؤكداً أن هذا الوضع السائد في الفضاء العام هو واقع غير طبيعي. ويعتبر المرزوقي أن خطاب التخوين والكراهية في تونس جعل البلاد تغادر الفضاء الديمقراطي، إذ عدنا إلى الوضع الاستبدادي الذي يضع اليد على القضاء وعلى الفضاء العام، ويضيق على الإعلام وعلى الحريات، ويستهدف السياسيين والنشطاء والمحامين. ويؤكد أن الإضراب العام للمحامين في 18 يونيو الحالي، الذي شلّ تقريباً حركة المحاكم، وجاء بدعوة من الهيئة الوطنية للمحامين كان للاحتجاج على تهميش دور المحامي، وتردي ظروف العمل بالمحاكم، وتجاهل سلطة الإشراف لدور الدفاع. وقد كان العنوان الأبرز لهذا التحرك المطالبة باستقلالية القضاء، والذي أصبح يعيش وضعاً سيئاً جداً، وهو في الحقيقة انعكاس لتردي الأوضاع ككل في تونس.
كيف أسس قيس سعيّد لخطاب التخوين والكراهية؟
من جهته، يرى القيادي في الحزب الجمهوري، مولدي الفاهم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن خطاب السلطة منذ 25 يوليو/تموز 2021
(تاريخ إعلان سعيد إجراءات استثنائية)، يقوم على التخوين والإقصاء وهو خطاب غريب على التونسيين، موضحاً أننا اليوم نعيش بعض نتائج هذا الخطاب. ويعتبر أن نظام 25 يوليو يتحمل المسؤولية لأنه قاد البلاد إلى هذا المناخ المتوتر من الكره والعنف. ويضيف الفاهم أن على مجمل العائلات السياسية والنخب مقاومة هذا الخطاب والعودة بتونس إلى التسامح وقبول الاختلاف، مبيناً أنه بصفته نقابياً سابقاً وناشطاً في الحراك الاجتماعي منذ السبعينيات لم يشهد احتقاناً مماثلاً، حين كانت مختلف العائلات السياسية تجلس على نفس الطاولة النقابية والاجتماعية للتفاوض. ويبيّن أن خطاب التخوين والكراهية في تونس مرفوض، ولا بد من إطلاق صرخة لتجاوز الخلافات السياسية، فتونس تتسع لجميع أبنائها. ويلفت الفاهم إلى أن الخطاب الهادئ هو الذي يجب أن يسود، ومن غير المقبول أن يقصي الطرف الحاكم بقية الأطراف، كما أن الأحكام السياسية ومناخ العنف والتخوين خطر على الدولة.
كريم المرزوقي: خطاب التخوين والكراهية في تونس تلته عدة محاكمات سياسية كيدية
أما الباحث في علم الاجتماع، ماهر الحنين، فيرى أنه منذ سنوات، طغى مناخ متوتر ومتشنج على الفضاء العام وهو تشنج انفعالي بالأساس، تعود أسبابه إلى غياب فضاءات النقاش الحقيقي للمضامين، ولمختلف الآراء على مستوى الحركة السياسية والمدنية. ويوضح الحنين في حديث لـ"العربي الجديد"، أن السبب يعود إلى الخوف، فالانفعال هو المسيطر على الجميع، أي السلطة وعموم الناس، وسببه الخوف في غياب الحوار والنقاش وغياب تعدد الآراء، فمناخ الخوف يعزز الغضب والتوتر. ويذكر أن المسؤولية متنوعة تعود إلى أعلى هرم في السلطة، بفعل إغلاق فضاءات الحوار والحفاظ على نسق من الخطاب التخويني، الذي يقوم على توصيف المعارضين بالمتآمرين. وبرأيه، فإن الإعلام أيضاً مسؤول، لأنه في حالة انهيار متسارعة جعلت التفاهة هي المسيطرة على المشهد، وكذلك فإن النخب السياسية والمدنية مسؤولة لأنها فشلت في إرساء تقاليد حوارية مشتركة. ورأى الحنين أنه لا بد من مواصلة الدفاع عن الحقوق، وخلق فضاءات حوارية ممكنة، مبيناً أن التعبئة المدنية والسياسية تبقى مطلوبة رغم حالة الركود الحالية ربما بسبب حلول فصل الصيف، ولكن يؤمل أن تستأنف العودة السياسية في محاولة لترسيخ تقاليد حوارية ومناخ طبيعي.