حسابات الصين ومخاوفها من انهيار معاهدة "نيو ستارت"

05 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
رؤوس نووية خلال عرض عسكري، بكين، 3 سبتمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- دعت الصين الولايات المتحدة للاستجابة لعرض روسيا بشأن حدود الرؤوس الحربية النووية، مع رفضها الانضمام لمفاوضات نزع السلاح النووي الثلاثية بسبب التفاوت في المخزونات النووية.
- حذرت الصين من أن انتهاء معاهدة "نيو ستارت" قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي ثلاثي، مؤكدة أنها تحافظ على قوتها النووية عند الحد الأدنى للأمن القومي، لكنها تسرع بناء ترسانتها.
- وفقًا لمعهد سيبري، تعد الترسانة النووية الصينية الأسرع نموًا، مما يزيد المخاطر في مناطق الصراعات مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية.

حثت الصين، أمس الأول الثلاثاء، الولايات المتحدة على الاستجابة بشكل إيجابي لعرض روسيا بالحفاظ على حدود الرؤوس الحربية النووية، وذلك قبل الانهيار المتوقع اليوم الخميس لاتفاقية "نيو ستارت" بين واشنطن وموسكو، والموقعة في 2010 بهدف السيطرة على التسلح النووي. وجددت بكين رفضها الانضمام إلى مفاوضات نزع السلاح النووي الثلاثية مع واشنطن وموسكو، على الرغم من الدعوات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب

لإجراء مثل هذه المحادثات، عازية رفضها إلى التفاوت في حجم المخزونات النووية بينها وبين أميركا.

موقف الصين ما بعد "نيو ستارت"

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، في الإفادة الصحافية اليومية أول من أمس الثلاثاء، إن الصين أخذت بعين الاعتبار الاقتراحات البنّاءة التي قدمتها روسيا سابقاً بشأن ترتيبات المتابعة لمعاهدة "نيو ستارت". كما تأمل أن تستجيب الولايات المتحدة بشكل إيجابي لحماية الاستقرار الاستراتيجي العالمي بشكل حقيقي. ولفت إلى أن موقف بكين من مفاوضات الحد من التسلح النووي الثلاثية بين الصين والولايات المتحدة وروسيا واضح، مضيفاً أن القدرات النووية للصين والولايات المتحدة لا يمكن مقارنتها من حيث الحجم. ورأى أنه ليس من العدل ولا من المعقول مطالبة الصين بالانضمام إلى مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة.

من جهتها سبق أن أعلنت روسيا أنها تحترم موقف الصين المعارض للانضمام لمعاهدة "نيو ستارت". وعلق المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، بالقول "إن قدراتهم النووية (الصين) لا تُقارن حالياً بقدرات روسيا أو الولايات المتحدة". في الأثناء، حذر محللون صينيون من أن إنهاء المعاهدة قد يؤدي إلى حلقة مفرغة وسباق تسلح نووي ثلاثي الأطراف يشمل الولايات المتحدة وروسيا والصين. واعتبر هؤلاء أنه في غياب تحرك في اللحظة الأخيرة، سيفتقد العالم لأول مرة منذ عقود، معاهدة تحد من نشر الأسلحة النووية من قبل الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان معاً حوالي 90% من الأسلحة النووية في العالم.

ولعقود من الزمن، صرحت الصين بأنها تحافظ على قوتها النووية عند الحد الأدنى المطلوب للأمن القومي وأنها لا تدخل أبداً في سباق تسلح مع أي جهة، مشددة على تمسكها بسياستها الراسخة المتمثلة في عدم البدء بالاستخدام الأول للسلاح النووي، والالتزام في الدفاع عن النفس. لكن التقديرات تشير إلى أنها سرّعت من وتيرة بناء ترسانتها النووية، حيث وسعت ترسانتها من حوالي 500 رأس حربي في أوائل عام 2024 إلى حوالي 600 رأس بحلول يناير/كانون الثاني 2025، وفقاً لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). ويتوقع مراقبون أن إجمالي عدد الرؤوس الحربية لدى بكين قد يصل إلى ألف رأس بحلول عام 2030.

"سيبري": الترسانة الصينية تعد أسرع ترسانة نووية نمواً في العالم

وبحسب تقرير صادر عن "سيبري" في يونيو/حزيران الماضي، أضافت الصين 100 رأس حربي إلى مخزونها النووي كل عام منذ عام 2023 ما يجعلها أسرع ترسانة نووية نمواً في العالم. وقدّر التقرير أن الصين تمتلك ما لا يقل عن 600 رأس حربي، ومن المتوقع أن يستمر هذا العدد في النمو خلال العقد المقبل، بينما تمتلك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم بـ5459 رأساً نووياً، والولايات المتحدة 5177 رأساً نووياً، وفق المعهد، فيما تمتلك الدولتان معاً حوالي 90% من الأسلحة النووية في العالم.

يُذكر أن معاهدة "نيو ستارت" تنصّ على تخفيض كل طرف أسلحته الهجومية الاستراتيجية، بطريقة لا تتجاوز كمياتها الإجمالية بعد سبع سنوات من دخولها حيز النفاذ (وفي المستقبل) الـ700 رأس للصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ البالستية للغواصات والقاذفات الثقيلة، و1550 رأساً حربياً عليها، و800 وحدة للقاذفات. وأدخلت المعاهدة مفهوم أجهزة الإطلاق والقاذفات "غير المنشورة"، أي تلك التي ليست في حالة استعداد قتالي، ولكنها تستخدم للتدريب أو الاختبار، ومن دون رؤوس حربية.

انفلات نووي

وعلى الرغم من إصرار الصين المتكرر على أن سياستها النووية لا تزال دفاعية وتهدف فقط إلى الحفاظ على الحد الأدنى من القدرات اللازمة للأمن القومي، فإن واشنطن كثفت تدقيقها خلال السنوات الأخيرة في التوسع النووي الصيني، والذي يشمل التخزين السريع للرؤوس الحربية، وبناء صوامع صواريخ جديدة، ونشر أنظمة إطلاق متطورة، وهي خطوات تصفها بكين بأنها تهدف إلى تحقيق التكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

جياو بينغ: التحرر من الضوابط التي استمرت لعدة عقود قد يدفع باتجاه سيناريوهات خطيرة 

في هذا الصدد قال الباحث في مركز جيانغ شي للدراسات الاستراتيجية (الصين)، جياو بينغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "العالم مقبل على مرحلة من الانفلات النووي مع انتهاء معاهدة الحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة". وأضاف أن "التحرر من الضوابط التي استمرت لعدة عقود قد يدفع باتجاه سيناريوهات خطيرة في ظل التقلبات السياسية والصراعات العسكرية الراهنة على عدة جبهات". كما قد يطلق، وفق جياو بينغ، سباق تسلح بين القوى الكبرى، الذي "من شأنه أن يحوّل العالم إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة".

ولفت في هذا السياق إلى أن الردع النووي يمثل أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لبكين، في ظل تأخرها عن أكبر قوتين نوويتين (روسيا والولايات المتحدة). وأوضح أن إنهاء العمل بمعاهدة "نيو ستارت" يعني تحفيز قوى أخرى لزيادة ترسانتها النووية من أجل مواكبة القوى الرئيسية، و"بالتالي فإن ذلك قد يضاعف من المخاطر الناجمة عن سوء التقدير، خصوصاً في مناطق الصراعات المشتعلة في محيط الصين مثل الصدام الأخير بين الهند وباكستان، والتصعيد اللافت خلال الفترة الماضية من جانب كوريا الشمالية". وفي رأيه فإن الصين على وجه التحديد "محاطة بأربع قوى نووية هي: روسيا وكوريا الشمالية والهند وباكستان"، معتبراً أن "أي خطأ أو سوء تقدير من شأنه أن يشعل المنطقة".