حرب إيران في غرفة العمليات: غريزة ترامب وضغط نتنياهو يتفوقان على شكوك الأغلبية

10 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 04:15 (توقيت القدس)
ترامب في البيت الأبيض، 6 إبريل 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن تفاصيل الاجتماعات السرية في البيت الأبيض التي أدت إلى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن الحرب على إيران بالتعاون مع إسرائيل، وتأثير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القرار.
- أثبتت الحرب على إيران أن التقديرات التي اعتمد عليها ترامب، خاصة من إسرائيل، لم تكن دقيقة، وأظهرت التحفظات داخل فريقه أنها كانت في محلها.
- أظهرت الاجتماعات أن خطة نتنياهو كانت مبنية على افتراضات غير واقعية، ورغم التحفظات، أذعن فريق ترامب لغريزته في اتخاذ قرارات جريئة.

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير مطول عما قالت إنها مجموعة من الاجتماعات التي حصلت داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض، وأدّت إلى اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره بشن الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، مع إسرائيل، مسلّطة الضوء على تأثير رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عليه، في هذا الشأن، وماهية المعلومات الاستخبارية التي قدمت وقادت إلى اقتناع ترامب بأن حرب إيران ستكون سهلة وسريعة، وأهمها المعلومات التي وضعها نتنياهو أمامه بشأن انعقاد اجتماع للمرشد الإيراني علي خامنئي مع كبار قادة النظام في صباح 28 فبراير، ما سرّع العملية، فيما لم يثبت أن الحرب ستكون نزهة.

كما أشارت الصحيفة، إلى أن أعضاء فريق ترامب كانت لديهم شكوكهم حيال الحرب، وأولهم نائبه جي دي فانس، لكنهم عادوا وساروا جميعاً في مركبه، حيث إنه كانت لديهم تجربة سابقة مع نجاح غريزة ترامب، في فنزويلا عندما شنّ الجيش الأميركي عملية خاطفة، قادت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا أديلا فلوريس، ونقلهما إلى سجن في الولايات المتحدة. وقد ظنّ ترامب أن نموذج الضغط الأقصى الذي استخدم بعد "قطع رأس النظام" وإن عبر الخطف وليس القتل، وما رافقه من تهديدات عسكرية وسياسية واقتصادية للقادة الفنزويليين، قبل أن يقود ذلك إلى تطبيع العلاقات بين واشنطن وكاراكس، يمكن أن يتكرر بسهولة في إيران.

أثبتت الحرب أن التحفظات داخل فريق ترامب كانت في محلها

لكن حرب إيران التي استمرت طيلة الفترة الماضية قبل التوصل إلى اتفاق هشّ لهدنة من أسبوعين بانتظار ما ستحمله المفاوضات بدءاً من غد السبت في إسلام أباد، أثبتت أن الكثير من التقديرات التي بنى عليها ترامب قراره النهائي بالذهاب إلى هذه المواجهة، وتحديداً المقدمة من إسرائيل لم تكن دقيقة، وأن التحفظات داخل فريق ترامب كانت في محلها، لكن النمط من النقاشات الذي يفرضه ترامب، بما في ذلك تحقير وحتى الانتقام ممن يخرج عن طوعه حتى في القضايا المهمة، بات على ما يبدو عاملاً مهماً في تفضيل الكثير من المحيطين به إما موافقته أو التزام الصمت، وفي أفضل الأحيان الحد الأدنى من الانتقاد، على عكس نتنياهو الذي يتبين أنه يعرف كيف يقنع ترامب بما يريده بعيداً عن الحقائق من دون أن يكون، بحسب ما تكشفه الصحيفة، قرار الرئيس الأميركي نابعاً فقط من انجرار خلف نتنياهو.

فو كونغ في مجلس الأمن، نيويورك، 7 إبريل 2026 (Getty)
تقارير دولية
التحديثات الحية

ويأتي ذلك لا سيما بعدما تبين، بحسب "نيويورك تايمز"، أن الأخير اكتشف "مدى انسجام تفكير ترامب المتشدّد مع تفكير نتنياهو لمدة أشهر طويلة"، من دون التقليل أيضاً من الدور الذي لعبه رئيس وزراء الاحتلال في رفع التوقعات من حرب إيران. وهو جزئياً ما نقله موقع القناة 12 العبرية، أواخر مارس/آذار الماضي، نقلاً عن مسؤول أميركي رفيع ومصدر إسرائيلي مطّلعين على التفاصيل، لم يسمّهما، كيف أبلغ فانس نتنياهو، خلال مكالمة هاتفية أن تقديراته بشأن تطوّر حرب إيران واحتمال إسقاط النظام "كانت متفائلة أكثر من اللازم".

وجاء في التفاصيل يومها ووفقاً لمصادر أميركية وإسرائيلية، أن فانس الذي كان يستعد لتولّي المهمة الأهم في مسيرته، وهي قيادة الجهود الأميركية لإنهاء حرب، أجرى مكالمتين مع نتنياهو، والتقى مسؤولين رفيعين من دولتين حليفتين للولايات المتحدة في الخليج، وكان مشاركاً في اتصالات غير مباشرة مع الإيرانيين، أشار خلال إحدى المكالمتين مع نتنياهو إلى أن بعض تقديرات رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن حرب إيران كانت متفائلة أكثر من اللازم، خصوصاً في ما يتعلق بإمكانية اندلاع انتفاضة شعبية. وقال مصدر أميركي: "قبل الحرب، قدّم نتنياهو للرئيس (ترامب) صورة عن خطوة سهلة نسبياً وفرصة لتغيير النظام أكبر بكثير مما كانت عليه في الواقع. نائب الرئيس كان أكثر واقعية بشأن ذلك".

أخفى ترامب قراره بشنّ الحرب عن وزيري الخزانة والنفط ومديرة الاستخبارات الوطنية

وبحسب التسريبات نفسها، فإن مستشاري فانس كانوا يعتقدون أنّ هناك جهات في إسرائيل تحاول الإضرار به، ربما لأنها ترى فيه شخصية أقل تشدداً، فيما ينفي مسؤولون إسرائيليون ذلك بشدة. وقال مسؤول آخر في الإدارة الأميركية يومها: "هذه عملية إسرائيلية ضد جي دي فانس". ورغم هذه الادعاءات، لفت الموقع العبري إلى أنه لا توجد أي أدلة على أن جهات في الحكومة الإسرائيلية تدير حملة إعلامية ضد فانس، فيما لا يمكن استبعاد مساهمة التنافس الضمني والمبكر بين فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو على طريقة مقاربتهما للنقاشات مع ترامب لا سيما أن كليهما يطمح للمنافسة في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.

اجتماع حرب إيران وعرض نتنياهو

وفي بداية تقريرها، الذي أعدّه كلّ من جوناثان سوانغ، وماغي هابرمان، واللذين يعملان مراسلين في البيت الأبيض، وهو التقرير الذي سيكون متضّمناً في كتاب سيصدر قريباً بعنوان "تغيير النظام: داخل رئاسة دونالد ترامب الإمبريالية"، وصف المراسلان بدقة اجتماعاً عقد في البيت الأبيض بين ترامب ونتنياهو، في 11 فبراير، معتبرين أنه كان مفصلياً لاتخاذ ترامب قرار حرب إيران. وجاء في التقرير، أن "نتنياهو الذي وصل 11 صباحاً إلى البيت الأبيض في ذلك اليوم (بتوقيت واشنطن)، والذي كان ظلّ يضغط لأشهر على الولايات المتحدة لكي توافق على شنّ هجوم كبير على إيران، تمّ إدخاله من دون ضجيج، وبعيداً عن أعين المراسلين، حيث كان يستعدّ لواحدة من أكثر اللحظات أهمية في مسيرته السياسية الطويلة، وأكثرها مصيرية".

وتحدثت الصحيفة عن الاجتماع بإسهاب، حيث اجتمع المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون بدايةً في غرفة الاجتماعات الوزارية (كابينت روم)، الملاصقة للمكتب البيضوي، ثم اتجه نتنياهو إلى الأسفل، لعقد الاجتماع الأساسي، وهو عبارة عن "عرض سرّي للغاية حول إيران أمام ترامب وفريقه في غرفة العمليات، وهو المكان الذي نادراً جداً مع استخدم في العادة للاجتماعات الشخصية المباشرة مع زعماء دوليين". وكتبت الصحيفة عن الاجتماع: "جلس ترامب، ولكن ليس في مقعده المعتاد على رأس طاولة الاجتماعات المصنوعة من خشب الماهوغاني. بدلاً من ذلك، اتخذ لنفسه مكانه على أحد المقاعد الجانبية، بمواجهة الشاشات الضخمة المعلّقة على الجدار. وجلس نتنياهو على الجانب الآخر، مقابل الرئيس مباشرة. وعلى الشاشة خلف رئيس الوزراء الإسرائيلي، ظهر رئيس الموساد (الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية) ديفيد برنياع، بالإضافة إلى مسؤولين إسرائيليين عسكريين آخرين. ومصفوفين نظرياً خلف نتنياهو، شكّلوا صورة لزعيم في وقت الحرب محاط بفريقه".

وحضر الاجتماع بحسب "نيويورك تايمز"، كلّ من سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، ووزير الخارجية ماركو روبيو الذي يشغل حتى الآن أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ورئيس هيئة القوات المشتركة الجنرال دان كاين، بالإضافة إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) جون راتكليف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ومبعوثه ستيف ويتكوف، فيما غاب عن الاجتماع نائب ترامب، جي دي فانس، لوجوده في أذربيجان، وقد "أبقي الاجتماع ضيقاً عن قصد، لحمايته من التسريبات، بعدما لم يكن لدى أي وزير آخر في حكومة ترامب علم به".

ولفتت الصحيفة إلى أن العرض الذي قدّمه نتنياهو لمدة ساعة خلال الاجتماع في غرفة العمليات شكّل الركيزة التي وضعت الولايات المتحدة وإسرائيل على السكة العملية لشنّ الهجوم الكبير في الشرق الأوسط، وقد "قاد إلى سلسلة من المناقشات داخل البيت الأبيض، جرت خلال الأيام والأسابيع التي تلته، والتي لم تكشف تفاصيلها من قبل، وبحث فيها ترامب الخيارات المتاحة والمخاطر، قبل أن يمنح موافقته للانضمام إلى إسرائيل في الهجوم على إيران.

وبحسب الكتاب الذي سينشر قريباً، فإن التفاصيل في التقرير "تكشف كيف سلّطت المناقشات داخل البيت الأبيض، الضوء، على غريزة الرئيس، والانقسامات داخل الحلقة الضيّقة المحيطة به، والطريقة التي يدير فيها البيت الأبيض"، وذلك من خلال البناء على مقابلات مكثّفة أجريت بشرط عدم الكشف عن الأسماء لحساسية المعلومات المتداولة. كما تسلّط المعلومات الضوء على "مدى انسجام تفكير ترامب المتشدّد مع تفكير نتنياهو لمدة أشهر طويلة، حتى أكثر مما كان يعتقد مستشارون أساسيون لترامب"، وفق الصحيفة، حيث إن "شراكتهما القوية ظلّت سمة دائمة مع إدارتين (إدارتا ترامب الأولى والثانية)، وقد أثارت هذه الدينامية، التي تعرضت لاهتزاز أحياناً، انتقادات قوية وشكوكاً على جبهتي اليمين واليسار السياسيتين في أميركا".

كما تظهر المعلومات، وفق "نيويورك تايمز"، كيف أن "حتى أكثر الأعضاء المشككين داخل حكومة الحرب الأميركية، باستثناء دي فانس الوجه، الأكثر معارضة للحروب الواسعة النطاق، قد أذعنوا لغرائز الرئيس، بما في ذلك ثقته الكبيرة بأن حرب إيران ستكون قصيرة وحاسمة".

وعن تفاصيل الاجتماع الأول، وفق هابرمان وسوانغ، قام نتنياهو بعملية "تسويق صعبة"، واضعاً ترامب في صورة أن "إيران باتت متعطشة لتغيير النظام"، ومعرباً عن اعتقاده بأن العملية العسكرية المشتركة الأميركية الإسرائيلية "قد تجلب أخيراً النهاية للجمهورية الإسلامية". وعرض الإسرائيليون خلال الاجتماع فيديو قصيرا ممنتجا، تضمن زعماء جددا محتملين لقيادة إيران إذا سقط النظام المتشدد فيها، من بينهم رضا بهلوي، ابن شاه إيران الذي يعيش اليوم في واشنطن، ويحاول تسويق نفسه زعيما علمانيا بإمكانه قيادة إيران في مرحلة ما بعد النظام الثيوقراطي (يستمد شرعيته من الحكم الديني). وشرح نتنياهو وفريقه، وفق الصحيفة، شروطاً قالوا إنها أدلة على الانتصار شبه الأكيد، مؤكدين أن نظام الصواريخ الباليستية الإيراني بالإمكان تدميره في أسابيع قليلة، وأن النظام سيكون ضعيفاً جداً لدرجة أنه لن يكون بإمكانه إغلاق مضيق هرمز، أما احتمال أن توجه إيران ضربات للمصالح الأميركية في الدول المجاورة، فكان برأيهم ضعيفاً جداً.

علاوة على ذلك، فإن الموساد الإسرائيلي أشار إلى أن التظاهرات الشعبية في إيران ستبدأ بالخروج مجدداً، وأنه بدعم من وكالات التجسس الإسرائيلي لتأجيج أعمال الشغب والتمرد، فإن حملة قصف عنيفة بإمكانها أن تعزّز الظروف وتمهد لنجاح المعارضة في قلب النظام. كما أثار الإسرائيليون إمكانية عبور المقاتلين الإيرانيين الأكراد الحدود من العراق، وفتحهم معركة برّية لتشتيت جهود القوات الإيرانية وتسريع الانهيار.

وبحسب الصحيفة، قدّم نتنياهو عرضه بنبرة واثقة، وجدت صدى لها من أهم شخص في الغرفة، وهو ترامب الذي قال بعد انتهاء الاجتماع، وفق "نيويورك تايمز": "يبدو الأمر جيداً بالنسبة لي"، وهو ما اعتبره نتنياهو ضوءاً أخضر لعملية مشتركة. ولم يكن هو الشخص الوحيد الذي خرج من اللقاء، بانطباع أن الرئيس الأميركي حسم أمره، فقد لاحظ مستشارو ترامب أنه أعجب بما عرض فريق نتنياهو العسكري والاستخباري فعله، تماماً كما أعجب بما كان تداوله مع نتنياهو قبل حرب الأيام الـ12 على إيران في العام الماضي.

وفي اجتماع 11 فبراير الماضي، حاول نتنياهو، وفق التقرير، تركيز أفكار المسؤولين في الغرفة، على "الخطر الوجودي" الذي يشكّله المرشد الإيراني علي خامنئي (قتل لاحقاً في اليوم الأول من الحرب بهجوم على مجمعه في طهران). ولفتت الصحيفة إلى أنه "عندما سئل نتنياهو في الاجتماع عن المخاطر المحتملة، اعترف بوجود مخاطر، لكنه شرح فكرة رئيسية: فبنظره، مخاطر عدم التحرك أكبر من مخاطر التحرك"، محاججاً بأن "ثمن التحرك سيكبر إذا تمّ تأجيل الضربة ويمنح إيران مزيداً من الوقت لتسريع عملية إنتاج الصواريخ وإنشاء جدار من الحصانة حول برنامجها النووي". وفهم جميع من كانوا في الغرفة، بحسب تعبير الصحيفة، أن إيران لديها القدرة على بناء مخزونها من الصواريخ والمسيّرات بكلفة أقل وبوتيرة أسرع من وتيرة وكلفة تصنيع الولايات المتحدة لصواريخها الاعتراضية الهادفة لحماية قواتها ومصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.

وقد أطلق عرض نتنياهو، ورد ترامب الإيجابي حوله، مهمة عاجلة للمجتمع الاستخباري الأميركي، حيث بين ليلة وضحاها، بدأ المحلّلون الاستخباريون بتقييم مدى جدوى ما قاله الفريق الإسرائيلي للرئيس.

هزلية

وأكملت "نيويورك تايمز"، بأن نتائج التحليل الاستخباري تمّت مشاركتها في اليوم التالي، في 12 فبراير، بين المسؤولين الأميركيين وحدهم هذه المرة، في اجتماع آخر بغرفة العمليات، وقبل وصول ترامب، أطلع مسؤولان استخباريان الحلقة الضيّقة للرئيس على النتائج، لافتة إلى أن المسؤولين الاستخباريين لديهم خبرة عميقة في القدرات العسكرية الأميركية، ويعرفون النظام الإيراني ولاعبيه في الداخل والخارج، وقد قسّموا عرض نتنياهو إلى 4 أجزاء: أولاً، نزع الرأس، أي قتل المرشد، وثانياً، إعاقة قدرة إيران على تصدير قوتها وتهديد جيرانها، وثالثاً، التمرد الشعبي داخل إيران، ورابعاً مسألة تغيير النظام واستبداله بزعيم علماني. وبالنسبة إليهم، فإن الهدفين الأولين، قتل المرشد ومنع تصدير القوة، بالإمكان إنجازهما بالقوة الاستخبارية والعسكرية الأميركية، أما الجزآن الثالث والرابع، ويتضمنان إمكانية دعم تحرك المقاتلين الأكراد برّياً، فرأوا أنهما منفصلان عن الواقع.

وحين دخل ترامب الغرفة، وصف له مدير "سي آي إيه" جون راتكليف، خطة نتنياهو بكلمة واحدة: "هزلية". وأضاف روبيو: "بكلمة أخرى، إنها هراء". وبحسب راتكليف، ونظراً لصعوبة التنبؤ بجميع الأحداث في أي صراع، فإن تغيير النظام قد يحصل، لكن لا يجب اعتباره هدفاً قابلاً للإنجاز. كما أبدى جي دي فانس، الذي حضر الاجتماع، تشكيكاً بإمكانية تغيير النظام الإيراني. وعندما سأل ترامب الجنرال كاين، أجاب الأخير وفق رواية الصحيفة: "سيّدي، إن الأمر، وفق خبرتي، عبارة عن إجراءات عمل معتادة لدى الإسرائيليين: إنهم يبالغون في تسويق الفكرة، وخططهم لا تكون دائماً مفصلة جيداً، إنهم يعرفون حاجتهم إلينا، ولهذا فإنهم يستميتون في التسويق". ولكن عندما اطلع ترامب على التقييم، قال إن تغيير النظام "سيكون مشكلتهم"، ولم يكن واضحاً ما إذا كان يقصد الإيرانيين أم الإسرائيليين، لكن بما مفاده بأن قراره بشأن الذهاب إلى الحرب أو عدمه لن يعتمد على مدى قابلية الجزأين الثالث والثالث من عرض نتنياهو، للنجاح، لكنه ظلّ مهتماً جداً بنجاح الجزأين الأول والثاني، قتل خامنئي وأكبر القيادات، وتفكيك القوة العسكرية لإيران.

وكان الجنرال كاين، وفق الصحيفة، قد أثار إعجاب ترامب، قبل سنوات، حين قال له إنه بالإمكان إلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش" بوقت أسرع مما تنبأ جنرالات آخرون، وهو ما جعل ترامب يرفعه لرتبة جنرال، ثم أكبر مستشاريه العسكريين. وكاين، وفق التقرير، لم يكن موالياً حزبياً لترامب، وكانت لديه أيضاً مباعث قلق حول الحرب مع إيران، لكنه كان حريصاً جداً بشأن كيفية نقل آرائه للرئيس. وفيما كان فريق صغير من المستشارين ينغمس في خطط حرب إيران خلال الأيام التي تلت، شارك كاين مع ترامب وآخرين مخاوفه والتقييم العسكري المقلق بأن حرباً كبيرة مع إيران ستؤدي إلى استنزاف مخزونات الجيش الأميركي من السلاح، بما فيها الصواريخ الاعتراضية، والتي كانت تعرّضت أيضاً للضغط خلال سنوات دعم أوكرانيا، ولم يجد كاين أي طريقة واضحة لإعادة تعويم هذه المخزونات سريعاً، كما تطرق إلى الصعوبة الكبيرة في تأمين مضيق هرمز، ومخاطر قيام إيران بإغلاقه. وبحسب الصحيفة، فقد كان ترامب استبعد هذه الفرضية، معتبراً أن النظام الإيراني سيستسلم قبل الوصول إلى ذلك. وكتبت: "بدا الرئيس وكأنه يفكّر في أن حرب إيران ستكون حرباً سريعة، وهو انطباع تعزّز لديه مع الرد الإيراني الضعيف على هجوم العام الماضي".

واعتبرت الصحيفة أن دور الجنرال كاين وصولاً إلى الحرب، وثّق لتوتر كلاسيكي بين الفريق العسكري الاستشاري (للرئيس) وصناعة القرار الرئاسية. ولفتت إلى أن قائد القوات المشتركة كان مصراً على عدم اتخاذ موقف، حيث كرّر أنه ليس دوره أن يقول للرئيس ما عليه أن يفعل، ولكن أن يقدم له كل الخيارات مع مخاطرها المحتملة وتداعياتها حتى المرحلة الثالثة. وقد كان يردّد باستمرار: "ثم ماذا؟"، لكن ترامب كان يبدو دائماً وكأنه لا يريد أن يسمع إلا ما يرغب بسماعه، وفق عبارات التقرير. وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن الجنرال كاين يختلف في معظم الأوجه، عن سلف له، هو الجنرال مارك كيلي، الذي كان اختلف مع ترامب بشكل صاخب خلال ولاية الأخير الأولى، وكان ينظر إلى دوره رجلاً عمله هو منع الرئيس من اتخاذ خطوات متهورة أو خطيرة.

وبحسب الصحيفة، فإنه رغم كل شرح كاين، فإنه لم يقل في أي من إفاداته للرئيس إن حرب إيران "فكرة سيئة"، رغم أن بعض زملائه كانوا يعتقدون أن هذا هو رأيه الحقيقي. وقال شخص مطلع على هذه الاتصالات، إن الرئيس دونالد ترامب كانت لديه عادة في خلط النصائح التكتيكية التي كان يقدّمها الجنرال كاين، مع الاستشارات الاستراتيجية. وفي الممارسة، فإن هذا يعني أن الجنرال الأميركي قد يحذر في أحيان ما، من الصعوبات بشأن أحد أوجه العملية، ولكن في ملاحظة أخرى، قد يقول إن الولايات المتحدة لديها عدد غير محدود من القذائف وبإمكانها قصف إيران لأسابيع متى ما تمكنت من تحقيق التفوق الجوي، وبالنسبة لكاين، فهاتان ملاحظتان منفصلتان، لكن ترامب يأخذ الثانية ويلغي الأولى.

ترامب الصقر

وكتب التقرير، أنه "بقدر ما كان نتنياهو غير موثوق به من العديد من مستشاري ترامب، كانت آراء رئيس الوزراء الإسرائيلي حول الوضع (مع إيران) أقرب لأفكار ترامب من تلك التي عبّر عنها رافضو التدخلات الخارجية في فريقه، أو حركة أميركا أولاً الأوسع، وهذا الأمر ليس جديداً"، مذكّراً بأنه "من بين كل تحديات السياسة الخارجية التي واجهها ترامب منذ ولايته الأولى، ظلّت إيران قضية لوحدها، فقد كان الرئيس الأميركي ينظر إلى هذا البلد كعدو خطير فريد، وكان مستعداً لاختبار مخاطر كبيرة للقضاء على قدرة النظام على شنّ الحرب أو الحصول على سلاح نووي. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما رماه نتنياهو حول حرب إيران انسجم مع رغبة ترامب في تفكيك النظام الإيراني الثيوقراطي، الذي أمسك بالسلطة في عام 1979، عندما كان ترامب في سنّ الـ32. وبرأيه، فإن ذلك ظلّ شوكة في خاصرة الولايات المتحدة منذ ذلك الحين. واليوم، بعبارات "نيويورك تايمز"، رأى ترامب أن بإمكانه أن يصبح أول رئيس أميركي منذ 47 عاماً يطلق عملية تغيير النظام في إيران. وفي الخلفية أيضاً، رغم عدم ذكره ذلك، فهنالك دافع آخر، وهو أن إيران حاكت محاولة لاغتيال ترامب انتقاماً لقتله الجنرال قاسم سليماني (القائد السابق لفيلق القدس) في عام 2020.

وأوضح التقرير أنه "منذ عودته للبيت الأبيض (يناير/كانون الثاني 2025)، ازدادت ثقة ترامب بقدرات الجيش الأميركي، وكبرت حماسته" بعد هجوم القوات الخاصة واختطافها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مجمعه الرئاسي في كاراكاس في 3 يناير الماضي، خصوصاً أن العملية لم تؤد إلى خسارة جنود أميركيين، ما بدا دليلاً لترامب حول القوة الأميركية التي لا تضاهيها أي قوة أخرى.

أما أكثر المؤيدين للحرب على إيران داخل حكومة ترامب، فكان هيغسيث، فيما قال روبيو إن لديه مشاعر متناقضة، إذ لم يكن يعتقد بأن الإيرانيين سيوافقون على إبرام اتفاق، لكنه كان يفضّل مواصلة حملة الضغوط القصوى ضد النظام بدلاً من شنّ حرب واسعة، لكنه بعدما بدأت حرب إيران في فبراير، ردّد تبريرات الإدارة بشأنها "عن كامل اقتناع" وفق عبارة "نيويورك تايمز".

أما سوزي وايلز، فكان لديها قلق بشأن ما سيقود إليه صراع جديد في الخارج، لكنها لم ترغب بالتعليق بشدّة على المسائل العسكرية داخل الاجتماعات الكبيرة، بل شجعت عوضاً عن ذلك المستشارين للتعبير عن آرائهم ومخاوفهم أمام الرئيس خلال الاجتماعات التي حصلت، علماً أنه كان لديها نفوذها للتأثير على قضايا أخرى. ورغم أنها كانت تعتقد بأن خبرة الجنرال كاين وروبيو وراتكليف، أهم من خبرتها في مسألة إيران، إلا أنها وفق الصحيفة، نقلت إلى زملائها قلقها من أن تجر بلادها إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، وأن تقود حرب إيران إلى ارتفاع أسعار المحروقات قبل أشهر من انتخابات الكونغرس النصفية، والتي من شأنها أن ترسم شكل العامين الأخيرين من ولاية ترامب، وما إذا سيكونان عامي محاولات عزل أو إنجازات، لكنها في النهاية وافقت على الحرب.

فانس في بودابست، 7 إبريل 2026 (Getty)
فانس في بودابست، 7 إبريل 2026 (Getty)

فانس المتشكّك

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز" أن أحداً لم يكن قلقاً بشأن حرب إيران أو حاول وقفها، كما فعل نائب ترامب، جي دي فانس، الذي بنى، وفق التقرير، مهنته السياسية على معارضة المغامرات العسكرية، تحديداً كتلك التي كانت تجري مناقشتها في فبراير، وهو وصف حرب إيران بـ"عملية تشتيت كبيرة للموارد"، و"عالية التكلفة"، لكنه لم يكن "حمامة" أيضاً، إذ كان شجّع ترامب في يناير الماضي، حين نزل الإيرانيون إلى الشوارع ضد النظام، على فرض "خطوطه الحمراء"، لكنه دفع من أجل ضربة عسكرية محدّدة وبأهداف عقابية، تشبه تلك التي أمر ترامب بتنفيذها في سورية بعام 2017 إبان عهد نظام الأسد، بعد استخدام الأخير أسلحة كيميائية ضد شعبه.

كان أكثر القلقين من تداعيات الحرب، نائب ترامب جي دي فانس، الذي حذّر من حرب طويلة

وكان فانس يعتقد وفق الصحيفة، أن حرباً لتغيير النظام في إيران ستكون كارثية. ولكن عندما أيقن أن ترامب سيتدخل على الأرجح عسكرياً في إيران، حاول أن يدفع باتجاه تحرك عسكري محدود، وعندما بدا أن ترامب يتجه لحملة واسعة، نصح بأن تكون عبر استخدام القوة المفرطة، على أمل إنهاء أهدافها سريعاً.

وكان فانس يحذر أمام زملائه، بأن حرب إيران قد تتسبب بفوضى إقليمية وعدد كبير من القتلى، كما أنها قد تؤدي إلى انفراط تحالف ترامب السياسي، أو تعتبر خيانة للناخبين الذين صوتوا له بناء على وعده بعدم شنّ حروب جديدة في الخارج. كما أثار فانس، مخاوف أخرى، إذ كان وفق الصحيفة على دراية بأزمة مخزونات الصواريخ. وبرأيه، فإن حرباً ضد نظام لديه رغبة هائلة بالبقاء، قد تترك الولايات المتحدة في وضع أسوأ لسنوات بحال قرّرت شنّ حرب أخرى. وحذّر نائب ترامب من غياب القدرة على معرفة ما يمكن أن يفعله النظام في إيران إذا ما أصبح بقاؤه على المحك، إذ قد تذهب حرب إيران في اتجاهات غير متوقعة، بالإضافة إلى اعتقاده بأن هناك حظاً قليلاً بانتقال سلمي للسلطة في إيران. وفوق كل ذلك، فإن هناك أكبر المخاطر، وهو امتلاك إيران القدرة على تعطيل مضيق هرمز.

وذكّرت "نيويورك تايمز" أيضاً بأن تاكر كارلسون، مقدّم البرامج الذي كان مؤيداً لترامب، حضر أكثر من مرة إلى البيت الأبيض العام الماضي، للتحذير من مغبة ذهاب الولايات المتحدة لشنّ حرب على إيران، وأن حرب إيران "من شأنها أن تدمّر رئاسة ترامب"، وقد حاول الرئيس الأميركي قبل أسابيع قليلة من بداية الحرب، طمأنة كارلسون في اتصال هاتفي بشأن ذلك. وقال له: "أعلم أنك قلق، لكن سيكون الأمر على ما يرام"، وعندما سأله المذيع المحافظ عن كيفية ذلك، أجاب ترامب: "لأنه كان دائماً كذلك، على ما يرام".

ولفتت الصحيفة في تقريرها، إلى أنه في أواخر فبراير الماضي، ناقش الأميركيون والإسرائيليون معلومة استخبارية جديدة، سرّعت موعد الضربة، إذ كان المرشد خامنئي سيلتقي تحت الأرض قادة كبارا آخرين في النظام، في وضح النهار، وقد شكّل ذلك فرصة قد لا تتكرر لضرب قلب القيادة. ومنحت الفرصة الدبلوماسية الجديدة التي قدّمها ترامب للنظام مجالاً له لتحريك الأساطيل الأميركية إلى الشرق الأوسط. وكان ترامب قد اتخذ قراره قبل أسابيع بشنّ الضربة، بحسب عدد من مستشاريه، لكن بينما لم يحسم أمره بالنسبة للتوقيت، فقد حثّه نتنياهو للتحرك سريعاً.

في ذلك الوقت، رفضت إيران عرضاً قدّمه لها ويتكوف وكوشنر في جنيف لتزويدها بالوقود النووي لبرنامجها، ما جعلهما يضعان ترامب في صورة بأنه بالإمكان التفاوض حول أمر ما، لكنه قد يأخذ أشهراً. وكتبت الصحيفة: "إذا كان ترامب يطلب أن ينظر كوشنر وويتكوف في عينيه، ويقولا له إن بإمكانهما حلّ المسألة، فإن ذلك بحاجة لوقت طويل للوصول إليه، بحسب ما قاله له ويتكوف، لأن الإيرانيين يمارسون الألاعيب".

"أعتقد أننا بحاجة للحرب"

عصر الخميس في 26 فبراير، عُقد اجتماع أخير في غرفة العمليات. في ذلك الوقت، كانت مواقف الجميع واضحة. استمر الاجتماع ساعة ونصف الساعة، وكان ضيّقا، حتى أنه غاب عنه وزيرا الخزانة سكوت بيسينت والطاقة كريس رايت، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد. وعندما سأل ترامب الجميع عن آرائهم، قال له فانس: "أنت تعلم إني أعتقد أنها فكرة سيئة، لكن إذا كنت تريدها، فسأدعمك". أما وايلز، فأوضحت لترامب أنه إذا كان يشعر بأن عليه التحرك من أجل الأمن القومي الأميركي، فيجب أن يفعل ذلك.

أما راتكليف فلم يعلّق على ما إذا كان على ترامب التحرك، إلا أنه ناقش الفرصة "الرائعة"، بشأن تحضر القيادة الإيرانية للاجتماع في مجمع خامنئي بطهران. ورأى أن فكرة تغيير النظام في إيران تعتمد على الشروط المتوفرة لها. وأضاف: "إذا كنت تقصد فقط قتل المرشد الأعلى، فعلى الأرجح بإمكاننا القيام بذلك". وذكر المستشار القانوني لترامب، ديفيد وارينغتون، أنه إذا ما قرّرت إسرائيل المضي في شنّ الحرب، فإن على الولايات المتحدة فعل ذلك.

أما هيغسيث، فاعتبر أنه يجب التعامل مع الإيرانيين في كل الأحوال في وقت ما، ولذا بإمكانهم فعلها الآن، عارضاً تقييمات تقنية، تقوم على أنه بإمكانهم إدارة الحملة في وقت محدّد بقوة محدّدة. أما الجنرال كاين، فقد شرح باتزان المخاطر وماذا تعني الحرب بالنسبة إلى مخزون الذخائر، من دون تقديم رأيه، لافتاً إلى أن موقفه هو أنه إذا أمر ترامب بالعملية، فإن الجيش سينفذ. من جهته، قال روبيو، إنه "إذا كان هدفنا تغيير النظام أو إحداث ثورة، فيجب ألا نقوم بذلك، ولكن إذا كان الهدف تدمير الصواريخ، فهذا هدف بإمكاننا إنجازه".

وكتبت الصحيفة: "الجميع أذعن لغريزة ترامب. لقد رأوه يتخذ قرارات جريئة، ويدخل في مخاطر غير مبررة، وبشكل ما يخرج منها سالماً. لن يقف في وجهه أحد اليوم".

وتابعت: "أخبر الجنرال كاين ترامب، أن لديه بعض الوقت. وهو لا يحتاج إلى إطلاق العملية قبل الساعة 4 بعد الظهر (بتوقيت واشنطن) في اليوم التالي. وعلى متن طائرة إير فورس وان، بعد ظهر 28 فبراير، قبل 22 دقيقة من الموعد الذي حدّده الجنرال كاين، أرسل ترامب الأمر التالي: تمّت الموافقة على عملية الغضب الملحمي. لا تراجع. حظاً موفقاً".