تطبيق اتفاق دمشق و"قسد"... مسار متدرّج يختبره الميدان

26 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
قوات الحكومة السورية تدخل القامشلي، 3 فبراير 2026 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اتفاق 10 مارس 2025 بين الحكومة السورية و"قسد" نص على دمج عناصر "قسد" ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السورية وتسليم المعابر والموارد السيادية، مع الاعتراف بالأكراد وضمان تمثيلهم السياسي، لكن التطبيق واجه تباطؤاً.
- تفاهمات يناير 2026 هدفت لتثبيت وقف إطلاق النار وتوسيع التفاهمات العسكرية، مع انسحاب "قسد" إلى شرق الفرات ودمجها ضمن القوات الحكومية، مع الاعتراف بالحقوق الثقافية الكردية.
- رغم التقدم في وقف إطلاق النار، يواجه الاتفاق تحديات في التنفيذ بسبب غياب الضمانات الدولية والإقليمية، مما يثير مخاوف من فشل الاتفاق.

منذ توقيع اتفاق 10 مارس/ آذار 2025 بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، دخلت العلاقة بين دمشق و"قسد" مرحلة جديدة وُصفت بأنها نقطة تحول في مسار الصراع شمال شرقي سورية. غير أن الأشهر اللاحقة، وما تخللها من تفاهمات إضافية في 18 و29 يناير/ كانون الثاني الماضي، أظهرت أن طريق الدمج السياسي والعسكري لم يكن خطاً مستقيماً، بل مساراً متدرجاً ومتعرجاً تتخلله انتكاسات وضبابية واختبارات متواصلة على الأرض.

ونص الاتفاق الأول بين دمشق و"قسد" الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي، على دمج عناصر "قسد" والأمن الداخلي ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وتسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمطارات للحكومة، ودمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" ضمن هياكل الدولة، مع الاعتراف بالأكراد مكوناً أصيلاً وضمان تمثيلهم السياسي. وحدد الاتفاق نهاية 2025 مهلةً لاستكمال التنفيذ.

ورغم الطابع الشامل للاتفاق بين دمشق و"قسد" فقد واجه التطبيق تباطؤاً في الملفات الحساسة، خصوصاً الدمج العسكري وتسليم الموارد السيادية، في وقت وقعت فيه احتكاكات أمنية متفرقة وتبادل اتهامات بالمماطلة، ما عكس هشاشة الثقة المتبادلة بين الجانبين.

وأكد قائد "قسد" مظلوم عبدي أن القوات الكردية لا تريد انهيار الاتفاق مع "دمشق"، ولكنها "ستقاتل حتى النهاية" إذا حصل ذلك، معتبراً أن التخلي عن المناطق الكردية "أمر مستحيل". وجاء كلام عبدي في مقابلة على شبكة "بي بي أس" الأميركية يوم الإثنين الماضي، حذّر فيها من أن "داعش" لا يزال قوياً وقادراً على تنفيذ هجمات في سورية.

تفاهم 18 يناير: تثبيت الخطوط

وفي مطلع العام الحالي، تحركت القوات السورية باتجاه حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب شمالي البلاد اللذين كانا يخضعان لسيطرة "قسد" التي أُبعِدَت عنهما، مع مواصلة التقدم باتجاه الشرق، حيث أُبعِدَت أيضاً "قوات سوريا الديمقراطية" عن كل المناطق التي كانت تسيطر عليها غرب نهر الفرات، ومن ثم كان الانتقال إلى مناطق سيطرتها شرق النهر لتستعيد الحكومة السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور، وصولاً إلى دفع "قسد" باتجاه محافظة الحسكة، أو المناطق ذات الغالبية الكردية ضمن المحافظة، لينحصر وجودها في هذه المناطق، إضافة إلى عين العرب (كوباني) في ريف محافظة حلب.

اتفاقات بين دمشق و"قسد"

وخلال ذلك، أدت الاتصالات بين دمشق و"قسد" برعاية أميركية إلى التوصل إلى اتفاقات جديدة. وعلى وقع التقدم الميداني لقوات الحكومة ومقاتلي العشائر المناصرين لها، توصل الجانبان في 18 يناير الماضي إلى اتفاق جديد من رحم الاتفاق السابق، اشتمل على وقف إطلاق نار شامل، وانسحاب تشكيلات "قسد" إلى شرق الفرات، تمهيداً لإعادة الانتشار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة، ودمج مؤسسات الحسكة ضمن الدولة. كذلك نصت البنود على تسليم المعابر وحقول النفط والغاز، ودمج عناصر "قسد" بشكل فردي بعد تدقيق أمني، وإخلاء عين العرب من السلاح الثقيل، وضم ملف سجون تنظيم داعش ومخيماته إلى مسؤولية الحكومة، فضلاً عن مرسوم رئاسي يعترف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية، ويمنح الجنسية لمن لا يحملها من أكراد سورية.

وبعد أقل من أسبوعين، في 29 يناير الماضي، أُعلن اتفاق جديد بين دمشق و"قسد" ثبّت وقف إطلاق النار، ووسّع التفاهمات العسكرية، في خطوة عُدّت انتقالاً من الإطار السياسي العام إلى الآلية التنفيذية التفصيلية. ونصّ الاتفاق على دمج "قسد" ضمن القوات الحكومية، على شكل فرقة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ألوية، مع تشكيل لواء منفصل لقوات "كوباني" يُلحق بفرقة محافظة حلب. كذلك تضمن انسحاب القوات العسكرية من خطوط التماس، ودخول قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي، وبدء عملية دمج متسلسلة للمؤسسات الأمنية والإدارية، مع تثبيت الموظفين المدنيين. ويُنظر إلى تفاهم 29 يناير الماضي باعتباره محاولة عملية لمعالجة عقدة الدمج العسكري، التي بقيت الأكثر حساسية منذ توقيع اتفاق 10 مارس.

بين التنفيذ المرحلي والبطء الملموس

وقال المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة زيد سفوك، لـ"العربي الجديد"، إن الاتفاق بين دمشق و"قسد" "يسير بهدوء ولا يزال في مراحله الأولى"، مشيراً إلى أن جزءاً من الخطوات المتبادلة يجري بعيداً عن الإعلام، الأمر الذي يجعل الحكم النهائي عليه سابقاً لأوانه. وأوضح أنه رغم وجود مؤشرات إيجابية، فإن استكمال الدمج الكامل يتطلب وقتاً كافياً لبناء الثقة، فضلاً عن إجراءات عملية ملموسة على الأرض، لافتاً إلى أن استمرار تعطل بعض الخدمات والدوائر المدنية يترك انطباعاً لدى السكان بوجود بطء واضح في التنفيذ.


عبد الحليم سليمان: عملية الدمج معقدة نظراً لاختلاف بنية "الإدارة الذاتية" عن مؤسسات الدولة المركزية

من جهته، رأى المحلل السياسي عبد الحليم سليمان، أن الاتفاق "يتقدم في عدة جوانب بسلاسة وهدوء، حتى وإن لم يحظَ بتغطية إعلامية واسعة". وأشار، في هذا الإطار، إلى زيارات وزراء إلى الحسكة ولقاءاتهم مع المحافظ الجديد نور الدين أحمد، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس تشكّل مسار إداري تدريجي. وأكد، لـ"العربي الجديد"، أن عملية الدمج، سواء على المستوى العسكري أو المؤسسي، بطبيعتها معقدة، نظراً لاختلاف بنية "الإدارة الذاتية" عن مؤسسات الدولة المركزية، وبالتالي فإن إنجازها يتطلب انتقالاً مرحلياً مدروساً، لا قرارات متسرعة أو إجراءات شكلية.

وحذر الباحث سليمان يوسف، في تصريح لـ"العربي الجديد"، من أن الواقع الميداني "أكثر تعقيداً مما يُعلن"، مشيراً إلى استمرار بعض القيود الأمنية المحلية وتعطل مؤسسات خدمية، ومعتبراً أن مفهوم "الاندماج" ما زال محل تباين في التفسير بين دمشق و"قسد"، سواء من حيث الصلاحيات أو من حيث طبيعة البنية العسكرية الجديدة.

أما الصحافي جان علي، المقيم في مناطق سيطرة "قسد"، فرأى، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن نجاح عملية الدمج، عسكرياً وإدارياً، يقتضي وجود ضامن دولي وإقليمي يحد من احتمالات التعثر. وأشار إلى أن غياب جهة ضامنة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من شأنه أن يُبقي عامل انعدام الثقة وتبادل الاتهامات قائماً بين الطرفين. وأضاف أن نشر قوات أممية في المناطق التي تجري فيها عملية الدمج قد يساهم في تقليل الاحتكاكات ومنع أي خروقات محتملة.


جان علي: غياب الضمانات الدولية والإقليمية قد يعرّض الاتفاق لخطر الفشل إذا لم تُعالج فجوة الثقة بشكل جذري


وشدد جان علي على ضرورة تسريع الخطوات التنفيذية، ولا سيما في القطاع التعليمي، معتبراً أن المدارس "تحمل خصوصية مضاعفة لأن مستقبل الأطفال على المحك"، في ظل ما شهدته السنوات الماضية من مناهج غير معترف بها وتسييس للعملية التعليمية، سواء في عهد النظام السابق أو في ظل "الإدارة الذاتية"، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، على زيادة الهجرة وانتشار ثقافة السلاح بين فئات من الشباب. وخلص إلى أن غياب الضمانات الدولية والإقليمية قد يعرّض الاتفاق بين دمشق و"قسد" برمته لخطر الفشل، إذا لم تُعالج فجوة الثقة جذرياً.

وحذرت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في "الإدارة الذاتية" لشمال وشرق سورية، في مقابلة مع فضائية "روناهي" بثت الأسبوع الماضي، من أن "العديد من بنود اتفاقية 29 يناير لم تُنفذ حتى الآن"، معتبرة أن "خطاب الكراهية الذي تستخدمه بعض فئات المجتمع يعرقل تنفيذها"، وأن التعطيل "مسألة وعي ومسؤولية مشتركة". وأضافت أن إعادة تشكيل الألوية مستمرة في الشؤون العسكرية، فيما تبقى مشاركة المرأة في مختلف المجالات "محدودة" لدى الحكومة في دمشق، مؤكدة ضرورة أن تكون هذه المشاركة نموذجاً يُحتذى به. ولفتت إلى وجود إجراءات وإنجازات مشتركة تتعلق بعودة المهجرين، معتبرة أن "الأطراف التي ترى في الأكراد تهديداً تعارض الحل السياسي". وانتقدت ما وصفته بالدور السلبي الذي تؤديه تركيا في مختلف الجوانب، مشيرة إلى أن جزءاً من الداخل التركي "لا يريد الحل في سورية ويحاول إفشال الحوار دائماً"، وأن الأكراد "يتعرضون للتهديد المستمر لمنعهم من نيل حقوقهم". وحذرت من خطر اندلاع حرب جديدة في سورية، مؤكدة أن "روح الوحدة العالية وظهور التحالف" يمثلان عنصرين أساسيين في هذه المرحلة.

قلق المكون العربي

في المقابل، ظهر قدر من السخط لدى المكون العربي في الحسكة على آلية تنفيذ الاتفاق لناحية أن "قسد" ما زالت تتحكم بحياتهم، وأن الوجود الحكومي في المحافظة شكلياً. وفي السياق، قال الناشط المقيم في الحسكة مدين العليان، لـ"العربي الجديد"، إن عناصر الأمن التابعين للحكومة الذين دخلوا بأعداد محدودة إلى مدينتي الحسكة والقامشلي محصورون، وربما محاصرون في مواقعهم، بينما تسيطر القوات الأمنية التابعة لـ"قسد" (الأسايش) على الوضع الأمني. وأوضح أنه خلافاً للانطباع السائد، فإن الحكومة لم تتسلم بعد مطار القامشلي ولا حقول النفط في السويدية والرميلان في الحسكة، بل تفقدت وفود حكومية هذه الأماكن، ثم غادرت. ولفت إلى أن بعض الأحياء العربية في محافظة الحسكة تتعرض للمضايقات من قوات "الأسايش" بهدف منع الناس من التعبير عن سخطهم مما يجري، وحتى السلطات الحكومية تشارك في ذلك، وتضغط على المدنيين والناشطين لعدم إظهار أي مواقف سلبية ضد مجريات تنفيذ الاتفاق.

وفي ما يبدو أنها محاولة من الحكومة لشرح موقفها مما يجري، اجتمع وفد رسمي ضمّ شخصيات من محافظة الحسكة يوم الجمعة الماضي مع الشرع، بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني. وضم الوفد، وفق مديرية الإعلام في الحسكة، كلاً من مدير الشؤون السياسية في الحسكة عباس حسين، وأحمد الهلالي، وسيف حمود الجرباء، ومصطفى عبدي، وكدر بطال. وقال ناشطون عرب من الحسكة، في بيان نشر على "فيسبوك"، إنه "رغم حالة الإقصاء للثوار والإبقاء على الكتلة القريبة والمقربة للهيئة (تحرير الشام) واقتصار اللقاء على المحسوبين عليها فقط، مع مراعاة ظروف المرحلة وضرورياتها، إلا أننا نعتبرها خطوة جيدة تأتي ثماراً لجهودنا لإيصال صوت الشعب". وشدد النشطاء على ضرورة "تطعيم مسؤولي ملف الحسكة بشخصيات من أبناء الحسكة"، مطالبين "بالشفافية مع الشعب، وتفصيل بنود الاتفاق مع قسد والإفصاح عن خطة الحكومة للمنطقة". وطالبوا أيضاً بتعيين متحدث إعلامي يدلي بإحاطات يومية أو أسبوعية حول آخر التطورات، والعمل على إطلاق سراح المعتقلين فوراً من سجون "قسد"، وتشكيل لجنة للوقوف على انتهاكات "قسد" و"تفعيل قانون العدالة الانتقالية والبدء فوراً بحل المشاكل في المناطق المحررة، كالأمن والسلامة العامة وتفعيل النظام الشرطي والأمني ومحاسبة المجرمين وعدم التغاضي عن شكاوى الناس، وإيلاء المناطق المنكوبة أولوية قصوى وعاجلة في حل مشاكلها الإغاثية والخدمية والصحية، وإشراك أبناء الثورة والكفاءة العلمية من أبناء المنطقة في إدارة المنطقة والمؤسسات، بعيداً عن المحسوبية والمناطقية، مع محاسبة مرتكبي التجاوزات والانتهاكات".

حتى الآن، يمكن رصد مؤشرات تنفيذ فعلية للاتفاق بين دمشق و"قسد" لجهة وقف إطلاق نار مُثبت باتفاق 29 يناير الماضي، وإعادة انتشار عسكري، وتشكيل ألوية ضمن هيكلية الجيش، ودخول محدود لقوى الأمن العام إلى مراكز مدن، وتسلم الحكومة إدارات خارج المناطق ذات الغالبية الكردية. لكن في المقابل، ما زالت ملفات الدمج الفردي الكامل، وتسليم بعض الموارد الحساسة، وتوحيد الإدارة المالية والأمنية، تسير بوتيرة بطيئة، وسط أجواء من التفاؤل الحذر والقلق الشعبي، وتساؤلات عما إذا كان المسار يتجه نحو تنفيذ تدريجي طويل الأمد، أم أنه يواجه تسويفاً سياسياً تحت ضغط الحسابات الداخلية والإقليمية.

وفي معرض مراقبتها لتنفيذ الاتفاق بين دمشق و"قسد"، أكدت وزارة الدفاع التركية أنها تتمسّك بمبدأ "دولة واحدة وجيش واحد" في سورية، مشددة على أنّه "لا احتمال سوى استكمال عملية الاندماج بين الحكومة السورية وقسد بما يحافظ على البنية الموحدة لسورية ويعزز وحدة الدولة والجيش". وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع، الأميرال البحري زكي أكتورك، في مؤتمر صحافي يوم الخميس الماضي، إن بلاده تتوقع إنجاز مسار الاندماج بسرعة، مؤكداً أن أنقرة تتابع التطورات الميدانية "من كثب وبشكل فوري"، وتتخذ "جميع التدابير اللازمة بما يتوافق مع المصالح الوطنية التركية". وإضافة إلى "العامل التركي"، فإنّ التسريبات عن اعتزام الولايات المتحدة سحب كل قواتها من سورية خلال الشهرين المقبلين، قد تزيد من الضغط على "قسد" وتبقيها وحيدة في المواجهة مع الحكومة السورية وتركيا.