تراجع احتمالات شن الحرب على إيران في "بورصة" نهاية الأسبوع
استمع إلى الملخص
- تهديدات ترامب العسكرية ضد إيران تهدف للضغط نحو صفقة تفاوضية، مما يعكس رغبة في التصعيد لتحقيق أهداف دبلوماسية بدلاً من مواجهة عسكرية مباشرة.
- التحديات في تغيير النظام الإيراني، مثل غياب بديل جاهز، تجعل من الصعب تنفيذ تهديدات التغيير بالقوة، مما يدفع الإدارة لتجنب التدخل العسكري والمراهنة على احتمالات غير مؤكدة.
في اليومين الأخيرين بدا في الولايات المتحدة وكأن حرارة التوتر مع إيران بدأت تتراجع قليلًا، ربما لأن الأولويات المحلية طغت على الاهتمامات، وعلى رأسها حركة الاحتجاجات الواسعة التي انطلقت من أحداث مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا، التي باتت مادة يومية في أكثر من مدينة وولاية، مع ما تنذر به من متاعب سياسية للبيت الأبيض. لكن ربما أيضًا، وهو الأرجح، لأن الإدارة دخلت، وفق بعض القراءات والتلميحات، وبعد أن وصل تلويحها بالقوة إلى أقصاه، في تفاصيل حسابات الربح والخسارة لأي عمل عسكري من مختلف جوانبه.
وفي ضوء المعطيات والوقائع القائمة على الأرض، فضلًا عن المجهول الذي قد يأتي به اليوم الثاني، ثمة اعتقاد بأن "إيران وواشنطن ستعملان على اجتناب الحرب لأنهما لا تريدانها"، بحسب فالي نصر، إيراني الأصل وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة جون هوبكنز بواشنطن. وهو مشهود له بخبرته في الشأن الإيراني، وكذلك بسياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي تجاه طهران. لكن، مع ذلك، لا يقوى هو ولا غيره من المتابعين للأزمة على إطلاق توقعات جازمة، أو حتى راجحة، بشأن نهايتها، ما دام قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب النهائي حيالها، كما حيال سائر القضايا، يتعذر التنبؤ به.
بدأ الأسبوع الماضي على غير ما انتهى إليه نسبيًا، في ما يتعلق بعمل عسكري هدد به ترامب ضد إيران. ففي 22 يناير/ كانون الثاني الماضي، رفع الرئيس من نبرة خطابه تجاه طهران، متوعدًا بضربات من نوع "أسوأ من السابق"، إذا ما عزفت عن التفاوض والقبول باتفاق ينهي مشروعها النووي ويحد من برنامجها الصاروخي الباليستي، فضلًا عن تقليم أذرعها الإقليمية. ثم أخذ التهديد شحنة أكبر من الجدية، عندما اكتمل حشد القوات البحرية الأميركية على مقربة من الشواطئ الإيرانية. وقد عزز حجم هذا الحشد، الموازي للقوة التي حشدها البنتاغون تمهيدًا لعملية فنزويلا قبل نحو شهر (10 سفن حربية تتقدمها حاملة طائرات)، التوقعات بترجيح تكرار السيناريو الفنزويلي في إيران، ولكن بصورة مكبرة هذه المرة، إذ لا يقوى البيت الأبيض، مبدئيًا، على التراجع في إيران عن استنفار لم يتردد في تنفيذ مثله في فنزويلا. لكن على الأرض، تبدو المعادلة مختلفة، وبما قد يجعل قرار ترامب النهائي مختلفًا عن خطابه. فقد صدرت عدة إشارات عن الإدارة في هذا الاتجاه، أو فُسِّرَت كذلك. يقول نصر: "في رفعه لسقف شروطه وتهديداته، بدا الرئيس ترامب كأنه يتوسل التصعيد سبيلًا، لعله يحمل إيران على القبول بصفقة". وهو تفسير تردد، بصورة أو بأخرى، في قراءات أخرى، خصوصاً تلك التي أخذت على الرئيس "استعجاله" في التهديد ورفع السقف، إلى حد بلوغه نقطة بات مطلوبًا منه عندها ترجمة وعيده لإنقاذ صدقيته.
وزاد من هذا الانكشاف أن إيران لعبت ورقة التحدي حين "قمعت التظاهرات"، بما أدى إلى سقوط قتلى، من دون أن ترد واشنطن بتنفيذ تحذيرها وفق مبدأ "السن بالسن". ومنذ تلك اللحظة، بدأت التساؤلات تتوالى، ومعها تعزز الاعتقاد بأن التهديد لم يكن سوى تهويل لانتزاع تركيع النظام الإيراني عبر التفاوض، لا عبر الحرب. فالأخيرة لها متطلبات ليست جاهزة لدى الإدارة، في مقدمها أن تغيير النظام يقتضي إعداد البديل، وفق الدرس الأساسي المستخلص من تجربة العراق بعد العدوان عليه في 2003.
ومثل هذا البديل في إيران غير جاهز، وباعتراف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأسبوع الماضي، خلال شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، عندما قال: "لو سقط النظام في إيران فلا أحد يدري ما قد يحدث". وينطوي كلامه على إقرار ضمني بأن الإدارة ليست في وارد لعبة التغيير، ولو كانت قادرة عسكريًا على تحقيقه، إذ إن تبعاته تمثل عبئًا مكلفًا لا تقوى على احتماله. ولذلك بات متداولًا أن البيت الأبيض في مأزق، بعدما أوحى بأنه راهن على التغيير في طهران. وعندما انحسرت حركة الاحتجاج بالقوة الكاسرة، واستعاد النظام سيطرته على الشارع، كان التذكير بتجارب التغيير في المنطقة التي استدعت تدخل قوى خارجية، كما حصل في العراق وليبيا. ومثل هذا التدخل خارج حسابات الرئيس ترامب. وتبقى المراهنة على عودة التظاهرات إلى الشارع أمرًا غير مضمون في المستقبل القريب، أو انتظار حصول انشقاق داخل النظام، وهو ما يعد "أقرب إلى التمني منه إلى الواقع"، خصوصًا أن النظام يلعب ورقة "حياة أو موت"، على حد تعبير فالي نصر.