- تحليل منظمة "أكليد" أظهر زيادة في الضربات الجوية الإسرائيلية منذ مايو، مع توثيق أكثر من 40 غارة في يونيو، مما يعكس استراتيجية إسرائيلية لتكثيف الضغط العسكري.
- تدمير المنازل السكنية يمثل انتهاكاً للقانون الدولي وحقوق الإنسان، ويعتبر من العقوبات الجماعية المحظورة التي ترقى إلى جرائم حرب، وفقاً للمحامي محمود الحشاش.
رفع الاحتلال الإسرائيلي وتيرة القصف وعمليات إخلاء منازل الفلسطينيين في قطاع غزة، عبر انتهاج سياسة الاتصالات الهاتفية المسبقة والتحذيرات من خلال المؤسسات الدولية قبل قصف هذه المنشآت بالطيران الحربي. ومساء أمس الأربعاء، دمر الاحتلال الإسرائيلي خمسة منازل في مناطق وسط القطاع بشكل مباشر، فيما تضررت عشرات المنازل في المربعات السكنية المجاورة بفعل القصف بالطيران الحربي، بالتزامن مع إبلاغ المؤسسة العسكرية المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) بسيطرتها على مساحة تراوح بين 67% و70% من مساحة القطاع.
وكان لافتاً عودة الاحتلال إلى سياسة إخلاء البيوت بصورة ممنهجة، إذ كانت البداية في مايو/أيار الماضي، حين أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على منزل لعائلة الأضم في مخيم الشاطئ، غرب غزة. وتبع قصف منزل عائلة الأضم سلسلة من الغارات التي طاولت منازل وتجمعات سكنية، وتسببت في دمار عشرات المنازل نتيجة القوة النارية المستخدمة في استهداف هذه البيوت، التي كان عدد كبير منها قد تعرض للدمار خلال حرب الإبادة. ووفقاً لتقديرات حصل عليها "العربي الجديد" من المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن نحو 68 منزلاً تعرضت للتدمير منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة جراء عمليات الإنذار المسبق بقصفها.
في المقابل، أظهر تحليل حديث صادر عن منظمة "أكليد" الأميركية المعنية برصد الصراعات أن وتيرة الضربات الجوية التي تنفذها قوات الاحتلال، إلى جانب هجمات الطائرات المسيّرة في قطاع غزة، شهدت تصاعداً ملحوظاً منذ مايو/أيار الماضي، في إطار تكثيف الضغط العسكري على القطاع.
ووفقاً للمعطيات، جرى توثيق أكثر من 40 غارة جوية وهجوماً بالطائرات المسيّرة خلال شهر يونيو/حزيران، وهو أعلى معدل شهري يُسجل منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
سياسة تهجير
في هذه الأثناء، قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون إن الاحتلال ما زال ينظر إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة باعتباره هدفاً استراتيجياً، ويتعامل مع الضغط على المدنيين بوصفه إحدى أهم الأدوات لتحقيق هذا الهدف، مشيراً إلى أن ما يجري اليوم من تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية يندرج ضمن سياسة ممنهجة تستهدف تقويض مقومات الحياة في القطاع وتهيئة الظروف لدفع السكان إلى الرحيل.
وأضاف المدهون في حديث لـ"العربي الجديد" أن الاحتلال يبدو أكثر اندفاعاً في المرحلة الحالية نحو توسيع عمليات التدمير، معتبراً أن ذلك يعكس تطوراً في السياسة الإسرائيلية، في ظل ما وصفه بحالة الصمت الإقليمي والدولي، الأمر الذي شجع حكومة الاحتلال على المضي في فرض وقائع جديدة على الأرض من دون خشية من مساءلة أو ضغوط حقيقية.
وأوضح أن مشاهد الدمار الواسعة باتت تمثل، بالنسبة إلى دوائر صنع القرار في الاحتلال، جزءاً من أدوات تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية، بل وقد تُستثمر أيضاً في الخطاب السياسي والانتخابي داخل إسرائيل، ولفت إلى أن تصريحات وزير الحرب يسرائيل كاتس بشأن مواصلة تدمير قطاع غزة تحمل دلالات ميدانية وسياسية، وتعكس وجود توجه واضح لمنح سياسة التدمير أولوية متزايدة خلال المرحلة المقبلة.
وبيّن أن استمرار تدمير الأحياء السكنية قد يمهد للانتقال إلى مراحل جديدة من إعادة توزيع السكان قسراً وفق المناطق التي يحددها الاحتلال، مؤكداً أن الاحتلال يستفيد من حالة الجمود السياسي والانشغال الإقليمي والدولي بملفات أخرى لتعزيز سياسة التدمير وفرض حقائق جديدة على الأرض، مستغلاً غياب ضغوط دولية فاعلة يمكن أن تحد من هذه الممارسات أو تفرض عليها كلفة سياسية وقانونية. ويوم الاثنين الماضي، أعلن كاتس، خلال جولة ميدانية في شمال قطاع غزة، أن مشاهد الدمار في القطاع تمنحه "شعوراً جيداً بالارتياح"، مهدداً بإقامة ثلاث نوى استيطانية إذا لم تنزع حركة حماس سلاحها.
من جانبه، قال المحامي والحقوقي في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان محمود الحشاش إن تدمير المنازل السكنية بات يشكل نهجاً ثابتاً تتبعه قوات الاحتلال، واستكمالاً للممارسات التي انتهجتها منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، من خلال قصف المنازل وتدميرها بصورة ممنهجة، سواء أثناء العمليات العسكرية أو بعد إخلاء المناطق من سكانها. وأضاف الحشاش في حديث لـ"العربي الجديد" أن هذا النهج يمثل مساساً خطيراً بجملة من الحقوق الأساسية المكفولة في القانون الدولي، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحق في الأمان الشخصي، والحق في السكن، مشيراً إلى أن استهداف المنازل المدنية على هذا النحو يندرج في إطار العقوبات الجماعية المحظورة، ويرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً عندما يُنفذ بحق مدنيين من دون التحقق من وجود أهداف عسكرية مشروعة.
وأوضح أن هذه الممارسات تتعارض بشكل واضح مع قواعد القانون الدولي الإنساني، وتخالف عدداً من المواثيق الدولية، من بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، اللذان يكفلان حماية المدنيين وحقوقهم الأساسية في أوقات النزاعات المسلحة. وأكد الحشاش أن توجيه إنذارات أو أوامر إخلاء للسكان لا يضفي أي مشروعية على استهداف المنازل، لأن المدنيين لا يستطيعون نقل ممتلكاتهم أو حماية مساكنهم خلال فترة زمنية قصيرة، فضلاً عن أن عمليات القصف كثيراً ما تمتد أضرارها إلى عشرات المنازل المجاورة التي لا علاقة لها بأي أهداف عسكرية.