السويد.. تحول استراتيجي من الحياد إلى الاصطفاف الأمني

06 مايو 2026   |  آخر تحديث: 15:48 (توقيت القدس)
أفراد من العائلة المالكة السويدية يتابعون عرضاً جوياً، 30 إبريل 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد السويد تحولاً استراتيجياً في سياستها الأمنية بانضمامها إلى الناتو بعد الحرب في أوكرانيا 2022، لتعزيز الردع الأوروبي عبر التعاون النووي مع فرنسا وتطوير "مظلة دفاعية أوروبية" مستقلة عن الولايات المتحدة.
- يتضمن التعاون الدفاعي المحتمل استقبال طائرات فرنسية نووية خلال الأزمات، مما يعكس استعداد السويد لاستخدام أراضيها كمنصة لوجستية وتدريبية ضمن تحالف نووي أوروبي موسع دون امتلاك السلاح النووي.
- يواجه التحول انقساماً داخلياً، حيث تؤيد غالبية الأحزاب تعزيز الدفاع الأوروبي، بينما تعارض أطراف مثل حزب الخضر واليسار أي توسع نووي، مع تأكيد السويد على عدم نشر أسلحة نووية على أراضيها.

تشهد السويد نقاشاً متسارعاً حول موقعها داخل منظومة الردع الأوروبية، بعد بدء حوار مع فرنسا خلال الأيام القليلة الماضية بشأن تعزيز التعاون الدفاعي والنووي في إطار الجهود الأوروبية لتقوية ما يُوصف بـ"المظلة النووية الأوروبية" في ظل تصاعد التوتر مع روسيا وتزايد التساؤلات داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) حول مستقبل الضمانات الأمنية التقليدية.

وبحسب خبراء تحدثوا إلى هيئة البث السويدية (SVT)، فإن التعاون مع فرنسا قد يتجاوز تدريبات عسكرية أو حماية الطائرات، ليصل في "المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام" إلى احتمال استقبال مؤقت لطائرات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية داخل الأراضي السويدية خلال أزمات أمنية حادة. ويرى هؤلاء أن مجرد طرح هذا الاحتمال قد يشكل عنصر ردع بحد ذاته تجاه روسيا، حتى من دون نشر فعلي لرؤوس نووية.

وقال الباحث في معهد أبحاث الدفاع FOI، كارل سورينسون، للمحطة نفسها، إن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في استخدام السويد منصةً لوجستية وتدريبية ضمن ترتيبات طارئة، تشمل استقبالاً مؤقتاً لطائرات فرنسية نووية ثم عودتها إلى قواعدها عند تراجع التوتر، مشدداً على أن هذه التصورات تبقى رهينة القرار السياسي وتطور البيئة الأمنية.

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في أكاديمية الدفاع النرويجية كييل إنغيلبورت أن هذا التعاون قد يضع السويد داخل "تحالف نووي أوروبي موسع" عبر التدريبات وسيناريوهات الردع من دون امتلاك السلاح النووي، مع عدم استبعاد استخدام أراضيها مؤقتاً في حالات التصعيد، وهو جزء من منظومة الردع الجماعي.

من الحياد التاريخي إلى الاصطفاف الأمني الغربي

يمثل هذا النقاش تحولاً استراتيجياً عميقاً في السياسة الخارجية والأمنية السويدية. فقد اعتمدت البلاد سياسة حياد صارمة منذ أوائل القرن التاسع عشر، خصوصاً بعد عام 1814، ما سمح لها بتجنب الانخراط في الحروب الأوروبية والعالمية، بما في ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية. وخلال الحرب الباردة، تبنت السويد ما عُرف بـ"الحياد المسلح"، عبر بناء قدرات دفاعية قوية من دون الانضمام إلى أي تحالف عسكري، مع الحفاظ على تعاون غير معلن مع الغرب. ورغم وصولها عتبة السلاح النووي، وهي تمتلك عدة مفاعلات، اتخذت قراراً بوقف تصنيعه، خصوصاً بدفع من رئيس الحكومة الأسبق أولاف بالمه الذي اغتيل في عام 1986، وبتأييد حركة سلام واسعة رافضة للحروب والسلاح النووي.

لكن يبدو أن التحول الجيوسياسي الذي أعقب الحرب في أوكرانيا عام 2022 أعاد رسم هذا الإرث التاريخي، لتتخلى السويد عن حياد استمر قرابة قرنين وتنضم إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو). ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في نقاشات أوسع حول تعزيز الردع الأوروبي، بما في ذلك التعاون النووي مع فرنسا في إطار تطوير "مظلة دفاعية أوروبية" أكثر استقلالاً نسبياً عن الولايات المتحدة، خصوصاً في سياق قاري على خلفية غياب اليقين التاريخي في التزامات الأخيرة بالدفاع عن الأوروبيين. هذا التحول يعكس انتقال السويد من سياسة "الحياد طويل الأمد" إلى ما يمكن وصفه بالاصطفاف الأمني داخل المنظومة الغربية، في سياق إعادة تشكيل أوسع للبنية الأمنية الأوروبية.

انقسام داخلي في السويد حول الردع... إعادة تعريف الأمن الأوروبي

على الصعيد الداخلي، لا يزال الموقف السويدي منقسماً. فبينما تؤيد غالبية الأحزاب المشاركة في البرلمان تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية ضمن الناتو والتعاون مع فرنسا وبريطانيا، تعارض أطراف سياسية، أبرزها حزب الخضر واليسار، أي توسع في الدور النووي الأوروبي داخل السويد، محذرة من تقويض معاهدة منع الانتشار النووي.

في المقابل، تتبنى أحزاب أخرى مقاربة أكثر براغماتية، ترى أن تصاعد التهديدات الأمنية، خصوصاً من روسيا، غير البعيدة عن ساحة التوتر في بحر البلطيق، يفرض إعادة النظر في بعض المحظورات التقليدية، من دون تجاوز الإطار القانوني الذي يمنع نشر أسلحة نووية في أوقات السلم. ورغم حدة النقاش، يتفق المراقبون في استوكهولم على أن ما يجري لا يتعلق بقرار فوري لنشر أسلحة نووية على الأراضي السويدية، بل بإعادة تموضع استراتيجي داخل شمال أوروبا، يعكس تحولات أوسع في ميزان الأمن الأوروبي وتراجع اليقين بشأن الالتزامات الأميركية طويلة الأمد.

في نهاية المطاف، تبدو السويد أمام مرحلة إعادة تعريف لهويتها الأمنية. فبين إرث الحياد التاريخي ومتطلبات العضوية في الناتو، وبين المظلة الأميركية والنقاش الأوروبي حول الردع النووي، تتحرك السياسة السويدية نحو نموذج أمني أكثر اندماجاً داخل المنظومة الغربية، وأكثر اعتماداً على ترتيبات الردع الجماعي. لكن هذا التحول يظل محكوماً بمعادلة دقيقة: تعزيز الردع من دون تجاوز الخطوط السياسية والقانونية التي ميّزت التجربة السويدية لعقود، في وقت تتغير فيه طبيعة الأمن الأوروبي بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة.