وقّع عليها المفوضون الموكلون من حكوماتهم في فيينا بتاريخ 18 إبريل 1961.
اتفاق أرمينيا وأذربيجان برعاية ترامب: تكريس تراجع دور روسيا
استمع إلى الملخص
- دور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: يعزز الاتفاق النفوذ الأميركي بتسمية "طريق ترامب للسلام" على ممر زنغزور، وإغلاق مجموعة مينسك، مما يضعف موقف أرمينيا التفاوضي.
- التحديات والمستقبل: يواجه الاتفاق تحديات مثل عدم معالجة قضايا أسرى الحرب وحقوق اللاجئين، مما قد يعيد الصراع. نجاح الولايات المتحدة يعتمد على الدعم السياسي والمالي وردود الفعل الإقليمية.
نشرت وزارتا الخارجية في أرمينيا وأذربيجان، أول من أمس الاثنين، نص الاتفاق الموقع بين وزيري خارجية البلدين، الأرميني أرارات ميرزويان والأذربيجاني جيهون بيراموف، في البيت الأبيض، الجمعة الماضي، من أجل إرساء السلام والعلاقات الثنائية. وتضمنت الوثيقة 17 مادة فضلاً عن الديباجة، وتحتاج إلى التصديق عليها في باكو ويريفان، قبل أن تصبح سارية المفعول، في عملية قد لا تنتهي قبل صيف العام المقبل على أقل تقدير. ويُعدّ الاتفاق نتيجة لجهود أربع سنوات متواصلة لإرساء السلام بين الجارتين السوفييتيتين السابقتين في جنوب القوقاز، اللتين تسعيان لإنهاء أطول صراع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، في عام 1991. ووجه مكان توقيع الوثيقة في البيت الأبيض، واستخدام اللغتين الأرمينية والأذربيجانية واعتماد الانكليزية لفض أي خلاف في معنى أي حكم من أحكام الاتفاق، رسالة مهمة حول تراجع دور الكرملين في التأثير على البلدين سياسياً وثقافياً.
لا بد من الإشارة إلى أن الاتفاق، غير الملزم حتى الآن، اكتسب أهمية إضافية إثر توقيع "خريطة طريق في سبيل السلام" وهو إعلان مشترك، بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، بعد توقيع الاتفاق بين ميرزويان وبيراموف. وخطفت صور ابتسامة علييف وباشينيان الأنظار، وهما يتصافحان واقفين برعاية ترامب الجالس، في رسالة رمزية أخرى حول صاحب القرار الحقيقي في جنوب القوقاز من المنظور الأميركي. وقال الزعماء الثلاثة إنهم شهدوا التوقيع على الاتفاق بين وزيري خارجية أرمينيا وأذربيجان و"أقررنا بضرورة مواصلة الجهود للتوصل إلى توقيع الاتفاق والتصديق عليه نهائياً، وأكدنا على أهمية الحفاظ على السلام وتعزيزه بين بلدينا".
خُلّد دور ترامب باعتماد اسمه على ممر زنغزور بين أرمينيا وأذربيجان
سلام أرمينيا وأذربيجان
في المقابل، نصّ البند الثاني على أن وزيري خارجية أرمينيا وأذربيجان توافقا على توجيه نداء مشترك إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بشأن إغلاق مجموعة مينسك التابعة للمنظمة والهياكل ذات الصلة. ودعا هذا البند زعماء "جميع الدول المشاركة في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى اعتماد هذا القرار". وينهي البند الثاني الآليات السابقة لتسوية النزاع والمعتمدة منذ حرب إقليم ناغورنو كاراباخ بين عامي 1992 و1994. ومعروف أن مجموعة مينسك كانت برئاسة روسية فرنسية أميركية مشتركة. وبدا أن أذربيجان توصلت إلى غايتها بإنهاء عمل المجموعة، ما يضعف موقف أرمينيا التفاوضي مستقبلاً ويحرمها من الدعم الأوروبي.
وكرّس الإعلان المشترك لقادة الدول الثلاث الرئيس الأميركي صانعاً للسلام، وخلّد دوره باعتماد اسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين" (تي أر آي بي بي)، على ممر زنغزور الذي يصل الكتلة الأساسية من أراضي أذربيجان مع جمهورية ناخيتشفان الأذربيجانية المحصورة داخل أراضي أرمينيا. وأكد الزعماء الثلاثة على الاتفاقات السابقة بين أرمينيا وأذربيجان التي كان أولها اتفاق العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، برعاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، والذي أوقف حرباً اندلعت بينهما في العام نفسه. وبدا أن الجانب الأميركي تعمّد الإشارة إلى هذا الموضوع في ثلاثة بنود، رغم أنه لم يحسم، من أجل تبرير دعوة باشينيان وعلييف منح ترامب جائزة نوبل للسلام.
وفي الإعلان قال الزعماء: "أكدنا مجدداً أهمية فتح قنوات الاتصال بين البلدين في مجال النقل الداخلي والثنائي والدولي، بما يعزز السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة وفي جوارها، على أساس احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وسلطتها القضائية. وتشمل هذه الجهود تحقيق اتصال سلس بين الجزء الرئيسي من جمهورية أذربيجان وجمهورية ناخيتشفان ذات الحكم الذاتي عبر أراضي جمهورية أرمينيا، بما يعود بالنفع على جمهورية أرمينيا في مجال التواصل الدولي والداخلي". وبحسب الإعلان "ستعمل جمهورية أرمينيا مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، يتم الاتفاق عليها بشكل متبادل لوضع إطار عمل لمشروع طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين على أراضي جمهورية أرمينيا. ونؤكد عزمنا على مواصلة الجهود بحسن نية لتحقيق هذا الهدف في أسرع وقت ممكن".
الاتفاق الذي وقّع وزيرا خارجية أرمينيا وأذربيجان عليه تمّ بعد توصل البلدين إليه في مارس/ آذار الماضي، إثر مفاوضات ماراثونية رعتها روسيا وفرنسا ودول أخرى، وقررا عدم الكشف عنها لإتمام التفاصيل. والاتفاق ليست معاهدة سلام نهائية، ومن غير المتوقع التوقيع والتصديق عليه في المدى القريب. وفضلاً عن ميثاق الأمم المتحدة، تطرقت الديباجة إلى إعلان ألماتا (كازاخستان) الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 1991، والذي يُعيد تأكيد احترام حدود الحقبة السوفييتية. وواضح أنّ أرمينيا أصرّت بشدة على هذه النقطة، بينما حاولت أذربيجان حذفها، تاركةً الباب مفتوحاً أمام الإشارة إلى خرائط مختلفة من الحقبة السوفييتية أو ما قبلها لصالحها، وتطلق أذربيجان على جزء من الأراضي الأرمينية مسمّى "غربي أذربيجان".
لا مطالب مستقبلية وفق الاتفاق
ونصّ البند الأول في الاتفاق على أنّ الطرفين "يعترفان ويحترمان سيادة كل منهما وسلامة أراضيه وحرمة حدوده الدولية واستقلاله السياسي"، على أساس الحدود بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي الاشتراكية السابقة. وبناء على البند الأول "يؤكد الطرفان أنه ليس لديهما أي مطالبات إقليمية تجاه بعضهما البعض، ولن يثيرا أي مطالبات من هذا القبيل في المستقبل"، ويتعهدان بعدم القيام بأي عمل يهدف إلى تفكيك أو إضعاف السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية للطرف الآخر، كلياً أو جزئياً. ويتعهد الطرفان بأنهما "لا يسمحان لأي طرف ثالث باستخدام أراضيهما لاستخدام القوة ضد الطرف الآخر بما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة"، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما. ونصّ الاتفاق على قيام علاقات دبلوماسية وقنصلية، وفقاً للاتفاقات الدولية الناظمة بعد فترة، لم تحدد، من تبادل وثائق التصديق على هذا الاتفاق بين الطرفين. ودعا الاتفاق الطرفين إلى عقد "مفاوضات بحسن نية بين لجان الحدود المعنية، وفقاً للوائح المتفق عليها من قبل اللجان، لإبرام اتفاقية ترسيم وترسيم حدود الدولة بين الطرفين".
بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ ستتوقف دوريات بعثة الاتحاد الأوروبي
ورغم أنّ الاتفاق بشكل عام يشكل ضربة لجهود روسيا المستمرة منذ سنوات لإنهاء صراع أرمينيا وأذربيجان وتداعياته، لكنه في الوقت ذاته يوجه سهامه نحو الاتحاد الأوروبي. وحسب المادة السابعة: "لا ينشر الطرفان على طول حدودهما المشتركة قوات تابعة لأي طرف ثالث. ويُنفذ الطرفان، ريثما تُرسم حدودهما المشتركة، تدابير الأمن وبناء الثقة المتفق عليها، بما في ذلك في المجال العسكري، بهدف ضمان الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية". عملياً، اتفق الطرفان على ضرورة مغادرة مراقبي الاتحاد الأوروبي المناطق الحدودية لأرمينيا، ومعلوم أن باكو وموسكو عدتا مهمتها عسكرية ـ شرطية، وشكّلت "منطلقاً للتدخل الغربي" في جنوب القوقاز.
وردت روسيا بقوة على افتتاح ثلاثة مراكز عملياتية لبعثة مراقبة الاتحاد الأوروبي في أرمينيا. في 14 يونيو/ حزيران 2023، قالت الممثلة الرسمية لوزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: "لقد فُرض نشر وجود الاتحاد الأوروبي على أراضي أرمينيا، تحت ضغط شديد من بروكسل. فرض الاتحاد الأوروبي وجوده عملياً. إن إطلاق البعثة، التي أُعلن عن غرضها المساعدة في تطبيع العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان تم بشكل أحادي الجانب، من دون توافق الآراء، ومن دون موافقة الجانب الأذربيجاني والجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى، ودون الإبلاغ المناسب". وأضافت أنّ "هذا يؤكد الخلفية الحقيقية لسياسة الاتحاد الأوروبي في المنطقة، والتي تتمثل في إجبار روسيا على الانسحاب من منطقة القوقاز، وتحويل جنوب القوقاز إلى ساحة مواجهة جيوسياسية على حساب المصالح الأساسية لسكانها".
قيادة أميركية لجنوب القوقاز
من الواضح أنّ هذه المادة تفتح على إمكانية عصر جديد بقيادة أميركية للمنطقة من دون تأثير فعال لبروكسل وموسكو، وتنفيذ المادة السابعة يسهم في تشكيل واقع جديد في جنوب القوقاز، خصوصاً مع الحديث عن إمكانية تفويض حماية "ممر ترامب" لقوات أميركية خاصة لمدة طويلة. وفي مراحل سابقة، أرادت أرمينيا أن تشير المادة فقط إلى "القوات المسلحة" حتى لا تنطبق على البعثة المدنية للاتحاد الأوروبي. لم توافق أذربيجان. وبعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، ستتوقف دوريات بعثة الاتحاد الأوروبي التي تقدم تقاريرها إلى بروكسل، ورداً على ذلك، اقترحت أرمينيا تعديل التفويض نحو مراقبة جوانب أخرى ومساعدة إصلاحات جهاز حرس الحدود الأرميني.
وتنص المادة الثامنة على التخلي عن المطالبات الإقليمية بأراضي الدولة الأخرى. ورغم أن المادة 12 تنص على أنه "يسترشد الطرفان في علاقاتهما الثنائية بالقانون الدولي وهذا الاتفاق. ولا يجوز لأيٍّ من الطرفين التذرع بأحكام تشريعاته الداخلية لتبرير عدم تنفيذه لهذه الاتفاق. ويمتنع الطرفان، وفقاً لاتفاقية فيينا
لقانون المعاهدات (1969)، عن القيام بأيّ أعمال من شأنها إحباط هدف هذه الاتفاق وغرضها قبل دخولها حيز النفاذ". لكن هذه المادة تقوّض الشروط الأذربيجانية السابقة بشأن تعديل أرمينيا لدستورها قبل توقيع الاتفاق، ويبدو أن أذربيجان تصر على إجراء تغييرات دستورية، ولذلك تُعدّ المعاهدة مجرد وثيقة موقّعة مسبقاً، ومن غير المُرجّح إتمامها في غضون عام أو عامين، لا سيما بالنظر إلى الانتخابات الوطنية المُقرر تنظيمها في أرمينيا عام 2026، والاستفتاء الدستوري المُحتمل الذي يليها.وتدعو المادة 15 إلى سحب القضايا القانونية الجارية. ويُلغي هذا البند عملياً انضمام أرمينيا إلى المحكمة الجنائية الدولية وتصديقها على نظام روما الأساسي، الهادف إلى مقاضاة جرائم الحرب الأذربيجانية ومنع وقوع جرائم جديدة. وبموجب هذه المادة، فإنه في غضون شهر واحد من تاريخ نفاذ هذ الاتفاق، يسحب الطرفان أو يلغيان أو يسويان بأي شكل آخر، أي مطالب أو شكاوى أو طعون أو اعتراضات أو إجراءات أو نزاعات بين الدولتين، رُفعت أمام أي هيئة قانونية تتعلق بمسائل قائمة بين الطرفين قبل توقيع هذه الاتفاقية، ولا يجوز لهما رفع مثل هذه المطالب أو الشكاوى أو الطعون أو الاعتراضات أو الإجراءات، ولا يجوز لهما التدخل بأي شكل من الأشكال في المطالب أو الشكاوى أو الاعتراضات أو الإجراءات التي يرفعها أي طرف ثالث ضد الطرف الآخر.
الاتفاق بشكله الحالي يصب في مصلحة أذربيجان وتفرض شروط المنتصر
أذربيجان تفرض شروطها
ومن الواضح أن الاتفاق بشكله الحالي يصب في مصلحة أذربيجان وتفرض شروط المنتصر، تُغفل عدة قضايا جوهرية. فهي لا تُشير إلى أسرى الحرب الأرمن المحتجزين حالياً لدى أذربيجان، ولا تُقدم أي ضمانات تتعلق بحقوق اللاجئين أو حق العودة تحديداً مع نزوح جميع سكان إقليم ناغورنو كاراباخ بعد حرب 2023، ولا يشير الاتفاق إلى الأراضي التي لا تزال تحت السيطرة الأذربيجانية، التي تُعهد بمسؤوليتها إلى لجان ترسيم الحدود، ولا تتضمن أحكاماً لحماية التراث الثقافي الأرميني في ناغورنو كاراباخ. ومن غير المستبعد أن يسهم اتفاق أرمينيا وأذربيجان بعد إقراره رسمياً في تحقيق الاستقرار على المدى القصير، إلّا أنّه لا يغلق الباب تماماً أمام احتمالات عودة الحرب مستقبلاً في حال تغير موازين القوى.
وقد يدفع الاتفاق روسيا إلى التقارب مع أرمينيا سواء بدعم باشينيان أو غيره من الشخصيات القومية الأرمينية، نظراً للمخاطر على الطرفين، رغم أن سياسات باشينيان في السنتين الأخيرتين أغضبت الكرملين، خصوصاً بما يتعلق بطرد قوات حرس الحدود الروس من المطارات والحدود، والتقرب من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتجميد العضوية في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. ومن الحوافز المهمة لروسيا لزيادة التنسيق مع أرمينيا وإيران، بدرجة أقل، هو التراجع الكبير في علاقاتها مع أذربيجان في الأشهر الأخيرة. والأهم الاختلال بموازين القوى في منطقة جنوب القوقاز والتوغل الأميركي في منطقة تعد استراتيجية من الجوانب الأمنية والعسكرية والاقتصادية، ما يجعل الولايات المتحدة لاعباً كبيراً على حدود روسيا الجنوبية، التي خاضت حروباً طويلة منذ العهد القيصري لتثبيت وجودها فيها.
ومن دون التقليل من أهمية اتفاق أرمينيا وأذربيجان والإعلان المشترك، فإنّ نجاح واشنطن في تعزيز وجودها رهن بمزاجية ترامب، إضافة إلى تخصيص موارد مالية واستثمارات لضخها في المنطقة، ورد فعل الأطراف في جنوب القوقاز واللاعبين الخارجيين مثل تركيا وإيران والصين والاتحاد الأوروبي وبالطبع روسيا. ومن غير المؤكد أن تسير الإدارات المقبلة على خطى ترامب في التركيز على هذه المنطقة، بافتراض أن ما جرى في المكتب البيضاوي ليس سوى مجرد مسرحية إضافية لدعم صورة ترامب كداعم للسلام والدفع لنيله جائزة نوبل، من دون القدرة حتى الآن على تحقيق أهم وعد انتخابي في مجال السلام وهو وقف الحرب في أوكرانيا.