إستونيا تستعد لحرب محتملة... تدريب المدنيين على الطائرات المسيّرة لمواجهة روسيا
على مشارف عاصمة إستونيا، يتدرب مدنيون على قيادة الطائرات المسيّرة، ليس باعتبارها هواية تكنولوجية جديدة، بل جزءاً من استعداد وطني لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية في منطقة باتت تشعر بأنها الأقرب إلى الخطر الروسي. فمع استمرار الحرب في أوكرانيا، تحوّلت المخاوف الأمنية في دول البلطيق إلى واقع يومي، فيما يدفع الشعور بالتهديد المتزايد، آلاف المواطنين إلى تعلّم مهارات دفاعية كانت في السابق حكراً على الجيوش، وذلك بحسب ما تنقله وسائل الإعلام الإستونية.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وداخل مركز تدريب مدني، يجلس متطوعون أمام أجهزة محاكاة، ويتعلمون كيفية تشغيل الطائرات المسيّرة للاستطلاع والمراقبة. ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يتوسع المشروع الذي يقوده رجل الأعمال الإستوني تافي كوتكا، بالتعاون مع وزارة الدفاع وجمعية الدفاع التطوعي Kaitseliit، بهدف بناء شبكة واسعة من المدنيين القادرين على استخدام هذه التكنولوجيا في حال وقوع أزمة.
ويقول كوتكا إن إستونيا دولة صغيرة، وإن امتلاك عدد كبير من المواطنين لهذه المهارات قد يكون عاملاً حاسماً في أي مواجهة مستقبلية. ويضيف في حديث لهيئة الإذاعة الإستونية الأسبوع الماضي: "إذا اندلعت حرب، فسيصبح جميع المدنيين جنوداً"، مشيراً إلى أن الحروب الحديثة أثبتت أهمية الطائرات المسيّرة في جمع المعلومات وضرب الأهداف.
عشرات الآلاف من المتطوعين في مشروع دفاعي جديد
يحمل البرنامج اسم "النسر الغاضب"، ويتضمن خمس مراحل تدريبية، تبدأ من المستوى الأساسي وتنتهي بمهارات متقدمة في تشغيل الطائرات المسيّرة وتصنيعها واستخدامها في الاستطلاع. والهدف، بحسب القائمين عليه ووزارة الدفاع في إبريل/ نيسان الماضي، هو الوصول مستقبلاً إلى عشرات الآلاف من الإستونيين القادرين على دعم القدرات الدفاعية للبلاد. ويشارك في الدورات مدنيون من مختلف الأعمار؛ فأصغر المشاركين يبلغ 16 عاماً، بينما تجاوز أكبرهم 70 عاماً، وتشكل النساء نحو خمس المشاركين.
يهدف البرنامج إلى الوصول مستقبلاً إلى عشرات الآلاف من الإستونيين القادرين على دعم القدرات الدفاعية للبلاد
ويهدف التدريب، وفقاً للقائمين عليه، قبل كل شيء، إلى زيادة عدد الأشخاص المستعدين للدفاع عن البلاد. ويؤكد القائمون على البرنامج أن الهدف ليس تحويل المجتمع إلى جيش، بل خلق قدرة وطنية على الاستجابة السريعة في حال تعرُّض إستونيا لأزمة.
روسيا... الجار الذي لا يغيب عن الحسابات
وتعيش إستونيا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، على تماس مباشر مع روسيا. وتمتد الحدود بين البلدين لنحو 300 كيلومتر، وهي، في الوقت نفسه، جزء من الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي. ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على استقلالها، بقيت العلاقات مع موسكو متوترة. فقد فشلت محاولات التوصل إلى اتفاق نهائي حول الحدود، خصوصاً بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم غزو أوكرانيا عام 2022.
وترى دول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، أن الحرب في أوكرانيا أعادت إحياء مخاوف قديمة من احتمال تعرضها لضغوط روسية، إن عبر القوة العسكرية، أو عبر أساليب هجينة تشمل الهجمات الإلكترونية، والتضليل الإعلامي، واستخدام الأقليات الناطقة بالروسية ورقةً سياسيةً. وخلال السنوات الماضية، اتهمت إستونيا روسيا بتنفيذ عمليات اختراق إلكتروني واسعة، ومحاولات للتأثير في الرأي العام، إضافة إلى انتهاكات متكررة للمجال الجوي قرب حدودها.
اختراق روسي متعدد المستويات
لا يقتصر القلق في دول البلطيق على احتمال هجوم عسكري مباشر، بل يمتد إلى ما يعرف بـ"الحرب الهجينة"، حيث تستخدم الدول أدوات غير عسكرية لإضعاف خصومها. وتقول السلطات الإستونية إن روسيا حاولت استغلال الفضاء الرقمي للتأثير في المؤسسات الحكومية والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات الاتصالات والطاقة. وشهدت البلاد حملات تضليل تستهدف الثقة بالحكومة وبالمؤسسات الغربية.
وتُعدّ إستونيا من أكثر الدول الأوروبية تقدماً في مجال الأمن الرقمي، لكن اعتمادها الكبير على التكنولوجيا يجعلها أيضاً هدفاً محتملاً للهجمات السيبرانية، وفقاً لما قاله المركز الدولي للدفاع والأمن في إستونيا، في إبريل الماضي.
الناتو ضمانةً أمنيةً
وترى تالين أن عضويتها في حلف الناتو تمثل خط الدفاع الأساسي في مواجهة روسيا، كما أكد الموقع الرسمي للرئاسة الإستونية في 13 مايو/ أيار الماضي. ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، عزز الحلف وجوده العسكري في دول البلطيق، ونشر قوات متعددة الجنسيات على الجبهة الشرقية.
كذلك رفعت إستونيا إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، إذ ارتفع من نحو 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023 إلى نحو 5% ابتداءً من العام الحالي 2026، في إطار توجه أوسع داخل الناتو لزيادة الاستعداد العسكري، وهو ما شدد عليه رئيس البرلمان الإستوني، لاوري هوسار، على موقعه الرسمي في 2 يوليو/ تموز الماضي. لكن، رغم اعتمادها على الحلف، تسعى إستونيا إلى بناء قدرة دفاعية مجتمعية، تقوم على فكرة أن الدفاع عن البلاد لا يقتصر على الجيش النظامي، وهو ما يُطبّق عملياً في فنلندا منذ عقود.
ويؤكد الإستونيون أن الطائرات المسيّرة قد تغير شكل المعارك، مستفيدين من التجربة الأوكرانية، لكنها لا تستطيع وحدها منع احتلال دولة. وبينما تستمر الحرب في أوكرانيا، تبدو إستونيا ودول البلطيق وكأنها تعيش مرحلة استعداد طويلة، إذ لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من مواطنيها عما إذا كان التهديد الروسي موجوداً، بل عن كيفية الاستعداد له قبل أن يتحول إلى أزمة حقيقية.