- وُلد في إزمير بتركيا عام 1929، وبرز في السياسة الفرنسية من خلال مناصب حكومية بارزة، حيث قاد تحولاً ليبرالياً في الاقتصاد الفرنسي.
- رغم هزيمته في انتخابات 1995، ظل شخصية مؤثرة في اليمين الفرنسي، ملهمًا للسياسيين بمقترحاته حول الاقتصاد والأمن والهجرة.
حتى وهو في الـ96 من العمر، لم يتوقف إدوار بالادور عن متابعة الشؤون السياسية الفرنسية، والخوض فيها، والكتابة عنها. في نهاية إبريل/نيسان الماضي، نشر رئيس الوزراء الأسبق، في صحيفة "لوفيغارو"، ما سيصبح آخر مقال له. ولم يبدُ أن العمر، أو ابتعاده عن ممارسة السياسة منذ أكثر من عقدين، قد أبعداه عن شغفه هذا، ولا عن رغبته الدائمة في منع غريمه، اليسار، من الوصول إلى السلطة. والحال أن الصحيفة المحافظة لم تبالغ حين اختارت لمقاله عنواناً مقتبساً من إحدى جمله: "الهدف واضح: يجب تجنُّب وصول مرشح فرنسا الأبية إلى الدور الثاني" من الانتخابات الرئاسية المقبلة. وكان بالادور يريد للدور الثاني من الانتخابات التي ستقام في ربيع 2027 أن يشهد مواجهة بين مرشح يجمع اليمين ويمين الوسط، ومرشحة اليمين المتطرف. ولتحقيق ذلك، دعا اليمين ويمين الوسط إلى تنظيم انتخابات تمهيدية لاختيار مرشح واحد، والاتفاق قبل الاقتراع على برنامج مشترك للحكم.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وأمس الاثنين، رحل بالادور في باريس بعدما أتم عامه الـ97، وبعدما "كرّس حياته للجمهورية الخامسة"، بحسب عبارة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي نعاه أمس في منشور على منصة "إكس". وكتب ماكرون أن رئيس الوزراء الأسبق "كان يحمل فرنسا في قلبه"، فيما وصفه بيان للقصر الرئاسي، صدر اليوم، بأنه كان رجل دولة "ليبرالياً وأوروبياً"، وجمع بين الحرص على استمرارية مؤسسات الدولة وضرورة إصلاحها.
وُلد إدوار بالادور في إزمير، بتركيا، عام 1929، في عائلة من أصول أرمينية، ونشأ في مرسيليا بعد انتقال أسرته إلى فرنسا في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي. درس في معهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة الوطنية للإدارة، ثم التحق بمجلس الدولة، قبل أن ينضم عام 1964 إلى مكتب جورج بومبيدو في رئاسة الوزراء، ويرافقه لاحقاً إلى قصر الإليزيه، حيث تولى الأمانة العامة للرئاسة في العام الأخير من حكم بومبيدو (1969 ـ 1974). وبعد وفاة الأخير عام 1974، عمل بالادور عدة سنوات في القطاع الخاص، قبل أن يعود إلى السياسة إلى جانب جاك شيراك، الذي ينتمي مثله إلى يمين متمسك بأفكار الجنرال شارل ديغول.
وفي عام 1983، نشر في صحيفة "لوموند" مقالاً دافع فيه عن إمكانية أن يتولى شيراك رئاسة الحكومة مجدداً في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران، معتبراً أن الدستور لا يمنع الرئيس من اختيار رئيس للوزراء ينتمي إلى الأكثرية البرلمانية المعارضة له. وتحققت الفكرة بعد فوز اليمين بالانتخابات التشريعية عام 1986، ليتولى بالادور وزارة الاقتصاد والمالية والخصخصة في حكومة شيراك الثانية. ومن موقعه الوزاري، قاد تحولاً ليبرالياً واسعاً، فأنهى سياسة ضبط الأسعار المعمول بها منذ عام 1945، وألغى الرقابة على الصرف، وباع عدداً من كبرى الشركات التي كانت الدولة تملكها.
وقدّم بالادور الخصخصة، حينها، بوصفها مدخلاً إلى ما سماه "الرأسمالية الشعبية"، التي قال إنها تتيح لصغار المدّخرين وعموم الفرنسيين شراء الأسهم والاستفادة من أرباحها، فضلاً عن إمكانية لعب دور في بعض من أبرز المؤسسات والشركات في البلد. ورغم شعبية المقترح أول الأمر، فإن جانباً من الحصص المؤثرة تركز في يد عدد محدود من كبار المساهمين، بينهم شخصيات ومجموعات قريبة من السلطة. ولم تكن هذه السياسة غريبة على مواقف الراحل الذي كان شديد النقد للدولة ولـ"القيود" التي تفرضها على الاقتصاد، ودعا إلى التقليل من تدخّلها في السوق، من دون التخلي تماماً عن دورها في ضبطه لمصلحة البلد، ضمن ما اقترح تسميته "ليبرالية على الطريقة الفرنسية".
وحين اختاره ميتران لرئاسة الوزراء بعد فوز اليمين مجدداً بالانتخابات التشريعية عام 1993، ذهب أبعد في تقليص عدد من المكاسب الاجتماعية. فقد رفعت حكومته، على سبيل المثال، مدة الاشتراك المطلوبة من العاملين في القطاع الخاص للحصول على تقاعد كامل من 37 سنة ونصف السنة إلى 40 سنة. كما خفضت نسبة النفقات التي يعوّضها التأمين الصحي، وزادت المبلغ اليومي الذي يدفعه المريض خلال إقامته في المستشفى، وأقرت قانوناً شدّد شروط دخول الأجانب وإقامتهم في البلد.
ومع ارتفاع شعبيته خلال الأشهر الأولى من رئاسته للحكومة، بدأ بالادور يتقدم على شيراك في استطلاعات الرأي، ما دفعه إلى اتخاذ قراره بالترشح للرئاسة عام 1995. وكان شيراك يستعد منذ سنوات لخوض الانتخابات، ليجد نفسه في مواجهة مع رئيس وزرائه. وانحاز قسم كبير من وزراء الحكومة إلى بالادور، وفي مقدمتهم نيكولا ساركوزي، وزير الموازنة والمتحدث باسم الحكومة يومها. كما تلقى بالادور ثناء جان ماري لوبان، زعيم حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف، فيما اتهمه أنصار شيراك بالغموض تجاه الحزب المتطرف وعدم إبداء موقف واضح منه. وبخلاف ما تنبأت به الاستطلاعات، حل بالادور ثالثاً في الدور الأول من الانتخابات، خلف الاشتراكي ليونيل جوسبان وشيراك.
ولم تُنه تلك الهزيمة أثره داخل اليمين الفرنسي، بل ظل "قدوة ومعلماً"، بعبارة ساركوزي بعد وفاته. وقال الرئيس الأسبق إنه ما كان ليعرف المسار السياسي الذي عرفه لولا ثقة بالادور به. ويتجاوز تأثير بالادور في اليمين الفرنسي حالة ساركوزي وحدها، إذ يستعيد العديد من مرشحي الرئاسة اليوم، من إدوار فيليب وغابريال أتال إلى برونو روتايو، بعضاً من مقترحاته ومقولاته حول ضرورة "تحرير" الاقتصاد، والتقليل من تدخل الدولة فيه، إلى جانب التشدد في قضايا الأمن والهجرة.