ألمانيا تعزز التسلّح: خطة شاملة لمواجهة تهديدات روسية لأوروبا الشرقية
استمع إلى الملخص
- وضعت ألمانيا خطة (OPLAN DEU) لنقل قوات الناتو عبر أراضيها في حال نشوب صراع مع روسيا، تشمل نقل 800 ألف جندي و200 ألف قطعة عسكرية، مع دعم لوجستي وحماية من الهجمات السيبرانية.
- سياسياً، تدعم ألمانيا تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وبناء تحالفات مع دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق، مع رفع ميزانية الدفاع وتحديث البنية التحتية لضمان الردع ضد التهديدات الروسية.
في العام الرابع للحرب في أوكرانيا، تشهد أوروبا مراجعة أمنها الجماعي، بينما تتجه ألمانيا بقيادة المستشار فريدريش ميرز، لتعزيز استعدادها الدفاعي غير المسبوق لحماية أوروبا ودول البلطيق، لا سيما إستونيا، مع الحد من الاعتماد على الولايات المتحدة. وتشير التقديرات الاستخباراتية، مثل تقرير المخابرات الدنماركية لعام 2025، إلى أن روسيا ستصبح خلال فترة قصيرة تهديداً حقيقياً لدول الناتو في منطقة بحر البلطيق بمجرد تجميد الحرب في أوكرانيا أو توقفها، ما قد يؤدي إلى عمليات عسكرية إقليمية ضد عدة دول في أوروبا الشرقية.
وأكدت تجربة الحرب الأوكرانية، وفقاً لقراءات بعض الأوروبيين، ضعف بعض الدول الأوروبية في التأهب المبكر، وأظهرت الحاجة الملحة لتعزيز القدرات الدفاعية، سواء من ناحية العدد أو من ناحية اللوجستيات العسكرية، بما يشمل نقل القوات والمعدات الثقيلة بسرعة وكفاءة. وأشار تقرير لفيلت الألمانية في العاشر من فبراير/شباط، إلى أن القوات المسلحة أجرت مؤخراً تمرين حرب ألماني، بيّن أنه حتى إذا هاجمت روسيا حلف الناتو في عام 2026، فقد ينتهي الأمر بنجاحها، بسبب تردد الغرب، وافتقاره الإرادة للانخراط في حرب، رغم تأكيدات بأن أوروبا ستخصص 5% من الناتج الإجمالي المحلي على التسلح في الناتو بحلول 2035.
خطة العمليات الألمانية (OPLAN DEU)
وتعتبر أجهزة الأمن الألمانية، مثل الدنماركية، التهديد الروسي منذ خريف 2024 حقيقياً وجاداً، خاصة بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا، إذ تُشير التقييمات إلى احتمال أن تستغل روسيا أي توقف أو تجميد للقتال لممارسة ضغط استراتيجي على دول الناتو الشرقية مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. وتؤكد التحليلات إمكانية تنفيذ هجمات مفاجئة، بما فيها الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة، ما يجعل الاستعداد الدفاعي المبكر أمراً حيوياً. في هذا السياق، بررت ألمانيا وضعها في خريف العام الماضي، خطة عملياتية سرية تُعرف باسم (OPLAN DEU) Operationsplan Deutschland، وتهدف إلى توجيه حركة القوات العسكرية الضخمة لحلف الناتو عبر أراضيها، في حال نشوب صراع واسع مع روسيا، خصوصاً إذا استهدف أي اعتداء دولة عضواً مثل إستونيا، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في التفكير الدفاعي الأوروبي من نهج السلم إلى استعداد جدي للتهديدات التقليدية الكبيرة.
أُعدت الوثيقة التي تضم نحو 1200 صفحة، من قبل كبار الضباط العسكريين في برلين، وتحدد إجراءات نقل ما يصل إلى 800 ألف جندي و200 ألف قطعة عسكرية عبر ألمانيا، مع توفير كل عناصر الدعم الأساسية: مأكل وشراب ووقود ومواقع إقامة للقوات والمعدات، فيما يعد الهدف الأساسي منها "ليس الحرب؛ تعزيز الردع الاستراتيجي وإرسال رسالة واضحة لأي خصم محتمل بعدم القدرة على تحقيق مكاسب سريعة". وتشمل الخطة البنية التحتية المدنية والعسكرية بشكل متكامل، من موانئ هامبورغ وبريمن إلى السكك الحديدية والطرق السريعة والممرات المائية، مع حماية القوافل من الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة والتخريب، وفق نهج شامل، وبمشاركة القطاع المدني لضمان سرعة وكفاءة النقل. وقد أبرمت ألمانيا اتفاقيات مع شركات كبرى، مثل راينميتال لتوفير معسكرات مؤقتة، ودويتشه بان، وشركات لوجستية لنقل المعدات والجنود، ما يجعل المجتمع جزءاً من منظومة الردع.
واختُبرت الخطة عبر عدة تمرينات ميدانية، أبرزها "العاصفة الحمراء برافو" في هامبورغ، حيث جرى نقل 500 جندي مع 65 مركبة، مع محاكاة تهديدات متعددة تشمل هجمات الطائرات المسيرة، واحتجاجات مدنية، وقطع الطرق، واختناقات المرور. وكشفت التدريبات عن بعض نقاط الضعف، مثل محدودية العربات المتخصصة للسكك الحديدية، ونقص بعض البنية التحتية العسكرية المدنية، بما في ذلك الطرق والجسور والموانئ الشمالية، ما دفع ألمانيا لتحديثها وتعزيز جاهزيتها.
سياسياً، يدعم المستشار فريدريش ميرز تعزيز القدرات الدفاعية الألمانية والأوروبية، وبناء تحالفات استراتيجية مع دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق، لضمان قيادة ألمانيا دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وتؤكد الخطة على إشراك المجتمع المدني والبنية التحتية ضمن منظومة شاملة لتعزيز الردع الاستراتيجي. وتمثل الخطة نموذجاً حديثاً للتفكير الدفاعي، يجمع بين النقل العسكري الاستراتيجي، والتحصين اللوجستي، وإشراك المجتمع المدني، والتمرينات العملية، مع التنسيق متعدد الأطراف مع حلفاء الناتو، ليعكس جدية ألمانيا في حماية حلفائها وضمان الردع ضد أي تهديد روسي محتمل، في وقت تعيد فيه أوروبا تقييم أمنها الجماعي، بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا.
التحالفات والتحديات الداخلية
على الرغم من استعداد ألمانيا العسكري، يظل الردع الجماعي لحلف الناتو قائماً على تحالفاته، مع دور الولايات المتحدة الاستراتيجي رغم تقلبات سياساتها. في الوقت نفسه، تعزز ألمانيا تحالفات إقليمية مع ثماني دول شمالية وبلطيقية (الدنمارك، النرويج، السويد، فنلندا، أيسلندا، إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا)، لضمان قدرة أوروبا على حماية نفسها دون الاعتماد الكلي على واشنطن، مع تكامل لوجستي واستراتيجي بين هذه الدول. ويسعى المستشار ميرز لتأكيد القيادة الأوروبية العملية، مع رفع ميزانية الدفاع إلى مستويات تاريخية، وإزالة سقف الدين المرتبط بالإنفاق العسكري، ما يتيح الاستثمار الكامل في الأسلحة والبنية التحتية الدفاعية، بما يشمل دعم أوكرانيا. ويعمل على توسيع التعاون مع الدول الأصغر في الشمال الأوروبي لتجاوز النماذج التقليدية للقيادة الأوروبية.
وتواجه ألمانيا تحديات ثقافية وبنيوية، تشمل عبء التاريخ والنزعة السلمية الطويلة، ونمط تفكير النخب السياسية الذي ركز على الاستقرار الاقتصادي أكثر من الاستعداد العسكري. ومع ذلك، تعمل القيادة الجديدة على معالجة هذه الفجوات عبر تطوير النقل العسكري، وتحديث البنية التحتية، وتدريب القوات، وضمان تعاون المجتمع المدني لدعم أي عمليات محتملة في أوروبا الشرقية. إجمالاً، تدخل ألمانيا بقيادة ميرز مرحلة استراتيجية لتعزيز الردع الأوروبي، وتطوير القدرات الدفاعية واللوجستية، مع توسيع التحالفات الإقليمية، والحفاظ على قدرة الناتو، موازنة بين الاستعداد العسكري وتفادي سباق تسلح في بيئة دولية معقدة.