أكروتيري.. قاعدة بريطانية في قبرص بين إرث الماضي وحسابات الحاضر
استمع إلى الملخص
- التوازنات السياسية والضغوط الدولية: أصبحت القواعد البريطانية جزءًا من التوازنات السياسية الإقليمية بعد استقلال قبرص، وواجهت بريطانيا ضغوطًا للحفاظ على وجودها العسكري، خاصة خلال الأزمة القبرصية في 1974.
- التطورات الحديثة والتحديات السياسية: تحولت القاعدة إلى مركز عمليات جوية بريطانية في الشرق الأوسط، مع دور متزايد في إدارة الأزمات، مما يتطلب قرارات سياسية حذرة لتجنب الانجرار إلى صراعات مباشرة.
لم تأتِ قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص إلى قلب الجدل السياسي المحتدم مع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران من فراغ، فالمكان الذي يعود إلى واجهة الأخبار مع كل تصعيد إقليمي، يحمل في طبقاته تاريخًا طويلًا من الحسابات الإمبراطورية والتحالفات الغربية، وهو تاريخ تكشف عنه وثائق محفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني تعود إلى ما قبل استقلال قبرص بسنوات طويلة. غير أن هذا الإرث التاريخي عاد ليفرض نفسه بقوة، بعدما صرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده سترسل المدمرة إتش إم إس دراغون ومروحيات إلى قبرص بعد استهداف القاعدة.
قاعدة أقدم من الأزمة: ما الذي تكشفه وثائق الأرشيف؟
بحسب الوثائق الأرشيفية، كانت قبرص حتى أواخر القرن التاسع عشر جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، قبل أن تنتقل إدارتها إلى بريطانيا عام 1878 لأغراض إدارية، من دون تنازل رسمي عن السيادة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام الدولة العثمانية إلى دول المحور، ضمّت بريطانيا الجزيرة رسميًا إلى التاج البريطاني وهو ما جرى الاعتراف به لاحقًا في معاهدة لوزان عام 1923، قبل أن تتحوّل قبرص عام 1925 إلى مستعمرة بريطانية كاملة.
وتُظهر وثائق الأرشيف الوطني أن الأهمية الاستراتيجية لقبرص لم تكن ثابتة. فقد تراجعت مكانتها العسكرية في المراحل الأولى من الحكم البريطاني، قبل أن تستعيد ثقلها مع بدايات الحرب الباردة. ومنذ أواخر الأربعينيات، بدأت لندن تنظر إلى الجزيرة بوصفها نقطة ارتكاز متقدمة لمراقبة الشرق الأوسط ودعم منظومات الدفاع الغربي، خصوصًا مع تصاعد التنافس مع الاتحاد السوفييتي في البحر المتوسط.
عند إعلان استقلال قبرص في 16 أغسطس/آب 1960، لم يكن الانفصال عن بريطانيا كاملًا. فقد ضمنت الاتفاقيات التي رافقت الاستقلال احتفاظ لندن بمنطقتين تحت سيادتها الكاملة: أكروتيري وديكيليا، بما يمثل نحو 2.9% من مساحة الجزيرة. صيغة قانونية هجينة أبقت هذه المناطق خارج السيادة القبرصية، مع إخضاعها في الشؤون المدنية للقوانين المحلية، لكنها رسّخت وجودًا بريطانيًا دائمًا في قلب شرق المتوسط.
حين اصطدم خيار الانسحاب بالضغط الأميركي
منذ ذلك التاريخ، لم تعد هذه القواعد مجرّد منشآت عسكرية ثابتة، بل تحوّلت إلى عناصر فاعلة في التوازنات السياسية الإقليمية. وتكشف الوثائق الممتدة بين عامي 1960 و1978 أن لندن أعادت مرارًا تقييم جدوى الاحتفاظ بمناطق السيادة البريطانية، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية التي واجهتها في سبعينيات القرن الماضي، وطرحت في أكثر من مرحلة خيار الانسحاب الكامل.
غير أن هذا الخيار اصطدم، بحسب الوثائق، بمعارضة أميركية واضحة. ففي عام 1974، ومع اندلاع الأزمة القبرصية والتدخل العسكري التركي، مالت بريطانيا إلى تقليص وجودها العسكري، إن لم تصل إلى حدّ الانسحاب الكامل. إلا أن الضغط الأميركي الذي قاده حينها وزير الخارجية هنري كيسنجر دفع لندن إلى التراجع، انطلاقًا من اعتبار واشنطن أن أي انسحاب بريطاني سيقوّض قدرة الغرب على مراقبة شرق المتوسط والشرق الأوسط، ويضعف منظومة الأمن الأطلسي في لحظة شديدة الحساسية.
من منصة دعم إلى عقدة أمنية
في هذا السياق، برزت قاعدة أكروتيري بوصفها أكثر من مجرد قاعدة جوية، فقد احتضنت شبكة مترابطة من المنشآت العسكرية والاستخباراتية، شملت محطات رادار وإنذار مبكر ومراكز اتصالات، استُخدمت في دعم عمليات حلف شمال الأطلسي وجمع المعلومات عن التحركات العسكرية في المنطقة. وتشير الوثائق إلى اعتماد الولايات المتحدة على هذه القاعدة في عمليات استطلاع حساسة، بعضها جرى بعيدًا عن الأضواء، وبموافقة ضمنية من السلطات القبرصية.
اليوم، تؤدي قاعدة أكروتيري دورًا يتجاوز كونها قاعدة دعم لوجستي، إذ تُعد الركيزة الأساسية للعمليات الجوية البريطانية في الشرق الأوسط ومنصة للانتشار السريع وإدارة الأزمات. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت تحوّلًا أكثر حساسية، بعدما باتت القاعدة نفسها داخل دائرة التهديد، مع تفعيل صافرات الإنذار واعتراض طائرات مسيّرة وإقلاع مقاتلات بريطانية ونشر أنظمة دفاع إضافية.
هذا الواقع حوّل أكروتيري من موقع عسكري متقدّم إلى اختبار سياسي داخلي لحكومة كير ستارمر وحدود قدرتها على إدارة الأزمات الخارجية من دون الوقوع في فخ الانجرار التدريجي. فرغم تكرار رئيس الوزراء التأكيد أن بريطانيا "ليست في حالة حرب" ولا تشارك في الضربات الهجومية ضد إيران، تُظهر الوقائع الميدانية أن القاعدة باتت جزءًا من معادلة عسكرية نشطة، سواء عبر تعزيز دفاعاتها أو السماح باستخدامها في استهداف منصات صاروخية أو رفع مستوى الجاهزية الجوية فيها.
في هذا المعنى، لم تعد أكروتيري ملفًا دفاعيًا تقنيًا، بل تحوّلت إلى عقدة سياسية تختبر قدرة القيادة البريطانية على ضبط دورها الخارجي في بيئة إقليمية سريعة الاشتعال. قاعدة تحمل تاريخًا إمبراطوريًا موثّقًا في الأرشيف وتفرض في الحاضر قرارات لا يمكن فصلها عن كلفتها السياسية، مهما جرى تغليفها بلغة "عدم الانخراط".