يا أقمار شيراز
مشهد من شيراز في ساعة الغسق (14/12/2015 Getty)
نراها أعمدة دخانٍ شديد الكثافة والسواد، يصعدُ إلى سماء شيراز، بعد قصف الطيران الحربي الإسرائيلي المدينة في جنوبي إيران، التي سمّيت يوماً "دار العلم"، وكانت عاصمة البلاد قبل قرون. لا نراها مدينة الحدائق كما وصفها جغرافيون وزوّارٌ وسفراء في غير زمن، وإنما هدفاً للعدوان. لا نراها مدينة شاعريْ إيران البديعيْن، المتصوفيْن، سعدي الشيرازي (606 – 691 هجرية) وحافظ الشيرازي (725 – 795 هجرية)، وإنما مدينة صناعاتٍ إلكترونيةٍ يضربها الإسرائيلي. لا نراها على الشاشات درّةَ حضارة فارس، بل مجرّد موقعٍ موصولٍ بموانئ البلد الذي يتعرّض لاستهدافاتٍ ثقيلة الحدّة. لا تُرينا الصور من هناك شيراز ساحاتٍ وشوارع وعمائر ومعالم، ولا ناساً ومواطنين. ولا نكاد نرى واحداً من جبالٍ تحيط بها. لا نرى أياً من أشجارها، أياً من كرومها، وقد قيل إن عنبها ممتاز، وهي بلاد الخمر في إيرانٍ سابقة.
لا نرى في الصور من شيراز قمرَها. ذاك الذي جعله عبد الوهاب البيّاتي اسماً لمجموعته الشعرية (1976) التي نحا فيها إلى منزعٍ صوفيٍّ، أو بدا في مزاجٍ صوفي. لقد أوحى في القصيدة التي أخذت المجموعة اسمَها "قمر شيراز" أن للمدينة أقماراً وليس واحداً. والشاعر العراقي الراحل (1999)، الذي طاف وأقام في مدنٍ كثيرة، جالت مخيّلتُه في عوالم عديدة منها، فاستوحى قصائدَ غير قليلة، وهو صاحب "قصائد حبٍّ على بوابات العالم السبع"، بنى في تلك القصيدة صورة شديدة التركيب، نوْرانية، تذهبُ إلى دواخل ذات الشاعر وتخرُج منه، تُسافر إلى منفى، إلى شيراز. تنشغل القصيدة بالشعر، أو بالذي يكتُبه البيّاتي من شعر، أو على الأصحّ بالذي يريد أن يكتُبه. يرى امرأةً تولد من شعرِه "امرأةً حاملةً قمراً شيرازياً/ في سنبلةٍ من ذهبٍ مضفور/ يتوهّج في عينيْها عسل الغابات وحزنُ النار الأبدية/ ...". وفي مقطع آخر، يحلّق صاحب "النار والكلمات" في تصوير المعشوقة المتخيّلة، والتي يتّحد معها الشاعر في إيقاعٍ واحدٍ، متفرّدٍ، وخلاصيٍّ على محملٍ ما. ".../ أفرد أجنحتي وأطيرُ إليها في منتصف الليل/ أراها نائمةً تحلُم بالقمر الشيرازي الأخضر فوق البوّابات الحجرية يبكي/ يتدلّى من أغصان حديقتها/ ويظلّ وحيداً يتعبّد فيها/ ما كان يكون/ حياتي كانت في الأرض غياباً وحضوراً تملؤه الوحشة والترحال وأشباح الموتى/ كوني/ أيتُها المشرّبة الوجنة بالتوت الأحمر والورد الجبلي الأبيض/ زادي في هذي الرحلة/ كوني آخر منفى وطن/ أعبُده/ أسكن فيه وأموت.
تبدو شيراز في قصيدة عبد الوهاب البيّاتي الباقية مدينة حبٍّ، مدينة نور، مدينة سُكنى لعشّاق. يقول: تلتهم النارُ النارَ/ وتخبو أحزانُ العشّاق الرحّل في صحراء الحبّ/ وتبقى شيراز/ ونبقى نرحلُ في الليل إليها محترقين بنار الحُزن الأبدية/ تنبتُ أجنحةً في الفجر لنا/ فتطير/ ولكنّا/ قبل وصول الركب إليه/ نتملكها/ نسكنُ فيها/ ونعود.
أتذكّر أنني خصّصتُ مقابلةً صحافيةً مع البيّاتي، نشرتُها في 1993، عن المدن التي أقام فيها (ومقاهيه فيها)، بغداد والقاهرة وبيروت ومدريد ودمشق وعمّان، وجِئنا فيها على مدنٍ زارَها وأحبّها. لا أتذكّر أننا أتيْنا على شيراز، وأظنّه لم يزُرها. ربما كان يلزم أن أسأله عن مدنٍ تخيَّلها، جالَ فيها شعرُه، لم أفعل. وهنا أسأل عن السبب الذي يجعل شاعراً، أو سارداً، يجتبي (يختار بفصحى أقلّ) مدينةً ما ليرى فيها دون غيرها معانيَ وإيحاءاتٍ يريدُها. ما الذي جعل صاحبنا يجد في شيراز فضاءً لقصيدته، الشهيرة بين دارسي الشعر العربي الحديث وقرّائه؟... الإجابة الممكنة أن موضع هذه المدينة في المتخيّل الشرقي العام مدينة عشقٍ صوفي، مدينة السكارى بالحبّ، مدينة الفن (تعدّ حالياً المدينة الإيرانية الأكثر ليبرالية). وللبيّاتي قصيدةٌ نشرَها تالياً "بكائية إلى حافظ الشيرازي"، تبدو قصيدة عشقٍ أيضاً، يصوغ فيها من حلمٍ يأتيه زمناً يرى فيه الشاعر الفارسي الكبير ومعشوقاته.
كأنها أقمارٌ في سماء شيراز، شخَصَ إليها عبد الوهاب البيّاتي، لا بعينيْه، بل برؤيته ورؤاه، لمّا أراد تجريباً آخر لقصيدته وهو يغادر سمتاً سابقاً طبَعها، أظنّه نجح، وأبدع قصيدةً حسنةً، باقيةً، استدعاها إلى البال دخانٌ أسودُ متعالٍ وعالٍ هناك، سبَّبه عدوانٌ إسرائيليٌّ مرذول... لعلّ في الوسع أن يُقرأ الشعر في غضون لعلعلة الصواريخ والمسيّرات والمجنّحات.