مليكة... تلك السيدة التي ملكت الصحراء
لقطة شاشة لمليكة من فيلم "صحراء 143" لحسّان فرجاني
ماذا يعني أن تكون امرأة في آخر عمرها وقد رمت نفسها من سنوات في مقهى بسيط لها في صحراء الجزائر تديره بنفسها، امرأة ليس لها من أحد، سوى قطّة وكلب، وتقول في شبه أسف ما وقد اختلط بحزن ما غير محدد: "من سنة 1994، عندما سرقني أهل المنيعة جئت إلى هنا"؛ فيلم وثائقي عن وحدة الإنسان الوحيد واختياره القاطع لوجوده، لحسّان فرجاني (2019)، وهو إنتاج جزائري فرنسي قطري، ونال جائزة الأوز الأبيض في بمهرجان سول الدولي للأفلام التسجيلية، وجائزة أفضل مخرج واعد من لوكارنو بسويسرا. ...
عجوز وحيدة مع قطة، وكلب، وفانوس صغير، في مكان موحش بصحراء لا تحدها حدود، تحت اسم "شارع الصحراء 143". لا تخاف مليكة من بعدها على شيء سوى على القطة والكلب، كثبان رملية هناك على مد البصر، وليس لديها سوى الشاي، وبعض البيض والخبز، والماء، كي تبيع بضاعتها البسيطة لسائقي المقطورات في الصحراء وبعض المغامرين والمغامرات من الأجانب عابري الصحراوات والبلدان، ترقص بأسى لا يفارقها أبداً، إن رأت السعادة تخاتلها في ناس الصحراء، كما حدث في آخر الفيلم، وتحكي مع العتّال، والسائق، واللص، والمثقف الذي لا يعرف إن كانت حبيبته تحبه أم لا، وهي ترد عليه ببساطة: "طالما أكلت معك البيض في الصحراء مخلوطاً بالرمال فهي بالتأكيد تحبك".
عن ماذا تبحث هذه السيدة في ذلك العالم الموحش من حولها، وما يقينها الذي يدفعها إلى الاستمرار فيه، حتى حين ما جاءت بجوارها "بنزينة"، ومع البنزينة مطعم، والحارس أيضاً جاء، وكان ذلك بمثابة شبه تهديد مباشر لخبزها، وشايها، ورزقها، إلا أنها استبشرت، رغم خوفها على رزقها، بوجود حارس بجوارها تتكلم معه في أوقات ضيقها في الصحراء، خصوصاً لو هجرتها القطة أو مشت، أو مات الكلب، أو انقطعت عنها أخبار بقية أهلها وقد تركتهم هناك؛ تدافع عن نفسها بالضحك تارة، وبالسخرية من العالم أيضاً، وتتأمل الكثبان الرملية، وخطباء الدين ومن يذهب كثيراً للحج والعمرة، ثم تعود لتأمل الكثبان الرملية واحتضان قطتها "ميمي"، أو البحث عن الكلب، إن شرد هنا أو هناك، هما صلتها الباقية بالعالم مع بعض الزوّار، وتضحك مع رجل في أسى عن أمر زواجها قائلة إنها "لم يبق لها في الدنيا سوى الكفن والقبر".
ما الذي يقوله هذا الفيلم الوثائقي، والذي يبدو أن صانعه دخل إلى حزن تلك السيدة بنبل ورهافة، وبلا ميوعة، أو تعاطف ساذج، والمرأة مليكة هي الأخرى حزينة، رغم أنها تمتلك ثقةً ما، وكأن تلك الثقة هي التي تمدّها بذلك الفرح الخفي، حتى وإن كان شحيحاً؛ ثقة رغم هول الصمت في تلك الصحراء الجزائرية القاسية، والأيام القاسية أيضاً، وكأن الفيلم يقف مع المرء الوحيد أمام قسوة مرور الزمن في صحراء شاسعة، ذلك المرء الذي لا يملك في مواجهة العالم والكثبان الرملية وأطماع الأهل، سوى ذلك الكلب وتلك القطّة، والسخرية المرّة من العالم والرؤساء الذين كانوا وراحوا، مثل هواري بومدين حين ما افتتح الطريق الذي به مقهاها البسيط، أما الرؤساء الحاليون، فمكانهم كما تقول مليكة "الطائرات"، وتكمل بأنها "لا تنتظر أي شيء من الحكومة"، لأنها جالسة تحمي نفسها بنفسها في الصحراء، وهي التي تأتي "بالبضاعة" من "المنيعة"، رغم أنهم سرقوا مشروعها الأول، حتى أسطوانة الغاز، فأسست مقهاها هذا الجديد الذي تم فيه وحوله تصوير هذا الفيلم الوثائقي "شارع الصحراء 143". الصور تقول الحزن مجسّداً في تلال من كلمات امرأة حزينة ووحيدة، تركت أهلها، لا عن ضعف، ولكن لأنها تريد أن تقول للعالم والصحراء: "هذا هو أنا مليكة"، حتى وإن كانت حزينة وتلوم الأهل، وتعتبر نفسها أيضاً سيدة، وقد كان قدرها تلك الصحراء وهذه الكثبان.
نحن أمام فيلم يحكي شخصية عربية فريدة، سيدة وحيدة، فضّلت أن تترك أهلها وتسكن مقهاها البسيط جداً على طريق شاحنات، تعد الشاي وتحكي همها البسيط للغرباء، وتستمع للناس بفطنة، وتعرف بفطنة أيضاً الصادق من الكذّاب، وحين ما يبدأ الليل، تغلق مقهاها، وتشعل فانوسها، فتحسّ أن الصحراء قد صارت أنثى، ولها بيت، وشاي، وفانوس، وأمل قادم قد يطرق الباب مع شروق الشمس، وقطّة تظل بجوارها تحت الغطاء، وكلب ينبح هناك يحرسها من الأذى، تلك هي السيدة التي لا تخاف في الصحراء من الذئاب التي تمشي على أربع أرجل، ولكنها تخاف من الذئاب التي تمشي على رجلين.